أقلام حرة

شاكر عبد موسى: احتكار المعرفة

لقد أصبح الإنترنت الذي نستخدمه اليوم مثالاً حياً على قوة التعاون الدولي، بفضل الجهود المشتركة للعالم البريطاني تيم بيرنرز لي والمهندس البلجيكي روبرت كايليو، الذين عملا معاً في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN).

في ظل التحديات العالمية الملحّة مثل تغير المناخ، والصحة العامة، وندرة الموارد، تزداد أهمية التعاون العالمي بشكل استثنائي. غير أن العديد من العلماء يحذرون من أن التوترات الجيوسياسية باتت تعيق دراسة هذه القضايا وإيجاد حلول فاعلة لها.

خلال فعالية استضافتها جامعة هونغ كونغ يوم الاثنين السابق، جمعت ستة من الحائزين على جائزة نوبل من دول متنوعة كالمجر وبريطانيا وروسيا وسويسرا والولايات المتحدة، أشار (وانغ يانغ)، نائب رئيس الجامعة وعالم الرياضيات البارز، إلى أن بيئة التعاون العلمي الدولي تواجه تحديات كبيرة حالياً في ظل المناخ السياسي السائد.

وأوضح وانغ أنه "في الماضي، كانت التبادلات العلمية تسير بسلاسة، لكننا نشهد الآن حواجز متزايدة، لا سيما مع الولايات المتحدة. وهذه المشكلات في الغالب من صنع الإنسان." يُشار إلى أن وانغ حصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد وبدأ مسيرته الأكاديمية في الولايات المتحدة قبل انتقاله إلى هونغ كونغ.

وأضاف وانغ أن الباحثين الدوليين الذين يزورون الصين يواجهون صعوبات متزايدة بفعل القيود التي تفرضها الحكومة الأمريكية، مثل إجراءات الإبلاغ المتعددة وغيرها. ومع ذلك، يجد هؤلاء الباحثون مرونة نسبية عند العمل في هونغ كونغ. وأكد أن التعاون مع الباحثين الأوروبيين ما زال مستمراً بسلاسة.

وعند التطرق إلى التوترات بين الولايات المتحدة والصين، شدد وانغ على أن العديد من الباحثين الأمريكيين من أصول صينية يشعرون بضغط السياسات التقييدية الأمريكية، ما يدفع البعض منهم للعودة إلى الصين.

ولفت النظر أيضاً إلى أن التخفيضات الكبيرة في تمويل الأبحاث منذ عهد إدارة ترامب أثرت سلبًا على الباحثين من مختلف الجنسيات. نتيجة لذلك، يتجه العديد من العلماء لمغادرة الولايات المتحدة والاستقرار في الصين أو أوروبا، مما يوفر فرصاً جديدة للعالم العلمي، خاصة لهونغ كونغ.

من جانبه، أوضح رئيس جامعة هونغ كونغ والمهندس الميكانيكي البارز (شيانغ تشانغ) أن التحديات الجيوسياسية تحول دون مشاركة دول معينة في البحث العلمي. وعلّق قائلاً : رغم إيمان العلماء بأن العلم لا يعرف حدوداً، إلا أن الواقع الجيوسياسي الحالي يجعل التعاون العلمي الدولي أكثر تعقيداً.

وأشار تشانغ إلى أن تقدم العلم يعتمد كثيراً على قدرتنا على التعاون ونقل المعرفة عالمياً. وقد أعرب عن أمله في أن تصبح هونغ كونغ جسراً للتعاون بين الصين والمجتمع الدولي قائلاً: في جامعة هونغ كونغ، نحاول ربط هذه العلاقات بالرغم من وجود مجال محدود حالياً للتعاون.

وفي نفس السياق، عبّر (فيرينك كراوس)، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2023 وأستاذ كرسي فيزياء الليزر بجامعة هونغ كونغ، عن قلقه حيال صعوبة استمرار التعاون الدولي بسبب الانقسامات السياسية. وأشار إلى وجود قادة سياسيين بارزين يعملون على تقسيم العالم بين نصفه الشرقي والغربي.

وأضاف كراوس محذراً: "هناك خطر متزايد بأن يؤدي تقسيم العالم إلى احتكار المعرفة داخل كل نصف من الكرة الأرضية على حدة، وهو ما سيكون كارثياً". وشدد قائلاً: "إن العلماء يتحملون مسؤولية كبيرة لتوحيد الجهود والتأكيد على أن المعرفة المكتسبة هي ملك للبشرية جمعاء".

رغم المعوقات التي تعترض طريق التعاون العلمي العالمي، يواصل العلماء الرائدون التزامهم بدفع عجلة البحث إلى الأمام بلا هوادة.

***

شاكر عبد موسى/ ميسان

باحث وكاتب - العراق

في المثقف اليوم