عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

كاظم لفته جبر: المواقف الحدية

الموقف كدلالة يعبر عن ظاهرة أو أزمة، وهو حالة واستجابة إنسانية، أما الحد فهو اللحظة التي تفصل بين الأبيض والأسود، أو الليل والنهار، أو الجنة والنار، الخير والشر، فالمواقف الحدية هي الحد الفاصل الذي يجتمع فيه البداية والنهاية، عن طريق التعرف على الوهم، او الحقيقة كما هي. فإذا كانت الدهشة تعني إدراك الحكمة والمعرفة، فإن المواقف الحدية هي إدراك الإنسان لعجزه.

فالمواقف الحدية مفهوم مركزي في الوجودية عند كارل ياسبرز ( ١٨٨٣) إذ يصفها بأنها مجموع الازمات التي يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية مثل : الموت، والمعاناة، الألم، والشعور بالذنب، والمواجهة مع الصدفة، والاخفاق، فعن طريقها يدرك الإنسان حدوده، وتمثل نقطة الانطلاق في وجوده لتحقق الوجود الأصيل وتجاوز الذات، فإذا كان الشك أداة لزعزعة العقل، فإن الحد هو الأداة لزعزعة الضمير والمشاعر الإنسانية في العودة للتعرف على الحقيقة، لذلك وضع التشريع الإلهي والقوانين الإنسانية الحدود لغرض تعريف الانسان على حدوده.

فالحد يقابله المسامحة، فالمسامحة تدل على اللين والعفو والسماح على ابقاء الأمور كما هي دون حد، فالحد يرتبط بالتغيير، اما المسامحة فهي ترتبط بالإبقاء، لذلك إذا أردنا التغيير ضرورة استخدام الحد، وهو يكون على نوعين: مرة يكون طبيعي يحدث دون تدخل إنساني، مثل الموت، أو الألم، واخر يكون إنساني الغرض منه التأديب والاصلاح.

فإذا كان ياسبرز يجعل من المواقف الحدية كجدار مسدود يرى غابريال مارسيل (1889) إن الأزمات فرصة لاكتشاف السر، فهو ليس مشكلة تحتاج حل، بل هو واقع يندمج فيه الإنسان نفسه مثل: الحب، والايمان، والمعاناة.

اي بمعنى أن الحد جزء من طبيعة عيش الإنسان لغرض معرفته وتحديد استجابته مع الآخر، سواءً كان الآخر ضمن سياق سياسي، أو اجتماعي، أو ثقافي، أو ديني، أو اقتصادي، أو نفسي، فعدم استخدام الحدية مع بعض الأمور ما هو إلا انحراف عن طبيعة العدل، والإقرار بعدم كشف السر.

فما بين الحدية ذات الطابع الانساني، والحد ذات الطابع الديني والسياسي، يتم ضبط القيم الإنسانية وفق تشريعات تحفظ الذات ومصالح المجتمع، فإذا كان باستطاعة السارق والفاسد الإفلات من الحد فلا يمكنه ذلك مع المواقف الحدية، لكونها طبيعية تخضع لقوانين الحياة الإنسانية وعناية الله، فالعادة جرت على غياب الحد، وهو غياب للطبيعة الإنسانية، وإذا كان هناك من يرى في الحد عنف غير مبرر ضد الإنسان، فإن الغاية من وجوده ليس الغرض منه استخدام العنف، بل بسط سيطرة، ومراعاة حقوق المجتمع، وتعريف الإنسان بحدوده.

فبناء الإنسان والمجتمع يتم من خلال ضبط الاهواء والنفس والعادات المزيفة وفقاً لقانون أو تشريع الهي، والضبط لا يتم بالمسامحة، بل بالحد من التسلط وهتك أموال وحقوق الناس. إن الفساد المالي ما هو إلا تجسد عيني للعدم، إذ ليس الفساد قيمة قائمة بذاتها، بل هو غياب للنزاهة وتآكل للجوهر. وعليه فإن كل تفشي للفساد في جسد الأمة ليس سوى اتساع لرقعة الفراغ، وتشييع ممنهج للوجود نحو العدم الشامل.

المال في الفلسفة السياسية والاقتصادية هو طاقة وجودية مكثفة تترجم إلى مستشفيات، ومدارس، وحياة كريمة أي بناء الوجود، وحين يتحول هذا المال إلى جيوب الفساد، فإنه ينتزع من مهمته الحيوية، فيتحول من أداة لصناعة الحياة إلى أداة لـتخليد الحرمان، والحرمان هو الوجه الآخر للعدم.

كما أن غياب الحد في المواقف الحدية ليس غريبا فهو متجذر تحت النوايا الثقافية الحسنة في العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية للقبائلية، أو التفسير البشري للدين. وهو يؤثر بشكل مباشر في بناء مفاهيم السلطة وديمومتها.

ولغرض سيادة ثقافة الحد ضرورة ابتعاد السلطة عن خيال المثالية والانصياع، والعمل بواقعية، ومراجعة كل القانونين التي تمس حقوق الناس، وفرض سلطة الدولة كمركز لاحتكار العنف وتوزيع الثروات بشكل عادل.

***

كاظم لفته جبر

في المثقف اليوم