أقلام حرة

أكرم عثمان: رمضان مدرسة إدارة الوقت.. كيف يحول الصيام ساعاتنا إلى إنجاز وبركة

يعد الوقت أثمن ما يملكه الإنسان في هذه الحياة، فهو رأس مال العمر وأداة البناء والتعمير والتغيير. وقد أدرك الإسلام قيمة الوقت فأقسم الله به في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ سورة العصر. في إشارة واضحة إلى أن الإنسان يخسر إن لم يحسن استثمار وقته في العمل الصالح والإنجاز النافع الذي يجلب الخير له ولغيره. ومن هنا يأتي شهر رمضان ليكون مدرسة تربوية عظيمة تعلم الإنسان كيف يدير وقته وينظمه بطريقة تحقق التوازن بين العبادة والعمل والحياة.

إن الصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب عملي على الانضباط الذاتي وتنظيم الحياة. فالصائم يبدأ يومه في وقت محدد للسحور، ويؤدي صلواته في أوقاتها، وينتظر لحظة الإفطار بدقة، ويحرص على صلاة التراويح وقيام الليل. هذا النظام الزمني المتوازن يجعل المسلم يعيش تجربة فريدة من نوعها في إدارة الوقت والتخطيط له، حيث يتعلم كيف يوزع يومه بين العبادة والعمل والعلاقات الشخصية والعائلية والاجتماعية.

ومن المعاني العميقة التي يرسخها رمضان في نفوس الصائمين أن إدارة الوقت هي في الحقيقة إدارة للذات وبناء له. فحين ينجح الإنسان في تنظيم يومه وتحديد أولوياته، يصبح أكثر قدرة على الإنجاز وتحقيق أهدافه والغايات التي يسعى لها. إن إدارة الوقت ليست مجرد جداول أو مواعيد، بل هي وعي بالقيم والرسالة والتوجه التي يحملها الإنسان في حياته المهنية والاجتماعية، وهو ما يمكن تشبيهه بالفرق بين “ الساعة ” و “ البوصلة ”. فالساعة تنظم المواعيد والأنشطة، أما البوصلة فهي التي تحدد الاتجاه والقيم والمعاني التي تقود تلك الأنشطة.

ومن خلال هذا الفهم يصبح رمضان فرصة حقيقية لتصحيح المسار، فالمسلم يراجع ذاته ويتأمل أين يذهب وقته، وما الذي يستهلك طاقته دون فائدة أو ضياع. وفي هذا السياق قال رسول الله ﷺ:“ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ” أخرجه البخاري.  فالفراغ إن لم يستثمر في الخير تحول إلى خسارة وأداء تهزم الإنسان وتجلب له الفشل والبوار، أما إذا أحسن استثماره فإنه يصبح طريقاً للنجاح والتطور والتميز.

كما أن إدارة الوقت في رمضان تعلمنا مبدأ مهماً يشبه ما يمكن تسميته بقانون المزرعة؛ فالمزارع لا يحصد قبل أن يزرع، ولا يجني الثمار قبل أن يبذل الجهد ويصبر على مراحل النمو ومواكبة الموسم والزرع. كذلك في رمضان، من أراد الأجر والثواب والتغيير الحقيقي في حياته، فعليه أن يغتنم كل لحظة ويوم وكل ساعة في الطاعة والعمل الصالح والتقرب لله عز وجل. فالأعمال العظيمة لا تأتي صدفة، بل هي نتيجة للالتزام والاستمرارية والانضباط المستمر والمتواصل.

ومن أبرز فوائد تنظيم الوقت في هذا الشهر المبارك أن الإنسان يشعر بتحسن في حياته وعمله، حيث يصبح أكثر نشاطاً وإنتاجية. كما يتيح له رمضان فرصة لتعزيز العلاقات الاجتماعية من خلال صلة الأرحام والأقارب والأصدقاء ومساعدة المحتاجين والتواصل مع الآخرين بروح من المحبة والتكافل والتكاتف والتلاحم. إضافة إلى ذلك، يفتح هذا الشهر باباً واسعاً للتطوير الذاتي والنماء الشخص والجمعي، إذ يتعلم الصائم الصبر وضبط النفس والتحكم في الغضب، وهي مهارات حياتية أساسية لبناء شخصية متوازنة.

إن إدارة الوقت في رمضان ليست هدفاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء الشهر، بل هي عادة إيجابية يمكن أن تمتد إلى بقية الشهور والعام. فإذا نجح الإنسان في تنظيم وقته خلال رمضان، فإنه يستطيع أن يحمل هذه التجربة إلى حياته اليومية في العمل والأسرة والمجتمع. وهنا تتحول ساعات اليوم العادية إلى فرص للإنجاز والنمو والتقرب إلى الله.

وفي النهاية، يبقى رمضان رسالة عملية لكل إنسان مفادها أن من أحسن إدارة وقته أحسن إدارة حياته. فالوقت هو الحياة، ومن استثمره بوعي وإيمان استطاع أن يصنع لنفسه حياة أكثر بركة وإنجازاً وتأثيراً. ومن هنا كان رمضان بحق مدرسة عظيمة تعلمنا كيف نحيا بوعي، ونخطط بحكمة، ونعمل بإخلاص لنحقق التوازن بين الدنيا والآخرة.

***

د. أكرم عثمان

15-3-2026

في المثقف اليوم