أقلام حرة
محمد سيف: قوة الرسالة الإعلامية
عبد السلام جاد الله في البرنامج الإذاعي طربيات (نموذجا)
لم يسبق لي أنْ التقيتُ به، ولكني صحبته قرابة سنتين عبر الأثير، في برنامجه الإذاعي طربيات في إذاعة صوت الخليج القطرية، إنه الإعلامي الكبير عبد السلام جاد الله، ومن خلال المعلومات المنشورة عنه فهو مقيم في قطر من خمسين عاما، من أصل فلسطيني، وقد صدرت له دواوين شعرية.
برنامج طربيات بحسب الموقع الرسمي لإذاعة صوت الخليج هو: "برنامج يسلط الضوء على الأغاني الطربية القديمة بالإضافة إلى تلبية طلبات المستمعين ويوثق ما قدمه الرواد في مجال الغناء العربي سواء من حيث الكلمات والألحان عبر تنوع المخزون الثقافي والحضاري للشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، مع السعي لتعريف الأجيال العربية الشابة بموروثها الشعري والموسيقي العريق".
اعتدتُ على سماعه صباحا ما أمكنني ذلك، وأحرص على ضبط جدولي كلما سنحت الفرصة، ورغم أنه تربطني بالموسيقى علاقة وثيقة خصوصا طرب الزمن القديم إلا أنه ما يستهويني جدا هو عذوبة التدفق الثقافي وفرادته، والذي يبديه الأستاذ عبد السلام في المجال الموسيقي والشعري.
وما زلت أذكر المرة الأولى التي تابعته فيها، إذْ كنت أظن بادئ ذي بدء أنني أمام نسخة أخرى من مثل برامج ما يطلبه المستمعون، لا يعدو أن يكون دور المذيع فيها تلقّي طلبات الجمهور من الأغاني، إلا أنه ما هي إلا هُنَيْهة حتى تبدَّّد ذلك الظن وتلاشى، لأجدني متابعا دائما حتى اليوم، حريصا على أن أنهل من ثقافة لا نتعثّر بها كل يوم.
ما شدّني - وما زال - في الأستاذ عبد السلام أنه باذخ العطاء حين يتعلق الأمر بالتعقيب على الأغاني بكلماتها وألحانها وتاريخها وما يتصل بها في مختلف فقرات البرنامج، متنقلا برشاقة بالغة بين تصحيح معلومة سائدة، إلى تقديم معلومة صادمة جديدة، إلى كشف حقائق مرتبطة بالأغاني ليست مما يمكن العثور عليه بسهولة، بنبرة خالية من عجرفة الصغار أو جلافة الكبار، كل ذلك يقوم به بأسلوب إعلامي راقٍ، وبلغة فصيحة بليغة، وتفاعل متخم بدماثة الأخلاق مع الجمهور، فتخرج من الحلقة الواحدة بحصيلة قيّمة ليس على صعيد الموسيقى فحسب بل وعلى صعيد الوعي المستنير على حد سواء، فهو بذلك يعطي للموسيق موسيقى، وللإيقاع طبقةً متعالية من المعنى.
وحينما يكون أحد المتخصصين في ضيافته، فإنك ترى محاورًا ضليعا في مجاله، يطرح أسئلة لا تخرج إلا مشكاة الإلمام الدقيق والفاحص، فتنقل الحوار إلى درجة متقدمة من الطرح، وكأني بالضيف المتخصص تتهلَّل أساريره جذلًا أنْ ساقته مجريات الأحداث إلى مَن لديه قدرة فائقة على أن يُخرج ما في جَعبته ببراعة، ويغرف من قِدْره أعزّ ما يكون، فيتلقى المشاهد جرعة زائدة من الوعي الفني القيّم، منتشلا إيّانا من كومة السطحية التي نتلقاها من الإعلام ليل نهار، فمثل هذه البرامج تستحق ما يُستثمر فيها من وقت، وأنْ يُدعى الآخرون إلى مائدتها.
