عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

فارس حامد: الأثر التدميري المزدوج لإكتناز الاموال الناتجة عن الفساد

اكتناز الأموال، هو حفظ السيولة النقدية وتجميدها بعيداً عن التداول والاسـتثمار (سواء في المنازل أو الخزائن المغلقة)

 ويعد أحد الظواهر التي تؤثر عميقاً في بنية الاقتصاد، وتنعكس سلباً على حركة المال في دورتها الطبيعية.

اخطر صور الاكتناز:

إن أخطر صور الاكتناز ليست تلك الناتجة عن الادخار المشروع، وإنما اكتناز الأموال المتحصلة من الفساد المالي والإداري.

فالفاسد غالبًا لا يستطيع توظيف أمواله بصورة طبيعية خشية انكشاف مصدرها غير المشروع، فيلجأ إلى إخفائها أو تهريبها أو تجميدها خارج الدورة الاقتصادية.

وهنا يتحقق الأثر التدميري المزدوج؛ فالفساد يستنزف المال العام ويحرمه من أغراضه التنموية، ثم يأتي الاكتناز ليمنع تلك الأموال من العودة إلى الاقتصاد الوطني والاستثمار المنتج، فتتضاعف الخسائر الاقتصادية والاجتماعية

 آثار هذه الظاهرة على مستوى الفرد والمجتمع:

أولاً: الأثر الاقتصادي على الفرد بصورة عامة (الاكتناز في المنازل)

على الرغم من أن المكتنز يظن أنه يحقق الأمان المالي، إلا أن النتيجة الواقعية على المدى المتوسط والطويل تكون مغايرة، وكما ياتي:

 1. تآكل القيمة الشرائية (التضخم):

المال المجمد لا ينمو، وفي المقابل ترتفع أسعار السلع والخدمات بمرور الوقت، هذا يعني أن القدرة الشرائية للمبلغ المكتنز تقل تدريجياً؛ فالألف دينار اليوم لن تشتري نفس السلع بعد سنوات.

 2. ضياع فرص النماء (تكلفة الفرصة البديلة):

حرمان الذات من عوائد الاستثمار الحقيقي (العقاري، الصناعي، أو التجاري) أو حتى الاستثمار الآمن، فالفرد يخسر هنا "الأرباح المركبة" التي كان يمكن أن تسهم في تحسين مستواه المعيشي.

 3. الجمود التنموي لثروة الأسرة:

تجميد النقد يمنع الفرد من تطوير مهاراته أو توسيع أعماله أو تأمين أصول إنتاجية مستدامة لعائلته، مما يجعل ثروته "ثروة ميتة" لا تلد مالاً جديداً.

ثانياً: أثر الإكتناز على المواطن البسيط (المستهلك والعامل)

المواطن الذي لا يملك ترف الاكتناز ويعتمد على دخله اليومي أو الشهري هو الضحية الأولى لثقافة الاكتناز المجتمعي، ويظهر ذلك في تفاصيل حياته اليومية:

1. شح فرص العمل وانخفاض الأجور:

عندما يكتنز الأثرياء أو الطبقة المتوسطة أموالهم، تتقلص السيولة المتاحة لتأسيس مشاريع جديدة (مصانع، متاجر، شركات مقاولات). هذا الانكماش يعني فرصة عمل أقل للمواطن البسيط، ويجعل سوق العمل راكداً، مما يمنح أصحاب العمل قدرة على خفض الأجور أو إبقائها منخفضة لزيادة المعروض من العمالة مقابل قلة الطلب.

 2. صعوبة الحصول على التمويل الشخصي: المصارف لا تقرض من أموالها الخاصة، بل تعيد إقراض ودائع المواطنين. غياب الودائع بسبب الاكتناز المنزلي يجعل المصارف ترفع كلفة الإقراض (أسعار الفائدة)، بالنتيجة، يجد المواطن البسيط صعوبة بالغة في الحصول على قرض ميسر لشراء مسكن، أو بدء مشروع صغير، أو تغطية مصاريف التعليم والعلاج.

