أقلام حرة

رافد القاضي: كرة القدم حافية

فلسفة البساطة في ملعب الرشيدة الدولي

في قرية نائية من قرى محافظة القادسية لم يكن ملعب الرشيدة الدولي مجرد ساحة لكرة القدم ولا مجرد اسم عابر في ذاكرة الرياضة بل كان معنى كاملًا قائمًا بذاته معنى يقول إن البساطة ليست نقصًا بل اختيارًا وليست فقرًا في الإمكانات بل غنى في الروح وفي ذلك الملعب البسيط كانت كرة القدم أقرب ما تكون إلى أصلها الأول حين لم تكن صناعة ولا استعراضًا ولا سوقًا مفتوحة بل فعلًا إنسانيًا خالصًا يولد من الحاجة إلى اللعب وإلى الفرح وإلى الاجتماع حول حلم صغير اسمه الهدف.

كان اللاعبون القادمون من القرية يدخلون الملعب كما يدخلون حياتهم اليومية بلا أقنعة ولا أزياء مستعارة وحفاة الأقدام يلامسون التراب مباشرة كأنهم يريدون أن يتأكدوا أن الأرض ما زالت تحتهم وأن اللعبة ما زالت متصلة بالمكان والقدم الحافية لم تكن علامة ضعف بل دليل ألفة مع الأرض ومع قسوتها وحرارتها وبرودتها وكانوا يعرفون كيف يركضون دون حماية زائدة وكيف يسقطون ثم ينهضون لأنهم تعلّموا ذلك قبل الكرة في الحقول والدروب الطويلة.

أما ملابسهم الدشداشة الريفية فلم تكن خروجًا عن اللعبة بل دخولًا صريحًا للحياة إلى داخلها ولم يكن هناك فاصل بين الفلاح واللاعب ولا بين العامل والهداف والشخص نفسه، بالجسد نفسه بالحلم نفسه ينتقل من تعب النهار إلى متعة العصر ةكانت الدشداشة وهي تتحرك مع الجري تحمل رائحة القرى وعرق التعب الشريف وتقول بصمت إن الرياضة ليست عالمًا منفصلًا عن المجتمع، بل مرآته الصادقة.

وفي وسط هذا المشهد يقف الحكم يحمل عصًا غليظة من توثية ولم تكن العصا تهديدًا ولا قسوة بل رمزًا لزمن كانت فيه السلطة أخلاقية قبل أن تكون تقنية ولم يكن الحكم محاطًا بعشرات القوانين المكتوبة ولا بالتقنيات التي تراقب كل حركة بل كان حاضرًا بهيبته، بشخصيته، باتفاق غير معلن مع اللاعبين والجمهور على احترام اللعبة والعصا كانت اختصارًا لفكرة النظام البسيط ذلك النظام الذي يقوم على الثقة لا على التعقيد.

الجمهور في ملعب الرشيدة لم يكن جمهورًا متفرجًا فقط بل شريكًا في الحدث ويعرف اللاعبين بأسمائهم وبقراهم وبحكاياتهم ويهتف لأنه يشعر أن الفوز يمسّ كرامته اليومية ويصمت حين يخسر لأنه يعرف أن الخسارة جزء من المحاولة ولم تكن هناك مدرجات والجمهور يفترش الارض لكن القرب كان شديدًا قرب يجعل اللعبة حقيقية ويجعل الصوت يصل إلى القلب بلا وسيط.

ويأتي صوت المعلّق أبو ريسان ليكمل الصورة ولم يكن صوته متكلّفًا ولا محمّلًا بمصطلحات مصقولة بل كان ابن اللحظة ويعلّق كما يشعر ويصف كما يرى ويترك للكلمة أن تخرج دافئة كما خرجت من صدره وكان صوته ذاكرة تمشي على الهواء لا تفصل بين الحدث ومعناه ولذلك بقي صوته عالقًا في الوجدان لأن الذاكرة لا تحفظ إلا ما كان صادقًا.

في ملعب الرشيدة الدولي كانت كرة القدم فلسفة تُعاش لا نظرية تُشرح وكانت تقول إن الجمال لا يحتاج إلى بهرجة وإن المهارة لا تحتاج إلى أحذية باهظة وإن العدل لا يحتاج دائمًا إلى شاشات وكانت البساطة هنا موقفًا أخلاقيًا تضع الإنسان قبل النظام والروح قبل الشكل والمعنى قبل الصورة ولم تكن ضد التطور لكنها كانت تحذيرًا مبكرًا من أن يتحول التطور إلى قطيعة مع الجوهر.

هكذا، في ذلك الملعب لم تكن المباراة تنتهي مع صافرة الحكم بل تستمر في الحكايات في الذاكرة في المقارنات الصامتة مع حاضرٍ صار أثقل مما ينبغي وحين ننظر اليوم إلى كرة القدم الحديثة بكل أضوائها وصفقاتها نفهم أن ما نفتقده ليس الإمكانات بل تلك العلاقة البسيطة بين الإنسان واللعبة ونفتقد اللاعب الذي يلعب لأنه يحب والحكم الذي يحكم لأنه عادل والمعلّق الذي يتكلم لأنه يشعر.

في ملعب الرشيدة الدولي كانت البساطة تبلغ ذروتها : لاعب حافٍ حكم بعصا جمهور قريب وصوت صادق ومع ذلك أو ربما بسبب ذلك كانت اللعبة أكثر نقاءً وكانت كرة القدم هناك تشبه الناس وتشبه الحياة وتشبه نفسها قبل أن تُثقَل بالزينة ولذلك لم يكن ملعب الرشيدة صغيرًا بل كان واسعًا بما يكفي ليحتوي معنى كاملًا عن العالم معنى يقول إن الأشياء حين تكون بسيطة تكون أصدق وحين تكون صادقة تصبح خالدة.

وما دام هناك من يتذكر لاعبًا حافيًا يركض فوق التراب وحكمًا بعصاه يقيم العدل الشعبي وصوت أبو ريسان يعلّق من القلب فإن تلك الكرة لم تتوقف عن الدوران وما زالت تدور في الذاكرة وفي الحنين وفي فلسفة البساطة التي لا تشيخ، لأنها كلما ابتعد عنها العالم ازداد احتياجه إليها.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

في المثقف اليوم