إن ثقافة المذيع الواسعة، وأسلوبه الحواري الاحترافي له شأْوٌ عظيم في قوة الرسالة الإعلامية من حيث أمران: أولهما ضمان تحقيق الرسالة الإعلامية رسالتها التأثيرية المتوخّاة منها، وثانيهما أن يكون فحوى الرسالة الإعلامية قيمة مضافة عالية، تعزز رصيد ثقافة المتابع، وكلا الأمرين يطفحان بوضوح مع الأستاذ عبد السلام.
إن خامة الصوت، وجمالية المظهر - في الإعلام المرئي - وغيرها من العوامل هي بلا ريب عوامل فاعلة في الرسالة الإعلامية، ولكن الحضور الثقافي للإعلامي والتمكّن من أدوات الحوار تعقيبا ومساءلة لهو عنصر يتربّع عرش نظيراته التي تدفع بالإعلامي للتموضع عاليا في صف الكبار.
ما نجده في جملة واسعة من ممارسات الإعلاميين هو مستوى غريب ومقزز من السطحية، والسوقية في أحايين كثيرة، ولعل من أبرز الأدوات التي تُظهِر حقيقة هذا المستوى هو حين يمارس الإعلامي دور المحاوِر مع قامة سامقة، لتتلجلج في صدرك أمنية واحدة: (ليته سكت!) فالحوار مع الكبار يستلزم تحضيرا جادا وثقافة واسعة وتمكنا من إدارة الحوار واقتناص الأفكار التحويلية، فإن قصُر الإعلامي عن ذلك فيكاد يخلو الحوار من قيمته المرجوّة، ويتشتّت معه بريق الضيوف المتخصصين، فأنّى لملعقة الشاي أن تغرف من قِدْر ضخم.
إن الأستاذ عبدالسلام يجمع مقومات الإعلامي الفذ، وهو مدرسة بذاته، وأعتقد أن مسيرته الإعلامية من الاستحقاق بمكان أن تسلّط عليها الأضواء من المتخصصين في الإعلام والتواصل؛ لتصديره لإعلاميينا بما هو نموذج يستحق الاحتذاء به، وإنني بحق لا أدري إن كان الأستاذ عبدالسلام سيطلع على ما كتبت، ولكني أرجو أن تصله كلماتي، من باب متابع قَدَّر، وممتنٍ عَبَّر، فهي شهادة من محب استفاد، وليس من ناقد من علٍ، فشهادتي في الكبار مجروحة، وهي مناسَبة أستغلها لألفت النظر إلى وجود قامات إعلامية يمكن الاهتداء بهم وسط مستنقع السطحية والسوقية التي يغرق فيها إعلاميونا حتى الأذقان، فرسالة الإعلام مقدّسة وخطيرة في آن، ومقدّمها ينبغي أن يعي أنها أكبر بكثير من (سكريبت) يُلقى بصوت رخيم! أو الاكتفاء بأسئلة عقيمة سطحية معدّة سَلَفًا في حوار في موضوع ذي أهمية بالغة، إنها ليست مجرد وظيفة، بل رسالة.
يمتلك وطننا العربي عيّنات من عمالقة الإعلام بلا ريب، وحينما أطلق وصف عملاق فلا أعني به البتة عدد سنين الممارسة، فكم من إعلامي أمضى عدة عقود لكنك تجد حرجا كبيرا في وضعه مع الصف الأول من الإعلاميين في كفة واحدة، فمعيار السنين لا يعدو أن يكون إشارة لمدة الممارسة، وبين التمكّن والممارسة بَوْن شاسع، قد يجتمعان، ولكن يَرِدُ جدا أن يفترقا، وإنما أعني بالعملاق هو ذلك الذي يقدم مادة إعلامية عميقة متمكنا من أدواته الإعلامية، وبمثلهم يمكن المراهنة على توجيه المجتمعات نحو الممارسات المُثلى والوعي الذي من شأنه أن يقلب المعادلة.
***
محمـــد سيـــف – سلطنة عُمان






