عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

حميد عقبي: قراءة نقدية في "نظرية الصفر اللغوي" للدكتورة سناء حميد البياتي

بين الادعاء والاكتشاف.. تفكيك غياب المنهج العلمي والتجريب في طرحها

يُقدَّم ما يُسمّى “نظرية الصفر اللغوي” على أنه اكتشاف يكشف آلية تولّد اللغة في الدماغ، بل وتطرحه صاحبته الدكتورة سناء حميد البياتي أحيانًا كإنجاز غير مسبوق عالميًا. هذا الادعاء، بحجمه وطبيعته، يستدعي أن نناقشه ونقيّمه بشكل موضوعي وفق معايير اللسانيات وعلم الأعصاب، وليس وفق الانطباعات أو الحضور الإعلامي. وحضور البياتي في برنامج د. باسم الجمل لا يعني العالمية، فلسنا أمام منصة أكاديمية؛ كما أننا نتكشف فجوة واضحة بين ما يُدّعى وما هو مُثبت، وسناء البياتي تردد الأسطوانة نفسها منذ 2005.

تقوم النظرية على افتراض “مرحلة صفر” تقع بين الفكرة والجملة، تمرّ خلالها عملية إنتاج اللغة بثلاث خطوات: تحديد نوع الفكرة، ربط مكوّناتها بعلاقات معنوية (الإسناد، التخصيص، الإضافة، التوضيح)، ثم اختيار الألفاظ. هذا البناء، في أفضل أحواله، نموذج تفسيري مبسّط لشرح كيفية بناء الجملة، وليس اكتشافًا لآلية دماغية. الفارق جوهري: الاكتشاف العلمي يقتضي أدوات قياس، وتجارب قابلة للتكرار، وبيانات منشورة في مجلات محكّمة؛ بينما الطرح المعروض يقوم على الاستبطان الذهني—أي تأمل ذاتي في كيفية صياغة الجمل—ثم تعميمه على الدماغ البشري. في حقل يشتبك مباشرة مع علم الأعصاب، لا يكفي هذا المنهج لإثبات أي آلية.

إشكالية المصطلح تكشف بدورها طبيعة الطرح. “الصفر” مفهوم رياضي رمزي، لا يدل على بنية فيزيائية يمكن رصدها في الدماغ. نقله إلى اللغة دون تعريف إجرائي قابل للاختبار يحوّله إلى استعارة جذابة، لا إلى مفهوم علمي. وهذا ما أشار إليه د. ضياء خضير حين نبّه إلى أن ما يُسمّى “الصفر” أقرب إلى المجاز منه إلى حقيقة قابلة للإثبات. قوة هذا النقد أنه يضبط المصطلح قبل مناقشة نتائجه: لا يمكن بناء نظرية على مفهوم غير قابل للتحديد التجريبي.

على مستوى المضمون، لا تحمل الفكرة جديدًا جذريًا. القول بوجود قدرة ذهنية لإنتاج اللغة، ومرور الفكرة بمراحل قبل التعبير، ومركزية العلاقات بين المعاني—كلها أفكار نوقشت منذ عقود، وتبلورت في أعمال نعوم تشومسكي ضمن إطار النحو الكلي، كما لها جذور في نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني. الجديد هنا هو إعادة ترتيب هذه الأفكار وتسميتها، وهو جهد قد يكون مفيدًا تعليميًا، لكنه لا يبرّر إعلان “اكتشاف لم يُسبق إليه”.

الأخطر هو التعميم الكوني. اختزال العلاقات النحوية في أربع، وتقديمها كقواعد مشتركة لكل اللغات، يتطلب برهنة مقارنة على طيف واسع من اللغات المختلفة بنيويًا. دون ذلك، يبقى هذا الاختزال أداة تبسيط، لا قانونًا كونيًا. وهذا ما يجعل القفز من الشرح التعليمي إلى الادعاء العلمي قفزًا غير مبرر.

في المقابل، يقدّم نقد د. ضياء خضير إطارًا متماسكًا: يطالب بالدليل، ويضع الفكرة في سياقها التاريخي، ويميّز بين القيمة التعليمية والادعاء العلمي. قد تبدو لهجته هادئة، لكنها منهجيًا دقيقة؛ إذ يضرب أساس الادعاء دون شخصنة. وهو يذكّر بأن العلاقة بين الفكر واللغة مسألة مفتوحة، تنازعها رؤى متعددة من تشومسكي إلى لودفيغ فيتغنشتاين، ولم تُحسم نهائيًا حتى اليوم.

أما القول بأن “أحدًا لم يسبق إلى اكتشاف كيفية تولّد اللغة في الدماغ”، فهو يتجاهل تاريخًا طويلًا من البحث منذ القرن التاسع عشر، من تحديد مناطق اللغة إلى دراسات التصوير العصبي الحديثة. هذا السؤال لم يُحسم عالميًا، وأي ادعاء بحسمه يتطلب أدلة استثنائية—وهي غير متوفرة هنا. كذلك، التقليل من جهود تشومسكي أو غيره لا يغيّر حقيقة أن تلك الأعمال خضعت لعقود من النقد والتطوير، بينما يبقى هذا الطرح ثابتًا تقريبًا منذ 2005 دون اختبار مستقل أو مراجعة جوهرية.

تزداد الإشكالية حين يُربط الطرح بإثبات الإعجاز أو بتفوق حضاري شامل. الانتقال من نموذج لغوي إلى أحكام نهائية من هذا النوع قفزة خطابية لا سند علمي لها. كما أن استدعاء عبارات الترويج - كالدعوة إلى اعتبار العمل “اكتشافًا عالميًا” أو الإيحاء باستحقاق جوائز كبرى - لا يعوّض غياب المنهج، بل يكشفه.

مع ذلك، ليت الدكتورة البياتي دعت مثلًا إلى دعم الجهود والدراسات الداعية إلى تبسيط النحو، والتركيز على المعنى والسياق، والانتقال من الجملة إلى مكوّناتها؛ فكلها اتجاهات مفيدة تربويًا، وتتقاطع مع اللسانيات التطبيقية.

استنتاجات مختصرة:

ما يُقدَّم ليس اكتشافًا، بل نموذج تفسيري مبسّط.

مصطلح “الصفر” استعارة، لا مفهومًا علميًا قابلًا للاختبار.

لا توجد أدلة تجريبية أو نشر محكّم يدعم الادعاء.

الأفكار الأساسية مطروحة سابقًا في اللسانيات والفلسفة.

التعميم الكوني للعلاقات النحوية غير مُثبت.

ربط الطرح بالإعجاز أو التفوق الحضاري قفزة غير مبررة.

كلامها يخلو من أي اكتشاف أو منهجية.

***

حميد عقبي

........................

لسماع ومشاهدة مداخلة نقدية لعشرين دقيقة مرفق الرابط

https://youtu.be/lRb43ivvxnM?si=korLVhW6waEJGdOA