أقلام حرة

ربى رباعي: جغرافيا الخذلان.. حين يغدو الوجع مرجعًا واليقين ملاذًا

مقدمة: يُعدّ الخذلان أحد أكثر التجارب الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا، إذ لا يقتصر أثره على لحظة الانكسار الآني، بل يمتد ليُعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. وفي سياق تتكاثر فيه الأقنعة الاجتماعية وتتآكل القيم العاطفية، يغدو الوجع ذاته مرجعًا وجوديًّا، ويصبح اليقين حالة نادرة يُلجأ إليها لا بوصفها خيارًا، بل ضرورة نفسية ومعرفية. ومن هنا تتبدّى جغرافيا الخذلان بوصفها فضاءً داخليًّا يتشكّل من الانكسارات المتراكمة، ويُعاد رسم حدوده مع كل تجربة فقدٍ أو خيبة.

أولًا: الخذلان كخبرة وجودية

لا يمكن مقاربة الخذلان بوصفه حدثًا عابرًا أو شعورًا مؤقتًا، بل هو تجربة وجودية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآخر. فالخذلان لا ينشأ من العدم، بل من التعلّق، ومن توقّع الحماية أو الاحتواء، وحين ينكسر هذا التوقّع، يتحوّل الألم إلى وعيٍ حادٍّ بالهشاشة الإنسانية. عند هذه النقطة، يصبح الوجع لغة داخلية، ومرجعًا يُقاس به صدق العلاقات وعمقها.

ثانيًا: العزلة بوصفها استجابة نفسية

أمام ضجيج البشر وتكاثر أقنعتهم، يلجأ الفرد إلى العزلة لا بدافع التعالي أو الرفض، بل كآلية دفاعية تحمي ما تبقّى من سلامه الداخلي. هذه العزلة ليست انسحابًا سلبيًّا، بل إعادة تموضع نفسي، حيث يعيد الإنسان ترتيب أولوياته العاطفية، ويُقلّص دوائر الثقة، ويبحث عن معنى أقل ضجيجًا وأكثر صدقًا. وهنا، تتحوّل الوحدة من فراغ مؤلم إلى مساحة تأمّل ونجاة.

ثالثًا: الهروب إلى الآخر بوصفه يقينًا

في خضم هذا الانسحاب غير الإرادي من العالم، قد يجد الإنسان نفسه يهرب إلى شخصٍ بعينه، لا لأنه الأقرب جغرافيًّا، بل لأنه الأكثر طمأنينة. هذا الهروب ليس ضعفًا، بل اختيار فطري لليقين في عالم متقلّب. فحين تُمسك يدٌ ما بضعف الأصابع بدل أن تتركها تسقط، يتشكّل معنى جديد للاحتواء، ويتحوّل الآخر إلى ملاذ نفسي، لا يُطلب منه الكمال، بل الصدق والثبات.

رابعًا: الاصطفاء العاطفي ومعناه

إن اصطفاء القلب لشخصٍ واحد من بين العالمين ليس فعلًا عبثيًّا، بل نتيجة تراكمية لتجارب الخذلان السابقة. فالقلب، بعد أن يرهقه الفقد، لا يعود كريمًا في اختياراته، بل دقيقًا وحذرًا. ومن هنا، يصبح الاصطفاء العاطفي تعبيرًا عن نضج وجداني، لا عن انغلاق؛ إذ يختار الإنسان من يستطيع أن يرى ضعفه دون أن يستغله، وأن يحتوي ألمه دون أن يُنكره.

خاتمة

إن جغرافيا الخذلان ليست خريطة للانكسار بقدر ما هي سجلّ للتحوّل الإنساني. ففيها يتعلّم الفرد أن الوجع قد يكون معلّمًا، وأن اليقين لا يُمنح للجميع، وأن النجاة أحيانًا تكمن في يدٍ واحدة تُمسك بنا حين يفلت العالم. وبهذا المعنى، لا يصبح الخذلان نهاية الطريق، بل بدايته الأكثر صدقًا نحو فهم الذات واختيار الآخر.

***

بقلمي: ربى رباعي/ الاردن

في المثقف اليوم