عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

أحمد شحيمط: ميشيل أونفري ومذهب اللذة

يكتب الفيلسوف الفرنسي"ميشيل أونفري" من أجل تبليغ الفكرة والصوت معا، وليست الكتابة من أجل الغموض والتجريد، نمط الكتابة من أجل أن تكون الفلسفة للجميع، لذلك جاءت فكرته الخاصة بالجامعة الشعبية بعيدا عن الفضاءات التقليدية، من جامعات ومراكز البحث ومؤسسات رسمية، وبعيدا عن فلسفة النخبة، مشروع فكري يروم اللعب على التفاصيل والجزئيات في انتزاع الفلسفة وانتشالها من الأبراج العالية، تجربة قريبة من التجربة السقراطية في الحوار والفهم للقضايا الإنسانية في الساحة العمومية، ومناسبة للتنوير على الطريقة الجديدة في خلخلة الفكر وترسبات الأفكار المناهضة للحياة أو كل فلسفة تقلل من سعادة وبهجة الإنسان. تجربة حية في غمار التفلسف وغمار الفكر السائد لما بعد الحداثة في العناية بالإنسان وسعادته، معيار الفكر السائد ليس البحث عن الحقيقة في المعايير الكونية الصورية أو المعايير المثالية أو في الدين والتدين، بل معيار الفكر قائم على المتعة، واللذة الفعلية القابلة للزيادة أي اللذة الأخلاقية المتوازنة، والمتعة السياسية والاجتماعية والفكرية إلى درجة النشوة والاستمتاع بالوجود والحياة.

 النزعة الهيدونية والنزعة المادية والإلحادية وقراءة مغايرة لتاريخ مضاد للفلسفة في العودة نحو القرن الرابع قبل الميلاد، ذلك التفكير المغاير للنسق الشمولي، عودة نحو الفلسفة بوصفها فن العيش، قوة الوجود في تماهي الإنسان مع ذاته ورغباته، من حديقة أبيقور، ومن الفضاء العام منطلقا في تحقيق الفلسفة، والعمل على إنزالها للواقع. منابع الفلسفة هنا متنوعة من خلال تتبع الشذرات والأفكار المنسية من القول والعمل، قضية مركزية سبق إليها بعض الفلاسفة، ومنهم فريدريك نيتشه في العودة نحو الإغريق القدماء، من الحكماء وفلاسفة الوجود خصوصا "هيراقليطس"ضد سلطة المعرفة القائمة على الفضائل والمثل التي ميزت فلسفة أفلاطون. منابع للفلسفة التي تمثل مدخلا لفهم ميشيل أونفري، وما يرمي إليه من نقد أسس الفكر السابق، نقد للمرحلة الحديثة وهيمنة المسيحية والأفلاطونية وغيرها من الفلسفات الداعمة لهدم المتعة والتقليل من فلسفة اللذة أو هكذا نفهم التفكير المركب الذي يتضمن الاصطفاف مع بعض الفلاسفة الذين حاولوا التمرد والتجاوز لعصرهم، عانوا من التهميش والتضييق، وكانوا بالفعل فلاسفة يستحقون القراءة والتأمل في مواقفهم وقيمة فلسفتهم من الحياة، يعبرون عن الرفض والتمرد، وفلسفتهم انعكاس لذواتهم وقراءة في المستقبل البعيد، ويجب انتقاء مواقفهم المفيدة للحياة لما لأفكارهم من قيمة تجسد إرادة القوة، وإرادة الفعل للتحرر من اليقينيات، والتحرر من كل فلسفة تعيق نيل السعادة أو التحكم في الرغبات والتقليل منها، العدمية عندما تنتصر لقيم النفي ضد قيم الحياة، والقوة عندما تزيد وتنقص تبعا لرغبة الإنسان في التجاوز، وتخطي ما يمكن أن يعرقل مسار الإنسان وأسلوبه في الحياة، من دون اللذة لا معنى للحياة. الصمود في وجه العدمية يعني ممارسة آلية النقد وتوجيه السهام نحو الحداثة والفلسفة التقليدية التي تغلغلت في الجامعات والمؤسسات، وتقديم غلاة الأنوار الذين همشتهم السرديات التاريخية، واكتفت هذه المرويات في الإعلاء من المعتدلين أمثال فولتير وروسو، بينما بقيت الأنوار في نسختها الراديكالية الممجدة للمتعة واللذة والقائمة على المادية والإلحاد غائبة، ومن أبرزهم الفيلسوف"جان ميلييه" في نقده للدين والكنيسة، غلاة بالمعنى الايجابي في وصف ميشيل أونفراي، أكثر راديكالية في التنوير إلى أقصى الحدود دون حدود بين الحرية والتقاليد، دون اعتدال بين العقل وسلطة الكنيسة، والإنسان في تفكير هؤلاء الغلاة كائن بيولوجي كذلك تحكمه رغبات ومصالح ومنافع، إذن القفز على هؤلاء يعيد النظر في الحداثة، ويعيد الاعتبار للمنسي والممنوع من التحقق أو هكذا يمكن فهم شراسة ميشيل أونفري في الدفاع عن هؤلاء ضد المعتدلين من فلاسفة عصر الأنوار، ومنهم: روسو وفولتير وديدرو وكانط، وتسليط الشك على مواقف الفلاسفة من المثاليين والعقلانيين. الحذر أن يتم قراءة الفيلسوف على ضوء حياته الشخصية، والقول أن أغلب أفكاره انعكاس لمزاجه، لقد شدد نيتشه و"ميشيل فوكو" على قراءة عميقة للفكر دون المماثلة والتطابق بين الأفكار وسيرة الفيلسوف، وهذا الأمر يتناقض وفلسفة ميشيل أونفري في نقده لفلاسفة الأنوار انطلاقا من سيرتهم الذاتية كالقول أن "روسو" غير مخلص في أخلاقه وتربيته من خلال مضمون كتابه"إميل"، حيث تخلى عن أطفاله، كما ظل فولتير مفكرا بورجوازيا محافظا رغم دفاعه عن العقل والحرية . ويعتبره مجرد متملق، ومتعطش للمجد.

