أقلام حرة
فاطمة الدفعي: الغيب بين فضول الإنسان ورحمة الخالق
عالم الجن وسحر الغموض
لطالما استهواني هذا العالم، كان يشدني الفضول إليه وكلما أبعدني الخوف أعادني سحر الغموض. ورغم أنني لم أكتشف حقيقة هذا العالم إلا أنني اكتشفت حقيقة أعظم بكثير؛ حقيقة أن لله خلقاً لا نعلمهم، عوالم غيبية أكبر وأكثر، ومخلوقات غير الجن والإنس، لكن الإنس والجن وحدهما الثقلان لأن عداوة الشياطين لبني آدم جعلتهم لا يفوتون فرصة للنيل منهم.
الإنسان كثير الجدال دائمًا، يسأل عن أشياء لا تخصه لكنها طبيعته الفضولية، ثقلان لأنهم انشغلوا عن عبادة الله عز وجل وهي المهمة الأعظم التي خُلقوا لها، لكنهما انشغلا ببعضهما البعض، بعالم الغيب الذي لا يعرفه إلا الله سبحانه، كل منهما يتوق لمعرفته، وما جعله الله غيباً إلا ليؤمنوا بوجوده وليس لينشغلوا بكشفه.
أعلم كم أن هذا الكلام محبط لمن فضوله أكبر منه، لكن العوالم التي أخفاها الله عنا أخفاها رحمة بنا، لكي لا ننشغل بها عن عالمنا وننسى تعمير الأرض وإصلاح أنفسنا وتجهيزها ليوم العرض على ربنا.
الحياة قصيرة جداً، فلماذا ننشغل بالبحث عن أشياء إن عرفناها تشتتنا وإن جهلناها لم يضرنا شيء؟ هناك حقائق مخفية لأن الخوف سيفسد حياتك إن عرفتها، هناك مخلوقات لا ولن تعلمها: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 8].
بين عجز العلم ويقين الإيمان
الإنسان صغير جداً مقارنة بهذا الكون العظيم، ومع ذلك قرر أن يكتشفه ويعرف أسراره، فتوجه بعضهم للشعوذة والخزعبلات والتواصل مع الكون والبحث عن الأبراج، والبعض توجه للدراسة والعلم والأبحاث، وكل ما اكتشفوه حتى الآن موجود في القرآن الكريم.
اكتشفوا كواكب المجموعة الشمسية ودرب التبانة، وأن الأرض كروية، واكتشفوا أن القمر جسم معتم في حقيقته بعد أن اقتربوا منها.. حسناً، ونحن كمسلمين ماذا استفدنا؟ نحن نؤمن إيماناً كاملاً بعظمة الكون والخلق وأن هناك خلقاً وعوالم فيه لا يعلمها إلا الله.
فائدة الأرض كروية؟ نعم، وماذا بعد؟ والنجوم أجسام غازية؟ نعم، وماذا بعد؟ أضفت كل هذا لمعلوماتي ثم ماذا؟ لا شيء! كل هذا التعب والدراسات والخسارات وتقول لي لا شيء؟ نعم، لأنني مؤمن بكل هذا من قبل لأن القرآن ذكر هذا كله.
الفرق بيننا هو أنكم تحتاجون دليلاً وتحتاجون برهاناً على وجود خالق عظيم للأكوان، ونحن نؤمن بخالق الكون الواحد الأحد، نؤمن بكل ما جاء في القرآن، فتأتي أبحاثكم مؤيدة لكل آيات كتابنا الحكيم. أما أنتم فلا تؤمنون وتبحثون وتدرسون لتعودوا لنقطة واحدة؛ وهي أن كل ما فعلتموه هو تفسير لآيات القرآن الكريم. أنتم اخترتم الطريق الصعب والخاطئ، ونحن اخترنا الطريق السهل الصحيح، والنتيجة -رغم أنف عنادكم وجحودكم- واحدة: أن كل هذا الكون له خالق واحد يدير نظامه بحكمة عظيمة تدل على عظمته كل ذرة في كونه.
وهم التميز وضياع الغاية
الإنسان والجدال والبحث فيما لا يفيد لا يغير شيئاً ولا يملك أن يغير شيئاً سوى هلاكه المحتوم وتضييع عمره في إثبات خيالاته وأوهامه لكي لا يتقيد بحقيقة أنه مخلوق مثل سائر المخلوقات ومهمته واحدة ومحددة. العقل الذي خلقه الله له ليتدبر في الكون ويؤمن بربه ويسبح له، هو نفسه الذي جعله يظن أنه مميز وقدراته غير طبيعية وأن الكون يعتمد عليه، والعكس هو الصحيح.
هناك من أسلم لله ثم قادته جدالاته وخيالاته لتفكير مختلف، لفكر جديد ليس فيه دراسة ولا أبحاث، فقط غموض وشرح مبهم وحقائق مضللة. بدل أن يستخدموا القرآن في العبادة استخدموه كأداة ووسيلة لتزيين أفكارهم ودعم لخيالاتهم، فكانت النتيجة أنهم أصبحوا أخطر من الكفار والمشركين، أصبحوا رواداً لإدخال الشركيات المخفية. هؤلاء شياطين من نوع متطور، عرفوا سر فضول الإنسان وحبه للعظمة وسعيه لها فاستغلوا هذه النقطة، وبدأوا في تأسيس "علم الروحانيات".
فخ الروحانيات والسم المدسوس في الدواء
(علوم الطاقة)
من اسمها تجذبك، لأنهم يخاطبون بها الأرواح المنهكة والتي تبحث عن علاج وعن تفسيرات لمواهبها ومميزاتها التي جعلتها غير البقية؛ تتأثر وتتحسس من الأشياء العادية وتشعر بما حولها أكثر من غيرها. هذه المميزات جعلتها تصدق بأنها من سلالات عريقة وأن عليها عيوناً وحساداً وطاقات تضعفها، وهي ضعيفة ليس لأن لا قوة لديها بل لأنها تكثر من التفكير في مشاعرها وفيما حولها فتصبح منهكة نفسياً وروحياً.
نقطة الضعف هذه تولدت لدى الكثير من المسلمين لأنهم أضاعوا عقيدتهم ودينهم في عالم كله مغريات وملهيات، أضعفتهم ونالت منهم حتى تمكن الشيطان من الاستحواذ على عقولهم بكثرة الذنوب والشبهات التي يقعون فيها وهم يعلمون حكمها جيداً، لكنهم سمحوا لأنفسهم بأن تعيش لحظات الضعف حتى أصبحت أضعف من أن تفهم سبب تعبها وإنهاكها.
ثم أتوا لهم بفكر وعلوم جديدة لتقويتهم وعلاجهم، وهم من أرسل "الفيروسات" ليتمكنوا من اختراق الحصون والدخول إليها لتدميرها، فلبسوا أثواب الأطباء النفسيين والخبراء في التنمية البشرية والعارفين بالطاقات المختزنة في الأجساد والحكماء الذين أُعطوا أسراراً كونية لا يعرفها أحد. أخذوا ينتشرون في كل مكان ويتنكرون بكل الأزياء ويلعبون كل الأدوار بطريقة احترافية حتى سيطروا على العقائد ومسحوا الإيمان من القلوب، وأخفوا الشرك وأدخلوه بصورة مزيفة للإيمان الصادق (العلاج الأول لهذه الأمراض)؛ أعطوهم السم في قارورة علاج، ولضعف النفوس شربته فهلكت وهي تبحث عن النجاة.
***
بقلم: فاطمة الدفعي
مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري والفني






