عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عامر عبد زيد: لماذا نحتاج إلى التفكير الفلسفي؟

الفلسفة بوصفها عبورًا من الإجابة إلى السؤال، قد يبدو السؤال عن حاجتنا إلى الفلسفة غريبًا في زمن نستطيع فيه، خلال ثوانٍ قليلة، أن نحصل على إجابة تكاد تكون جاهزة عن أي شيء. يكفي أن نكتب سؤالًا في محرك بحث، أو نسأل هاتفًا ذكيًا، أو نفتح منصة من منصات التواصل، حتى تتدفق أمامنا آلاف الإجابات، بعضها يشرح، وبعضها يفسر، وبعضها ينصح، وبعضها يقرر لنا ما ينبغي أن نعتقده. نحن نعيش، للمفارقة، في زمن لم تعد فيه المشكلة الكبرى هي غياب الإجابة، وإنما وفرة الإجابات. لكن ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان محاصرًا بالإجابات إلى الحد الذي ينسى معه كيف يسأل؟ ربما هنا تبدأ الفلسفة.

ليست المشكلة أن الإنسان المعاصر لا يعرف شيئًا، بل أنه يعرف أشياء كثيرة قبل أن يسأل من أين جاءت، ولماذا يصدقها، وما الذي تستبعده، ومن الذي صاغها له، وما الإمكان الذي تغلقه حين تقدم نفسها بوصفها حقيقة مكتملة. وقد تكون الإجابة صحيحة من حيث مضمونها، لكنها تصبح مشكلة حين تمنع السؤال الذي كان يمكن أن يكشف أبعادًا أخرى من المسألة. ولذلك فإن الخطر لا يكمن دائمًا في الجهل، بل يمكن أن يكمن أيضًا في الإجابة التي تنهي التفكير قبل أن يبدأ.

وهنا يظهر السؤال الخفي الذي يقف وراء هذا المقال: هل يحتاج الإنسان إلى الفلسفة لأنه لا يملك الإجابات، أم لأنه يحتاج إلى أن يتعلم كيف يعيش دون أن تتحول الإجابات إلى حدود نهائية لتفكيره؟

هذه المسألة تبدو بسيطة، لكنها تقودنا إلى قلب العلاقة بين الإنسان والفكر. فنحن لا نبدأ حياتنا من الصفر. يولد كل واحد منا داخل عالم سبق أن امتلأ بالأسماء والقيم والتصورات والتفسيرات. نتعلم منذ طفولتنا ما هو صحيح وما هو خطأ، ما هو مقبول وما هو مرفوض، من هو القريب ومن هو الغريب، ماذا يعني النجاح وماذا يعني الفشل، كيف ينبغي أن نرى أنفسنا وكيف ينبغي أن نرى الآخرين. وحتى قبل أن نمتلك القدرة على السؤال، تكون الإجابات قد بدأت في تشكيلنا.

وهنا لا بد من التوقف عند اعتراض أساسي: هل يمكن للإنسان أصلًا أن يعيش من دون إجابات؟ بالطبع لا. فالإنسان يحتاج إلى المعرفة لكي يتصرف، ويحتاج إلى اللغة لكي يتواصل، ويحتاج إلى القيم لكي يختار، ويحتاج إلى قدر من الاستقرار لكي يبني حياته. ليست المشكلة في وجود الإجابات، ولا في أن تكون لدينا قناعات ومواقف، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها هذه الإجابات إلى شيء لا يسمح لنفسه بالمراجعة. فالإجابة ليست نقيض الفلسفة، بل يمكن أن تكون نقطة بدايتها. وما يجعلها فلسفية ليس مضمونها وحده، وإنما استعدادها لأن تدخل في السؤال.

هنا يحدث التحول الأول: لا ننتقل من الإجابة إلى رفض الإجابة، وإنما من الإجابة المغلقة إلى الإجابة القابلة للسؤال. وهذا التحول هو أحد المعاني الأساسية لفلسفة العبور. فالعبور لا يعني أن نترك كل ما نعرفه خلفنا، ولا يعني أن نهدم الحدود لمجرد أنها حدود. الإنسان لا يستطيع أن يفكر خارج كل حد؛ لأن التفكير نفسه يحتاج إلى لغة ومفاهيم وتجارب وتاريخ. لكن الحد يمكن أن يكون مغلقًا، ويمكن أن يكون مفتوحًا. يمكن أن يقول لنا: «هنا تنتهي إمكانات التفكير»، ويمكن أن يقول: «من هنا يمكنك أن تعبر إلى سؤال آخر». ومن هذه الزاوية تصبح الفلسفة فعلًا في إعادة فتح الحدود.