 3. ارتفاع تكاليف المعيشة (مفارقة الركود التضخمي):

في بعض الحالات، يؤدي نقص السيولة المتداولة إلى لجوء الدولة لطرق بديلة لتمويل موازنتها، مثل زيادة الضرائب غير المباشرة أو الرسوم على الخدمات التي تمس المواطن البسيط مباشرة، مما يثقل كاهله المعيشي.

ثالثا: الأثر الاقتصادي على المجتمع والدولة:

المال في علم الاقتصاد يمثل "الدماء" التي تغذي شرايين السوق. إن حبس هذا النقد يؤدي إلى شبه شلل في الدورة الاقتصادية:

 1. انكماش السيولة وتراجع القوة الشرائية:

عندما تخرج كميات هائلة من النقد خارج التداول، يقل حجم الطلب الفعال في السوق. هذا الانكماش يدفع التجار والمصانع إلى تقليص إنتاجهم بسبب تراجع المبيعات.

 2. تعطيل المشاريع التنموية وزيادة البطالة:

يعتمد الاقتصاد الحديث على تحول المدخرات إلى استثمارات عبر القنوات الرسمية (المصارف، البورصة، الصناديق الاستثمارية). الاكتناز يحرم المشاريع الناشئة والشركات القائمة من التمويل اللازم للتوسع، مما يتسبب في ركود قطاع الأعمال وتراجع فرص العمل، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة.

 3. إعاقة السياسة النقدية للدولة:

تواجه البنوك المركزية صعوبة بالغة في إدارة الكتلة النقدية وتوجيه الاقتصاد (عبر أدوات مثل أسعار الفائدة) إذا كانت هناك نسبة كبيرة من الأموال تتحرك في "اقتصاد الظل" أو مخبأة تماماً خارج النظام المصرفي والرقابي.

 4. تراجع معدلات النمو الاقتصادي:

ينخفض الناتج المحلي الإجمالي نتيجة لتباطؤ حركة البيع والشراء والاستثمار، مما يجعل المجتمع في حالة ركود مستمر بدل التنمية والازدهار.

5. تعميق الفجوة الطبقية والاضطراب الاجتماعي: عندما يتركز المال الكثيف في خزائن مغلقة دون إعادة تدويره في شرايين المجتمع كأجور واستثمارات، تزداد الفجوة بين الطبقات ثراءً وفقراً. هذا الخلل يضعف "التماسك الاجتماعي" ويزيد من معدلات الجريمة، والسرقة، والشعور بالإحباط العام، خاصة بين فئة الشباب التي تعجز عن دخول سوق العمل.

خلاصة:

في الفكر الاقتصادي والاجتماعي، المال وسيلة للتبادل وأداة للإنتاج وليس غاية في ذاته. لذلك، فإن تحويله من "رأس مال عامل" إلى "نقد مكتنز" يمثل هدراً لفرص التقدم، ويحول الثروة من عامل بناء وتنمية إلى أداة لتعطيل الطاقات البشرية والاقتصادية.

فضلاً عن إن الأموال المتأتية من الفساد لا تكتفي بإفقار الدولة عند الاستيلاء عليها، بل تستمر في إفقار المجتمع عندما تُكتنز أو تُهرَّب خارج الدورة الاقتصادية، فهي تضرب الاقتصاد مرتين: الأولى بسرقة الموارد العامة، والثانية بحرمان السوق من السيولة والاستثمار وفرص العمل.

ولهذا فإن مكافحة الفساد ليست مجرد استرداد للأموال المنهوبة، وإنما هي أيضًا إعادة تلك الأموال إلى الدورة الاقتصادية المنتجة، بما يحقق التنمية ويعزز العدالة الاجتماعية ويعيد الثقة بمؤسسات الدولة.

***

فارس حامد عبد الكريم

نائب رئيس هيئة النزاهة الاتحادية الأسبق

بغداد - 2026

في المثقف اليوم