عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

حميد القحطاني: من الشرعية اللفظية إلى الشرعية الإنجازية

ما الذي تكشفه معركة النحو في العراق؟

انّ الضجّة التي أثارها اقتراح أحد الاعلاميين العراقيين تعيين ”مشرف لغوي“ لرئيس الوزراء لم تكن في جوهرها سجالاً نحويا عابرا حول ضمّة أُسقِطت أو فتحة أُسيء موضعها، بل كانت لحظة انكشاف نفسي وثقافي عميق، خرج فيها العراقي المعاصر من نقاش اللغة إلى مساءلة معنى الدولة ذاتها. فما بدا ظاهريا دفاعا عن سلامة الإعراب، كان في العمق صراعا بين صورتين للسلطة: سلطة كانت تستمد هيبتها من فخامة الخطاب وسلطة جديدة يُراد لها ان تُقاس بقدرتها على الإنجاز لا ببلاغة اللسان.

لقد ظلّ البيان في الوعي العربي والعراقي خصوصاً جزءا من هندسة الشرعية السياسية. فالحاكم في المخيال التقليدي لم يكن مجرد مدير للدولة، بل خطيبا يحمل سحر اللغة ورهبة الأداء، حتى غدت الفصاحة قرينة للهيبة وكأنّ الدولة تُحكم بالنحو قبل القوانين. من منابر الجاهلية إلى جمهوريات القرن العشرين كانت البلاغة تُنتج نوعا من السلطة الكاريزمية التي تُخضع الجماهير بالإيقاع قبل المنطق وبالصوت قبل الفعل.

غير أنّ المأساة التاريخية التي عاشها العراق والعالم العربي قلبت المعادلة رأسا على عقب. فالعقود الطويلة من الخطب الرنانة والشعارات الفخمة التي انتهت إلى الحروب والانهيارات والاستبداد، ولّدت داخل الوعي الجمعي ما يشبه الصدمة الحضارية تجاه البلاغة نفسها. لم يعد المواطن يثق باللغة حين تنفصل عن الواقع ولم تعد الفصاحة وحدها قادرة على انتاج الشرعية. وهكذا نشأ ما يمكن تسميته بـالشك الشعبي في البيان، حيث تحوّلت البلاغة من رمز للقيادة إلى احتمال للخداع ومن أداة اقناع إلى قناع قد يخفي الفراغ.

ومن هنا يمكن فهم العنف الرمزي الذي انفجر في التعليقات الرقمية. فالمجتمع لم يكن يناقش أخطاء لغوية بقدر ما كان يفاوض ذاكرته الجماعية. هناك من يرى في اللحن تصدّعا في صورة الدولة الوقورة، لأنّ الحاكم في اللاوعي العربي يُفترض أن يكون صورة للأب الكامل: فصيحاً ومتماسكا ومهابا. وفي المقابل ظهرت نزعة براغماتية ساخرة تكاد تقول: دعوا الحركات لسيبويه وأعطونا كهرباء وماء وعدالة. إنها الثنائية التي وصفها علي الوردي بـ ”ازدواجية الشخصية“، لكنها هنا تعود في نسختها الرقمية الحديثة: صراع بين التوق إلى الرمز وهيمنة الحاجة إلى المنفعة.

والأكثر دلالة أنّ السجال كشف عن جرح حضاري دفين لدى العراقي. فحين يستحضر المعلّقون دول الخليج أو مصر للمقارنة، فهم لا يقارنون أداءً لغويا فحسب، بل يقيسون المسافة المؤلمة بين إرث العراق التاريخي وواقعه الراهن. العراق الذي قدّم للعالم الحرف والنحو والمدارس العقلية الكبرى يجد نفسه اليوم مأزوما حتى في صورة خطابه الرسمي. هنا يتحول نقد الإعراب إلى احتجاج وجودي مكتوم، إذ لا يعود السؤال: لماذا اخطأ المسؤول لغوياً؟ بل: كيف انحدرت الدولة التي كانت مركزاً للمعرفة إلى هذا القدر من التآكل الرمزي؟

لقد منحت الرقمنة المواطن سلطة لم تكن متاحة من قبل. فالحاكم لم يعد محاطا بهالة مقدسة تُمنع مساءلتها، بل أصبح خاضعا لتشريح يومي علني، تُفكّك فيه نبرته وحركاته وحتى مخارج حروفه. انّها نهاية الزعيم المنبر وبداية المسؤول القابل للتقييم. ولهذا لم يعد الجمهور يبحث عن البلاغة بوصفها قيمة مستقلة، بل بوصفها جزءا من كفاءة شاملة، فإن غابت الإنجازات، تحولت الفصاحة إلى استفزاز وإن حضر الفعل غُفرت العيوب اللفظية.

إنّ ما يحدث اليوم ليس أزمة نحو، بل تحوّل في فلسفة الشرعية ذاتها. فالعراقي الذي طالما أُخضع لسحر الخطابة بدأ يتحرر تدريجيا من عبادة الشكل إلى مساءلة الجوهر ومن الانبهار بالنبرة إلى المطالبة بالمؤسسة. إنه انتقال تاريخي من الشرعية اللفظية إلى الشرعية الإنجازية، حيث لم تعد الدولة تُقاس بقدرتها على إنتاج الخطب، بل بقدرتها على إنتاج الحياة.

وهكذا فإن الجدل حول ضمة وكسرة لم يكن حدثاً صغيرا، بل علامة على مخاض فكري عميق يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة في العصر الرقمي، عصر لم يعد فيه البيان وحده يصنع الهيبة، بل أصبح الإنجاز هو اللغة الوحيدة التي يتقنها الناس جميعا.

***

حميد القحطاني