 نقد مبادئ التحليل النفسي إذ يعتبر"سيغموند فرويد"ناهب للمفاهيم الفلسفية، كائن نرجسي لا يحلل الشخصية إلا بناء على شخصه ومكبوتاته، بعيدا عن المعايير العلمية للعلم، وناكرا للجميل من خلال إنكار فضل نيتشه على أفكاره في اكتشاف الدوافع العميقة والخفية في الإنسان من خلال مفهوم اللاوعي، ومن المستحيل تعميم فرضيات "فرويد" على الكل، أفول صنم من الأصنام صنع لنفسه مكانة علمية بين الطبقة البورجوازية، فلا يهمه سوى المال والشهرة، ولم يسلم بدوره ميشيل أونفري من نقد يتعلق بالتسرع في لحكم والشعبوية في الإجهاز على الفكر الإنساني، وحصيلة إنجازات علمية في مجال الطب النفسي، ناهيك عن النقد الذي طال الفلاسفة المعتدلين من عصر الأنوار والفلاسفة ذوي النزعات المثالية والنقدية معا، كما ترك ميشيل أونفري نفسه أمام تحديات وتناقضات تتعلق باهتمامه ببعض الفلاسفة الذين تعتبر فلسفتهم انعكاسا لذواتهم .

 إن كل فلسفة هي سيرة صاحبها وتعبير عنه واعترافات مقنعة لمؤلفها، ويصف أونفري نفسه بوصفه يساريا نيتشويا، معاديا لليبرالية، يتماهي وفلسفة نيتشه ومطرقته في الإجهاز على ما هو يقيني وثابت في الفلسفة الغربية من خلال كتابه"تاريخ مضاد للفلسفة"، وكلمة سقوط وأفول الأصنام، وخير الأصنام"سيغموند فرويد" والفيلسوف ايمانويل كانط وأفلاطون، يستجيب أونفري للفكر النابع من مراحل تاريخية معينة، ويأخذ منه المناسب لتعزيز فكرته عن الفلسفة بوصفها فن الوجود ونمط حياة، يتحرر هذا النمط من المثالية، ويعتبر بعض الفلاسفة مغمورين ومنبوذين، ولم يكن لهم نصيب في ميلاد أفكارهم إلا بعد مدة معينة، عندما تمكن النقد من هدم الميتافيزيقا، وكشف عن زيف الحقيقة المطلقة أو الحقائق التي تدعي اليقين والإطلاقية. الفكر وليد السياقات واللحظات، نتاج الاتصال والانفصال، الحقيقة كما تصورها نيتشه مجرد أوهام نسينا أنها كذلك من فرط قدمها وتغلغلها في المنطق والفكر الخالص وتقديمها على أنها كذلك، قاتلة عندما تكتشف أنها قائمة على الخطأ والوهم.