حين أسأل لماذا أعتقد ما أعتقد؟ فأنا لا أهدم اعتقادي بالضرورة، وإنما أفتح له مجالًا جديدًا للفهم. وحين أسأل لماذا أرفض هذا الإنسان؟ فأنا لا أضطر إلى قبول موقفه، وإنما أفتح المسافة التي تمكنني من فهم مصدر رفضي. وحين أسأل هل ما أعتبره حقيقة نهائية هو كذلك فعلًا؟ فأنا لا أستبدل الحقيقة بالشك الدائم، وإنما أختبر الحدود التي رسمتها معرفتي. وحين أسأل هل يمكن أن أكون شيئًا آخر غير ما اعتدت أن أكونه؟ فأنا لا أنكر ذاتي، وإنما أفتحها على إمكان التحول.

لهذا فإن السؤال الفلسفي لا يشبه السؤال الذي نطرحه للحصول على معلومة فقط. عندما نسأل: «كم يبلغ ارتفاع جبل إيفرست؟» نريد معلومة يمكن أن تكون لها إجابة محددة. لكن عندما نسأل: «ما الإنسان؟» أو «ما الحرية؟» أو «ما العدالة؟» أو «كيف أعرف أن ما أعتقده صحيح؟»، فإن السؤال لا يطلب مجرد معلومة؛ إنه يعيدنا إلى الشروط التي تجعلنا نفكر بهذه الطريقة أصلًا. وهنا تظهر وظيفة الفلسفة أن تجعل السؤال مرئيًا حيث كانت الإجابة تخفيه.

ولذلك لم تكن لحظة سقراط المهمة هي امتلاكه جوابًا نهائيًا عن الفضيلة أو العدالة، بل قدرته على تحويل ما يبدو بديهيًا إلى موضوع للفحص. فالسؤال السقراطي لا يبدأ من ادعاء امتلاك الحقيقة، وإنما من اكتشاف أن ما نظنه واضحًا قد يكون أكثر تعقيدًا مما نعتقد. ومن هنا يمكن فهم الفلسفة باعتبارها انتقالًا من «أعرف» إلى «كيف أعرف؟»، ومن «هذا هو الصحيح» إلى «ما الذي يجعلني أعده صحيحًا؟».

لكن السؤال لا يأتي من خارج الحياة. إنه يظهر غالبًا عندما يحدث تصدع صغير في المألوف.

قد يعيش الإنسان سنوات وهو يعتقد أنه يعرف معنى النجاح، ثم يخسر شيئًا كان يظنه شرطًا لسعادته، فيكتشف أن تعريفه للنجاح لم يكن تعريفه وحده.

وقد يعتقد أن الهوية شيء ثابت، ثم يسافر أو يلتقي بثقافة مختلفة أو يعيش تجربة تغير نظرته إلى نفسه، فيكتشف أن ما كان يراه طبيعيًا لم يكن سوى إحدى الطرق الممكنة لفهم الذات.

وقد يظن أن الآخر هو المختلف عنه فحسب، ثم يكتشف، من خلال الحوار، أن اختلاف الآخر لا يلغي اشتراكهما في هشاشة إنسانية واحدة.

وقد يعتقد أنه حر لأنه يختار، ثم يكتشف أن كثيرًا من اختياراته كانت قد صيغت له مسبقًا بواسطة العائلة أو المجتمع أو السوق أو الإعلام أو الخوارزميات.

في هذه اللحظات لا تقدم الفلسفة عالمًا بديلًا؛ إنها تجعل العالم الذي نعيش فيه قابلًا لإعادة النظر.

وهنا يمكن أن نفهم لماذا أصبح السؤال أكثر ضرورة في عصر الخوارزميات. فالخوارزمية لا تحتاج إلى أن تمنعك من التفكير حتى تؤثر فيك؛ يكفي أحيانًا أن تسبقك إلى ما ستراه، وما ستقرأه، وما ستسمعه، وأن تجعل بعض الأشياء أكثر حضورًا من غيرها. ومع تكرار الاختيار نفسه، يمكن أن يتحول ما تقترحه المنصة إلى ما يبدو لنا طبيعيًا، ثم يتحول الطبيعي إلى رغبة، ثم تتحول الرغبة إلى اعتقاد بأننا اخترنا بحرية.

