أقلام حرة
صادق السامرائي: الكراسي العقائدية!!
العقيدة: الحكم الذي لا يُقبَل الشك فيه لدى معتقده. والعقيدة أيا كان نوعها (فردية، حزبية، دينية)، لا تصلح للجلوس على كرسي السلطة في أي مجتمع، لأنها لا تعترف بالسياسة ولا تجسدها، وتتصرف وفقا لأوهامها التي تحكمها، وتنفي وجود الآخر.
العقائدي يتحرك بناءً على ثوابت راسخة في وعيه، ويرى أنه مُحق وغيره على باطل، ولديه الحقيقة المطلقة، ولا يؤمن بدوران الأرض، بمعنى التغيير والتواكب مع معطيات الزمان المتجدد، ولديه رغبة في سحق الأجيال وتدمير تطلعاتها، والتمسك بما يراه ويفرضه بالقوة، ومَن يعارضه يكون في عداد الراحلين.
لا يوجد نظام حكم عقائدي في مسيرة البشرية تحرر من قبضة أوهامه، التي أخذته إلى مصير مشؤوم بعد أن دار الزمن وتوافدت الأجيال.
العقادي يمعن بالفساد ويرى أنه نزيه، ويمارس الخيانة ويصف سلوكه بالوطني، ويسرق أموال الدولة وحقوق الناس، ويبرر ذلك على أنه من حقه، وتعبير عن إرادة الخير الكامنة فيه، وإياك أن تعترض عليه، لأنه سيراك عدوا له، ومناوئا لمصلحة البلاد والعباد وسيرميك بما يسوّغ القضاء عليك.
والأغرب من كل شيئ، أنه يرى نفسه مسنودا من قوى خارجية، وحينما يأخذه وهمه إلى أن القوة التي معه إلهية وربانية، فعندها تقع الواقعة وتتطور الفاجعة، ويتحول إلى وحش مطلوق العنان، حتى يتسلط عليه مَن يفترسه بشراسة الضواري السابغات.
إن مشكلة العديد من المجتمعات في الكراسي العقائدية القاسية على ذاتها وموضوعها، وفقا لأوهامها التي تعميها وتسلب بصيرتها، فتمعن بالظلم وتدّعي بأنه العدل، وتعتمد على الولاء وفي طياته ما لايخطر على بالها من المفاجآت، وتمضي في حكمها كالمنومة التي تطلق ردود أفعال إنفعالية تزري بها وتعقد مشاكلها، وتأخذها إلى أتون النيران.
الكراسي العقائدية لا تؤمن بالعقل، وتفرض مناهج السمع والطاعة، ونفذ ولا تناقش، وتبقى تطارد أوهامها، حتى تسقط في مهاوي الفناء، ومَن ينظر إلى مصير الأحزاب العقائدية في بعض المجتمعات ستتضح له صورة المآسي التي أوجدتها في ديارها، وكيف جنت على نفسها ومواطنيها.
تعقّدتِ الحياةُ بما اعْتقدنا
ومِنْ وَجعٍ إلى وجعٍ مَضيْنا
سراة وجودنا وَهمٌ حَداهمْ
يُقيّدنا ويُسيّدهمْ علينا
فما ربحتْ تجارتهمْ بحُكْمٍ
بسوءِ مَرامِهمْ نَحنُ ابْتلينا
***
د. صادق السامرائي