 معيار الحقيقة في الفلسفة القديمة خصوصا القورينائية والأبيقورية هو الإنسان في اندفاعه نحو المتعة، وحصيلة النتائج جراء الإقبال بروية واعتدال على كل شيء مفيد للجسد والروح معا، شذرات من حكمة هيراقليطس فيلسوف الصيرورة والتغير، والحقيقة المثقلة بالقيم والمبادئ لا تعكس معنى الحياة وتدفقها، زرادشت الراقص والضاحك والقاسي، تجتمع فيه الأضداد، ويرغب في السمو عل نفسه، ويتجاوز ما وراء الخير والشر. الإعجاب بالفيلسوف نيتشه يفوق الوصف، نيتشه فيلسوف المطرقة يتفلسف لكي يتعايش مع معاناته ومرضه، ويرفض الخنوع والاستسلام، اكتشف الفيلسوف نيتشه في المسيحية والأديان عداؤها للحياة، واكتشف ميشيل اونفري في الديانات السماوية ديانات الإبادة الجماعية، والعقلية الدينية المسيحية انتهت وانتهى عصرها، أحدث نيتشه رجة في الأخلاق من خلال تحليل أخلاق السادة وأخلاق العبيد، فلسفته تعبير عن إرادة القوة، دلالة القوة وكميتها بين الزيادة والنقصان، طاقة تحررية للإنسان من الحتميات، والاقتراب من الحياة أكثر في نشوة تولي قيمة للتوازن بين ديونيسوس وأبولون، بين الاعتدال والجمال وبين اللذة والمتعة، التماهي مع أطروحة "نيتشه" عن الحياة نوع من الولع والعشق للصيرورة والتغير، ضرب عميق بمطرقة حادة لكل ما يروم التثبيت واليقين، يقرأ من خلال نيتشه تاريخ الفلسفة الغربية، يرغب أونفري بإدخال الفلسفة إلى الراغبين، ويدخل في نطاق فلسفته المهمشين والملحدين، والموسيقيين المتسكعين، والفلاسفة المهمشين والسكارى... وشعاره الفلسفة للجميع. المتحف الهيدوني يستوعب المنسي والهامشي، وكل ما يوجد خارج نطاق الحقيقة والقيم الأخلاقية الثابتة، المنفلت والممنوع من التعبير والقول، يرغب منهم أونفري أن يعبروا ويتركوا صدى للكلام، لا موانع للجسد، ولا حدود للرغبات، ولا متاريس للمتعة.

 اللذة الأخلاقية المتوازنة على خطى أبيقور، والشهوات باعتبارها رغبات وميولات واعية تعبر عن قوة الإنسان في الاندفاع كما نفهم ذلك في فلسفة اسبينوزا، قوة الوجود: بيان هيدوني، إبداع في الكتابة يمنح المتعة دلالة أخلاقية وسياسية وجمالية، اللذة الحسية المباشرة، والمتعة السبيل نحو البهجة والسعادة، شذرات قورينية من عبق التاريخ وأهداف الفلسفة اليونانية الأصيلة التي أعادت الاعتبار للجسد بعيدا عن مثالية أفلاطون وفضائل سقراط، الهيدونية أو مذهب اللذة والمتعة باعتباره مذهبا فلسفيا يعتبر اللذة أساس الحياة السعيدة، ويمكن تمييز اللذة والمتعة عن كل اللذات الماجنة أو الساقطة، أي فرق كبير بين الهيدونية والمتعة الزائدة أو المجون الذي يولد في الإنسان انحطاط الأخلاق وفساد القيم، لذلك كان أبيقور على صواب في التمييز بين اللذة الحقيقة النافعة، وبين لذة الإسراف والترف، أي اللذة التي يتولد عنها الشعور بالنشوة والمتعة للجسد والنفس معا، الأتراكسيا بمعنى غياب الألم والاضطراب للنفس والجسد، والسعادة التي كان ينشدها الحكيم "أبيقور" من خلال مذهبه ورسائله أن اللذة الحسية البدنية مفيدة ونافعة على عكس اللذات الهدامة، فلا يخرج الحكيم عن منطق الفلسفة والتفلسف رغم ما شاب فلسفة أبيقور من استهجان وتقليل، وما يعكس التناقض بين أونفراي وأبيقور أن الحكيم اليوناني اثر البقاء في الخفاء أو الظل على الظهور والشهرة. يعلم الفلسفة في الحديقة بعيدا عن الحياة السياسية، يكتفي أبيقور بالقليل من الطعام، والقليل من الأصدقاء، لا يشارك في الحياة العامة، ويفضل العيش في الريف، رغبة الفيلسوف في السلام الداخلي والبحث عن الهدوء والسكينة، هناك إحساس بلذة الوجود على الطريقة الأبيقورية ، إحساس بالمتعة تعني محاكاة الطبيعة والبحث عن البهجة من خلال الإقبال على اللذات.