لا يعني هذا أن كل اختيار تقترحه الخوارزميات زائف، ولا أن التقنية تلغي حرية الإنسان. المسألة أكثر تعقيدًا ما نحتاجه هو أن نعيد إدخال السؤال في المكان الذي يبدو فيه الاختيار تلقائيًا. مثال: لماذا ظهر هذا المحتوى أمامي؟ لماذا أميل إلى هذا الرأي؟ لماذا أغضب من هذا الخبر؟ لماذا أصدّق هذا المصدر ولا أصدّق غيره؟، هل أنا الذي اخترت، أم أنني اخترت داخل مجال من الاختيارات سبق ترتيبه لي؟

هذه الأسئلة لا تقدم لنا حرية سحرية، لكنها تجعل شروط اختيارنا أكثر وضوحًا. ومن هنا يمكن أن تصبح الفلسفة ممارسة للتحرر، لا لأنها تعد الإنسان بالخروج من كل الشروط، وإنما لأنها تعلمه أن يرى الشروط التي يتحرك داخلها.

وهذا يقودنا إلى معنى آخر للسؤال: السؤال ليس نقصًا في المعرفة، بل يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المعرفة. فالطفل الذي يسأل «لماذا؟» لا يكون جاهلًا بالمعنى البسيط؛ إنه يرفض أن يأخذ العالم كما أعطي له. إنه يريد أن يعرف العلاقة بين الأشياء، والسبب الذي يجعل ما هو موجود موجودًا، والقاعدة التي تجعل الأمر صحيحًا أو خاطئًا. ولهذا فإن السؤال الفلسفي يحتفظ بشيء من دهشة الطفل، لكنه يضيف إليها القدرة على بناء الحجة وفحص المفاهيم ومراجعة النتائج.

غير أن المجتمع قد يعلم الإنسان، تدريجيًا، أن بعض الأسئلة غير ضرورية، وبعضها غير مناسب، وبعضها خطر، وبعضها لا ينبغي طرحه. وقد تصبح التربية أحيانًا تدريبًا على الإجابة أكثر مما هي تدريب على السؤال. يحفظ الطالب الجواب لأنه سيُسأل عنه في الامتحان، ويتعلم الموظف القاعدة لأنه سيُحاسب على مخالفتها، ويتعلم الفرد ما ينبغي أن يقول لكي ينتمي، وما ينبغي أن يصمت عنه لكي لا يخرج عن الجماعة.

وهنا لا تصبح الفلسفة مجرد مادة دراسية، بل تصبح استعادة للحق في السؤال. لكن استعادة الحق في السؤال لا تعني تحويل كل شيء إلى شك عدمي. ليس المطلوب أن نشك في كل شيء طوال الوقت، ولا أن نعامل الحقيقة والوهم كما لو كانا متساويين، ولا أن يصبح التفكير مجرد اعتراض دائم. السؤال الفلسفي ليس رغبة في الهدم من أجل الهدم؛ إنه محاولة للعبور من موقف أول إلى فهم أكثر تركيبًا.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يكتفي بأن يقول: «لا». إنه يسأل إذا لم يكن الأمر كما اعتقدنا، فكيف يمكن أن نفهمه؟ هنا يبدأ الانتقال من التفكيك إلى إعادة البناء. فبعد أن نسأل عن حدود فكرة ما، علينا أن نكتشف إمكاناتها. وبعد أن نراجع الهوية، علينا أن نسأل كيف يمكن بناء هوية أكثر انفتاحًا. وبعد أن نكشف أثر السلطة في أفكارنا، علينا أن نسأل كيف يمكن أن نمارس قدرتنا على الفعل. وبعد أن نكتشف أن المعرفة ليست محايدة تمامًا، علينا أن نبحث عن شروط معرفة أكثر نقدًا ومسؤولية. وهذه هي النقطة التي تجعل التفكير الفلسفي مختلفًا عن مجرد المعارضة.

