أقلام حرة

محمد الزموري: القلب له منطقه الخفي

حين تعجز الحسابات عن احتواء الإنسان

في عبارة قصيرة، لكن كثيفة كضربة حدس، كتب بليز باسكال: «للقلب أسباب لا يعرفها العقل». جملة لا تُقرأ، بل يُصغى إليها، لأنها تمسّ شيئًا عميقًا في التجربة الإنسانية، شيئًا نعرفه جميعًا دون أن نستطيع دائمًا تسميته. منذ فجر الفلسفة، بدا الإنسان وكأنه ساحة صراع بين قوتين: عقلٍ يريد النظام واليقين، وقلبٍ يطالب بالمعنى والإمتلاء.

في المخيال الفلسفي التقليدي، ظهر العقل بوصفه الحَكَم الأعلى: صارم، موضوعي، بارع في الحساب، قادر على وزن الاحتمالات، وتقدير المخاطر، ورسم الطرق الآمنة. هو الذي يعيد التوازن حين تداهمنا الفوضى، ويمنحنا شعورًا بالسيطرة وسط القلق. أما الشغف، فغالبًا ما قُدِّم على أنه اضطراب، حركة عمياء في الروح، إنفعال يقتحمنا من الخارج، ويجرّنا بعيدًا عن الرشد، نحو المجهول وغير المحسوب.

لهذا السبب، سعت الفلسفات العقلانية — من الرواقية القديمة إلى ديكارت وسبينوزا — إلى تحرير الإنسان من سلطة الانفعالات، وإخضاع الحياة لقيادة العقل وحده. فالسعادة، في هذا الأفق، تُنال حين نصمت القلب وننصت للحسابات.

لكن باسكال يقف هنا موقف المعارض الهادئ، لا ليُسقط العقل، بل ليعيد الاعتبار لما تم إقصاؤه طويلًا: القلب. يخبرنا أن في الإنسان بوصلة أخرى، لا تعمل بالأرقام ولا بالبراهين، لكنها ليست أقل عمقًا ولا أقل صدقًا. هناك قرارات نعرف، في صمتنا الداخلي، أنها صائبة، حتى لو عجزنا عن تبريرها منطقيًا. ليست اندفاعًا أعمى، ولا نزوة عابرة، بل شعور داخلي راسخ، يمنح الفعل معناه ويمنحنا السلام بعد اتخاذه.

كم مرة اخترنا طريقًا لا يبدو «معقولًا» على الورق، لكنه كان الوحيد الذي منح حياتنا طعمها؟ من يترك وظيفة مربحة ليلاحق شغفًا قديمًا، أو من يفضّل البقاء في مكان يحبه رغم ضيق الفرص، يعرف أن الحسابات وحدها لا تكفي لتحديد ما يستحق العيش.

يمضي ديفيد هيوم أبعد من باسكال، حين يعلن بجرأة أن العقل ليس محرّك الأفعال، بل خادمها. العقل، في نظره، يصف العالم كما هو، لكنه عاجز عن أن يقول لنا ما الذي ينبغي فعله. من الواقع لا يُستنبط الواجب، ومن الوصف لا تولد القيم. ما يدفعنا إلى الفعل ليس المعرفة، بل الإحساس: إحساس باللذة أو بالألم، بالقبول أو بالنفور. حتى الأخلاق نفسها، عند هيوم، ليست حكمًا عقليًا باردًا، بل استجابة شعورية عميقة في النفس الإنسانية.

نغفر أحيانًا حين يكون الانتقام هو «الخيار العقلاني». نمدّ يد العون حيث لا فائدة تعود علينا. يترك البعض حياة آمنة ليخاطروا بأنفسهم في مناطق الحروب والكوارث، لا لأن ذلك منطقي، بل لأن في داخلهم صوتًا أخلاقيًا لا يقبل الصمت، شعورًا بالتعاطف لا يمكن اختزاله في معادلة.

العقل يرشدنا إلى الوسائل، لكنه لا يخلق الغايات. الأهداف تولد من مزاجنا، من إحساسنا الداخلي بما يستحق العناء. وربما لهذا السبب قال هيغل — الفيلسوف الذي جعل من العقل روح التاريخ — إن الشغف ليس نقيض الأخلاق، بل محركها الخفي. فالعالم، كما يذكّرنا، لم يشهد إنجازًا عظيمًا دون شغف، دون اهتمام عميق يدفع الإنسان إلى تجاوز السكون.

هكذا، لا يعود القلب خصمًا للعقل، بل شريكه الصامت. العقل يضيء الطريق، لكن القلب هو من يختار الإتجاه. ومن دون هذا التوتر الخلاق بينهما، يفقد الإنسان شيئًا جوهريًا: قدرته على أن يحيا لا فقط بما هو صحيح، بل بما هو جدير بأن يُعاش.

***

محمد إبراهيم الزموري

في المثقف اليوم