 المتعة غاية الغايات، أرستبسوس القورينائي رمز للفيلسوف للهيدوني، دعوة في غمار فلسفة التحرر من القيود والحتميات النابعة من سلطة المجتمع، والتقاليد الشعبية المكبلة للحرية الجسدية، والداعية للفضيلة على الطريقة السقراطية، وخطى الفلسفة الرواقية والكلبية، هؤلاء اختاروا الزهد والصرامة، والتحكم بالذات والشهوات، ناهيك عن قيمة الفضيلة، وسلطة العقل في تدبير أمور وجودنا، السعادة في الاستقامة وسلامة الحكم حسب "سينيكا" الرواقي، وننسى أن للمتعة واللذة منافع منها إزالة الألم والاضطراب، واكتساب مناعة جديدة كترياق للهدوء والسكينة، الصحة النفسية توازيها الصحة الجسدية، مبدأ "أرستبوس" القورينائي"أنا أمتلك، أنا لست مملوكا"، يمتلك المرء أشياء في الحياة، ولا تمتلكنا هذه الأشياء لأنها وسائل لغايات كثيرة، وهي تحقيق السعادة، فلا ينبغي للمرء أن يحزن عليها في حالة الفقد، بل يزداد السعي في تحصيلها دون أن تستعبدنا، حتى يبقى التحكم في الذات والسيادة عليها، وإذا فقد الإنسان الأشياء، لا يجب الندم أو الشعور بالحسرة والألم لأننا نطلب الأشياء باعتدال ولا يولد فينا النقص بفقدها حفاظا على سلامة النفس والجسد .

 اكتشاف الذات من خلال شذرات قورينية، عمل وتأملات فلسفية بالية النقد والشرح، إبداع يعيد الاعتبار للفلسفة المنسية، ويعيد استخراج المنسي للواقع من خلال فلسفة بقيت مرفوضة من قبل هيجل وغيره من الراغبين في الكونية، وأخذ الأشياء من جذورها. رفض للجسد على أنه عدو للروح، شذرات قورينية، كلمات وجمل لا تتوافق مع أعمال أفلاطون في المحاورات، وطريقته في عرض المعرفة، والتنصل من الجسد والمتعة الجسدية، لذلك تنحو الفلسفة منحى آخر مغاير عن فلسفة أفلاطون المثالية في القول بعالم المثل، كما يبين مشيل أونفري في كتابه "اكتشاف الذات.. شذرات قورينية"، عمل الفيلسوف والفلسفة كشكل من أشكال العلاج، ويفكر في عمله بأنه عمل طبيب، والسبب يكون في الخطأ النابع من المبادئ وسوء تقدير الأشياء النافعة، وبذلك تعتبر الاستشارة مهمة من قبل الفيلسوف، ومقابل أجر، كما تستند طرق العمل في الفكاهة والضحك والكرم في مقابل التلقين النخبوي. تعارض صارخ بين الأسلوب المدرسي النخبوي والأسلوب القوريني، ذلك العمل يثري النقاش ويطرح منطق مغاير في توليد مذهب جديد في اللذة والمتعة، يولي قيمة للجسد، والرغبات واللذة والحياة. فن الوجود، وفن العيش، ومسألة يسلكها الفيلسوف في قلب أثينا، وبناء على صورة الفيلسوف يعيد "ميشيل أونفري" الاعتبار للمنسي من الفلسفة، يفكر انطلاقا من نيتشه، ويستعين بأدواته المتعلقة بالنقد والهدم، من أجل الصمود في وجه العدمية، من أجل إقامة التضاد بين الثابت والمتحول، والاقتراب من عوالم الفلسفة الهيدونية بالعودة خطوات نحو الوراء. يسلم الإنسان اليوم مفاتيح العصر لإنسان جديد، سوبرمان نيتشه والكائن السيبراني، والسؤال الذي يطرح نفسه أي القيم الإنسانية تصلح بديلا للحضارة الغربية؟ إنسان التقنية والذكاء الاصطناعي، إنسان بلا قيود أخلاقية، متحرر من كل النزعات المثالية والدينية إلا النزعة المادية الهيدونية، إنسان الإلحاد وتصفية الوجود من قيم المسيحية والأديان التوحيدية .