المعارضة تقول: ما تقوله خطأ. أما الفلسفة فتسأل: ما الذي يجعل هذا القول ممكنًا، وما حدوده، وما الذي يمكن أن يصبح عليه؟ إنها لا تكتفي بتبديل جواب بجواب، بل تحاول أن تغير علاقتنا بالإجابة نفسها.

ومن هنا يمكن إعادة تعريف الفلسفة: ليست الفلسفة مستودعًا للإجابات الكبرى، بل قدرة على إبقاء الفكر في حالة حركة. لا تعني الحركة أن الفكر بلا موقف، بل أن الموقف لا يتحول إلى سجن. ولا يعني الانفتاح أن كل الأفكار متساوية، بل أن كل فكرة قابلة للاختبار ما دامت تدعي أنها تستحق أن تُفهم وتُدافع عنها. وهنا يظهر الإنسان العابر.

إنه ليس الإنسان الذي لا يمتلك هوية، بل الإنسان الذي لا يحول هويته إلى نهاية. وليس الإنسان الذي يرفض ماضيه، بل الذي يستطيع أن يعيد قراءته. وليس الإنسان الذي يعيش بلا حدود، بل الذي يعرف أن الحدود يمكن أن تكون شروطًا للفعل، وأن بعضها يمكن عبوره. وليس الإنسان الذي يتخلى عن قناعاته، بل الذي يستطيع أن يضعها في فضاء المراجعة دون خوف من أن يؤدي السؤال إلى انهيار الذات.

لذلك فإن التفكير الفلسفي الذي نبحث عنه في هذا الكتاب لا يريد أن ينتج جمهورًا يحفظ مقولات الفلاسفة، وإنما يريد أن يفتح داخل الإنسان مسافة بينه وبين ما يعتقده؛ مسافة لا تعني الاغتراب عن الذات، بل تمنح الذات فرصة لأن ترى نفسها وهي تتشكل. ربما تكون هذه المسافة هي المكان الأول للحرية.

فحين يصبح الإنسان مطابقًا تمامًا لما قيل له، يصعب عليه أن يرى أن هناك إمكانًا آخر. أما حين يستطيع أن يقول: «ربما أكون مخطئًا»، فإنه لا يفقد ذاته؛ إنه يفتحها على إمكانية جديدة. ومن هنا نصل إلى العبور الذي يؤسس هذا الكتاب كله: من الإجابة إلى السؤال.

لكن هذا العبور ليس انتقالًا من اليقين إلى الشك، ولا من المعرفة إلى الجهل، ولا من الحقيقة إلى النسبية. إنه انتقال من الفكر المغلق إلى الفكر القابل للحركة. الإجابة تقول: «هذا هو الأمر».

والسؤال يضيف: «كيف أصبح كذلك؟ وهل يمكن أن يكون غير ذلك؟ وما الذي لا أراه فيه؟ وإلى أين يمكن أن يقودني فهمه الجديد؟» عند هذه النقطة تصبح الفلسفة ممارسة للعبور. نحن لا نحتاج إلى الفلسفة لأن العالم بلا إجابات، بل لأن العالم مليء بإجابات تحتاج إلى أن تُسأل من جديد.

ولا نحتاج إلى الفلسفة لكي نستبدل أفكارنا بأفكار الفلاسفة، بل لكي نكتشف أن لنا حقًا ومسؤولية في التفكير. ولا نحتاج إلى الفلسفة لكي نخرج من العالم، بل لكي نعود إليه بقدرة أكبر على رؤيته.

فربما لا يكون السؤال الفلسفي هو الذي يفتح لنا بابًا واحدًا نحو جواب نهائي، وإنما هو الذي يكشف أن وراء كل باب يمكن أن توجد عتبة أخرى. وبذلك يصبح السؤال نفسه فعل عبور.

من الإجابة إلى السؤال. ومن السؤال إلى الحد. ومن الحد إلى العبور. ومن العبور إلى التحول. ومن التحول إلى تعدد الإمكانات. ومن تعدد الإمكانات إلى العلاقة. ومن العلاقة إلى الممكن.

وهنا تبدأ الفلسفة، لا بوصفها نهاية التفكير، وإنما بوصفها اللحظة التي يرفض فيها الإنسان أن تكون الإجابة آخر ما يستطيع أن يصل إليه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

في المثقف اليوم