عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: افلاطون وارسطو واختلاف موقفهما من المرأة

احدى الدراسات التي تتعقب أصل اللامساواة بين الجنسين في العالم القديم وجدت ان افلاطون رفض استبعاد المرأة من التعليم والوظائف العامة، بينما ارسطو دافع عن سلطة الرجل كجزء من النظام الطبيعي. وطبقا للباحثين، تبيّن المقارنة ان المفكرين اليونانيين لم يشتركا برؤية واحدة حول قدرات المرأة ومكانها في المجتمع.

البحث قام به باحثان هما بوسيد اديفيولا واولواتوبيلوبا هيلين من جامعة إبادان في نيجيريا ونُشر في المجلة البحثية الدولية لعلم الاجتماع وعلم النفس والانثرابولوجي، وهو يفحص الفلسفة اليونانية الى جانب دليل من بلاد ما بين النهرين ومصر ليوضح كيف أصبحت الاختلافات بين الجنسين أساسا لعدم المساواة في التعامل.

في "الجمهورية"، جادل افلاطون ان المرأة ذات القدرات المناسبة يمكنها تلقّي نفس التعليم كالذكور وتشارك في خدمة الجيش والحكومة. هو اعتقد ان تقييد نشاط المرأة فقط في المجالات الخاصة والمنزلية هو خسارة للموهبة الإنسانية وللموارد مما يضعف الدولة. الباحثون يرون ان هدف افلاطون ليس الحقوق الفردية للمرأة (كما هم انصار النسوية الحديثة) وانما تعظيم وحدة وفاعلية وقوة الدولة الشمولية. ولكي تتحقق المساواة هو دعا الى الغاء الزواج التقليدي وهياكل العائلة واستبدالها بتكاثر منظّم من قبل الدولة. لكن افلاطون له كتابات أخرى وصف فيها المرأة ككائن ضعيف، والدراسة تحذّر من التعامل معه كنسوي حديث.

بالمقابل، ارسطو أكّد في "السياسة" ان الرجال بطبيعتهم ملائمون للقيادة. هو كتب ان "الذكر بطبيعته متفوق، والمرأة ادنى من الرجل". وبالرغم من انه اعترف بان المرأة يمكنها التفكير واصدار الأحكام، لكنه جادل بان قدرتها على التداول والتشاور تفتقر الى الصلاحية. هذا الفرق، حسب الدراسة، ساعد في تبرير إبقاء النساء خارج القيادة السياسية.

هذا الانقسام يبيّن الكيفية التي دافعت بها حجج الطبيعة عن الترتيبات الاجتماعية القائمة. افلاطون فصل الاختلافات المادية عن المقدرة لأداء واجبات عامة. ارسطو تعامل مع هذه الفروقات الجنسية كسبب لسلطة غير متساوية في العوائل وفي السياسات. كلا الموقفين لا يمكن اختزاله الى تسمية حديثة بسيطة.

الدراسة تبيّن كيف اكتسبت الفروق المعترف بها معنى اجتماعيا وأصبحت قواعد مؤسسية. مؤلفا البحث يصفان ست مراحل مترابطة بدءاً من الاختلافات البايولوجية ومرورا بتصنيف الناس ثم عرض اللامساواة كحالة طبيعية، وتأسيس نظام هرمي وتكريسه من خلال القانون والثقافة.(1)

ان القوانين القديمة تبيّن ان اللامساواة لم تكن عالمية. قوانين بلاد ما بين النهرين نظّمت الزواج والطلاق والارث وملكية المرأة، وان الحقوق القانونية اختلفت حسب الزمان والمكانة. في مصر، يمكن للمرأة التملك ونقل الملكية والدخول في عقود، وان ترث وترفع مطالبات قانونية. هذه الحقوق لم ترق الى مستوى المساواة الحديثة.

المدن اليونانية أيضا اختلفت. المرأة في أثينا جرى استبعادها من المشاركة السياسية، بينما في سبارطة تمتعت المرأة بإمكانية التملك والحصول على التعليم لكنها بقيت خارج السياسات الرسمية. الادب اليوناني قدّم تصورات متنافسة أيضا بدءاً من ارتباط باندورا (اول امرأة في الميثولوجيا القديمة) بالمعاناة وصولا الى ذكاء بينيلوبي (زوجة اوديسيوس في ملحمة الاوديسة، ويُرمز لذكائها من حيث الدهاء والصبر والقدرة على المناورة) وتمرد أنتيجوني (بطلة مسرحية تراجيدية وتتميز بالشجاعة الأخلاقية والعصيان المدني وتفضيل قوانين الاله على قوانين الحاكم).

الباحثان توصلا الى ان التمييز الجنسي لم يبدأ في فترة واحدة. انه تطور عندما حوّلت المجتمعات الاختلافات بين المرأة والرجل الى تبريرات لعدم المساواة في الحقوق والسلطة.

***

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) المراحل الست التي جرى افتراضها في هذا النموذج هي:

1- الاختلاف: الملاحظة الأساسية للفروق الواقعية والوصفية في المجالات البيولوجية والتشريحية بين الذكور والاناث.

2- التصنيف: العملية المعرفية التي يقوم من خلالها المجتمع بتصنيف الافراد الى أدوار جنسانية متميزة استنادا الى تلك الاختلافات البيولوجية الوصفية.

3- التجنس Naturalisation: القفزة المفاهيمية التي تُعامل بها هذه الفئات المشكّلة اجتماعيا على انها "نظام طبيعي" متأصل وثابت او حقيقة كونية.

4- التسلسل الهرمي: الانتقال من مجرد الاعتراف بالاختلافات الى ترتيبها، ورفع مكانة السمات والمكانة الذكورية فوق السمات الانوثية.

5- إضفاء الطابع المؤسسي: تجسيد هذا التسلسل الهرمي في هياكل مجتمعية ملموسة مثل القوانين والسلطة السياسية وحقوق الملكية.

6- إعادة الانتاج: وهي المرحلة التي تتسم بالاستمرار الذاتي، حيث تعمل الأعراف المجتمعية والتعليم على تعزيز هذه السمات ونقلها باستمرار الى الأجيال القادمة.

يتمثل الهدف الفلسفي الأساسي لهذا النموذج في كشف المسار الخاطئ من الاختلاف الوصفي الى اللامساواة المعيارية. ومن خلال تحليل هذه المراحل، يبيّن الباحثان ان الافتراضات الأبوية قد بُنيت واستمرت من خلال التاريخ وليست محددة بايولوجيا.

في المثقف اليوم