حضارة اللذة، إنسان بلا وطن ولا هوية، إنسان مغترب عن ذاته ومجتمعه، قورينائي النزعة، أبيقوري اللذة، نيتشوي الجموح والرغبة، زرادشت الذي يطرق عالم المستقبل حاملا مشعل يضيء العتمة، إنسان عدمي يهيم في الرفض والتحدي ويشكو غياب المعنى، إنسان في عالم الماديات وطغيان التقني، كائن هائم في الاستلاب والاغتراب، يسود الترقب عن حالة الضياع والصراع من جراء تراجع الحضارة الغربية، ونهاية القطبية الأحادية نحو عالم متعدد الأقطاب والقيم، موقف تراجيدي يسقطنا في العدمية والخواء، التكهن صعب في عالم يتغير باستمرار، عالم ينذر بالعودة للماضي، وميلاد وعي جديد للبشرية أو كل الأشياء تتداعى، ويسقط ما هو جميل وثابت من القيم التي اشتعلت من أجلها الحروب والصراعات، كل الأشياء قابلة للذوبان في عوالم الحياة السائلة، تدفعنا نحو النهاية الحتمية للوجود البشري. تساؤلات كثيرة عن مسار الفيلسوف ورغبته في بناء عالم تستشري فيه اللذة والمتعة. الحضارة اليهودية المسيحية تحتضر، بوادر الانحطاط تلوح في الأفق، ومنطق الحضارات في تراخي الهمم وانهيار القيم الروحية. الفيلسوف ينعي الحضارة الغربية بالكشف عن دواعي الانحطاط من خلال تداعي الجذور وتراخي  العزائم. فكيف يمكن فهم منطق فلسفة ميشيل أونفري عندما يدعو القارئ للزيادة في الوعي من خلال العودة للماضي نحو مذهب اللذة والمتعة؟ هل توجد مواصفات للحضارة الغربية في العودة للتراث الإغريقي أم مواصفات الغرب توجد في القيم الروحية وانفتاح الغرب على الحضارات الأخرى للتعايش والتثاقف؟.

 حقا إن الفيلسوف ميشيل أونفري طراز جديد من الأنتلجنسيا الفرنسية، وغالبا ما تكون النخبة الفرنسية صانعة للمفاهيم والرؤى من الخيال والواقع، وما يثير الاستغراب في مواقف الفيلسوف الحضور المتكرر في وسائل الإعلام  للنقاش في قضايا اجتماعية وسياسية، يبدي الرأي في السياسة والفن والمسرح والموسيقى، يتكلم عن قضايا فرنسا والقضايا العالمية، يبدي الرجل مواقفه من حضارة الغرب، ويعطي تصورا قائما على الحدس والاستباق، وقائم على قراءة فلسفية وسياسية في الحاضر والمستقبل للمشهد السياسي الفرنسي، فيلسوف غزير الكتابة والحضور في البرامج الحوارية، يجيد الجدال والنقاش، متقلب الرأي، متناقض، وينصت لذاته من خلال القدرة على المراجعة للمواقف، يقرأ ويمتلك الجرأة في التعبير والقول، وإذا كانت منطلقات الفيلسوف لا تأخذ بالدين والتدين من خلال نزعته الإلحادية فإنه يعبر أحيانا بصدق عن أزمات فرنسا التي يعتبرها أزمة نابعة من سياستها الخارجية الفاشلة في دول بعيدة وقريبة، يناقش "رهاب الإسلام"، ويبدي مراجعات فكرية في قضايا عامة، وتبقى الهيدونية فلسفة حية في تمجيد المتعة الذاتية، ومتعة الآخر دون إلحاق أي ضرر، واعتبار الفلسفة فن العيش، وقوة الوجود بوصفها كذلك أداة في التحرر والإنعتاق . 

***

أحمد شحيمط

 

في المثقف اليوم