أقلام حرة
محمد الربيعي: جراحة الجرح العراقي
العراق ليس ارضا بلا ثروات، بل ارضا تنهب ثرواتها، ليس عاجزا عن النهوض، بل مكبلا بقيود الفساد التي جعلت من الدولة غنيمة ومن الشعب ضحية.
احيانا اشعر ان الحديث عن الحلول الواقعية ضرب من العبث، لان المشكلة ليست في المال ولا في النفط ولا في المياه، بل في غياب الضمير. العراق لا يحتاج الى خطط خمسية ولا الى مؤتمرات دولية، بل يحتاج الى لحظة صدق واحدة، الى قرار واحد يوقف النزيف، الى يد نظيفة تجرؤ على لمس الجرح.
قد تبدو هذه الكلمات مثالية، وربما ساذجة، لكنني اؤمن ان الخيال احيانا هو الطريق الوحيد لفتح نافذة في جدار مغلق. ماذا لو كان الاصلاح يبدا من التعليم، من طفل يتعلم ان الوطن ليس غنيمة؟ ماذا لو كان الحل في ثقافة جديدة، لا ترى الدولة كغنيمة بل كبيت مشترك؟ ماذا لو كان التغيير يبدا من ابسط التفاصيل: من كتاب مدرسي يزرع في عقل صغير فكرة ان العراق ليس ارضا للبيع، بل ارضا للحياة؟
وماذا لو كان الاصلاح يبدا من قصيدة او اغنية او لوحة تذكر الناس بأنهم شعب واحد، لا طوائف متناحرة ولا قبائل متفرقة؟ اليس الشعر والفن احيانا اقدر من السياسة على جمع القلوب؟ وماذا لو كان الحل في اعادة الاعتبار للجامعة، للمعلم، للمثقف، بحيث يصبح العقل العراقي هو الثروة الحقيقية، لا النفط ولا العقود ولا المناقصات؟
اعرف ان هذه مجرد خواطر، وان الواقع اقسى من ان يغير بالكلمات. لكنني اكتب لان الكتابة نفسها مقاومة، ولان الحلم، مهما بدا هشا، قد يجد يوما طريقا الى التنفيذ. ربما لا يغير النص حكومة، لكنه قد يغير قارئا، وقد يزرع بذرة في قلب انسان يقرر ان يكون مختلفا.
العراق لا يحتاج الى اموال اضافية، ولا الى وعود جديدة. يحتاج فقط الى ان يتوقف ابناؤه عن سرقة مستقبلهم، وان يجرؤوا على بناء دولة لا تباع ولا تشترى. يحتاج الى ان يتعلم ان الوطن ليس عقدا في وزارة، ولا منصبا في برلمان، بل هو بيت كبير، اذا انهار سقفه فلن ينجو احد.
الخلاصة؟ العراق يحتاج الى خيال يجرؤ على ان يحلم، والى ضمير يجرؤ على ان ينفذ. وبين الحلم والتنفيذ، هناك طريق طويل، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق ان يسلك.
***
محمد الربيعي
بروفسور ومستشار دولي، جامعة دبلن







