عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

زيد مراد: المراقبة والمعاقبة.. قراءة فلسفية في آليات السلطة والانضباط

ليس السجن المكان الوحيد الذي يمكن أن يشعر فيه الإنسان بأنه مراقَب. قد يكون في المدرسة، أو في مكان العمل، أو في الشارع، أو جالساً وحده في غرفته، ومع ذلك يتصرف كما لو أنّ عيناً ما تتابعه. قد لا يكون هناك حارس أو كاميرا أو شخص يقف خلفه، لكنه يعرف أن هناك قواعد ينبغي ألا يتجاوزها، ونظرة اجتماعية يخشى مخالفتها، وحدوداً غير مكتوبة يعرف مسبقاً ثمن تجاوزها. من هذه الفكرة المقلقة ينطلق "ميشيل فوكو" في كتابه الشهير "المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن"، أحد أكثر الكتب تأثيراً في الفكر الحديث. فالكتاب لا يقدم تاريخاً للسجون فحسب، وإنّما يحاول فهم الطريقة التي تغيّرت بها علاقة السلطة بالإنسان، وكيف انتقلت من العقاب العلني للجسد إلى أشكال أكثر هدوءاً من المراقبة والانضباط.

في المجتمعات القديمة، كان العقاب في كثير من الأحيان مشهداً عاماً تستعرض فيه السلطة قوّتها أمام الناس. كان الجسد هو المكان الذي تظهر عليه سلطة الحاكم، وكان العقاب يحمل رسالة تتجاوز الشخص المعاقَب إلى كل من يشاهد المشهد: هكذا تكون نهاية من يخالف السلطة. لكن مع العصر الحديث حدث تحوّل أساسي؛ فلم تعد السلطة بحاجة إلى استعراض قوتها بالطريقة نفسها، وأصبح العقاب أكثر تنظيماً وأقل استعراضية، وانتقلت العناية من الجسد إلى السلوك. لم يعد السؤال فقط: كيف نعاقب الإنسان بعد ارتكاب الخطأ؟ بل أصبح أيضاً: كيف نراقبه، ونقيسه، ونصنّفه، ونضبط سلوكه بحيث يلتزم بالقواعد قبل أن يقع في الخطأ؟

هنا تظهر إحدى أفكار "فوكو" الأساسية: السلطة الحديثة لا تحتاج دائماً إلى استخدام القوة المباشرة، لأنّها تستطيع أن تجعل الإنسان يضبط نفسه بنفسه. فالمدرسة، والمصنع، والثكنة، والمستشفى، والسجن مؤسسات مختلفة في وظائفها، لكنّها تشترك في اعتمادها على تنظيم الوقت والمكان والحركة والسلوك. هناك أوقات محدّدة، وقواعد للحضور والغياب، وطرق للتقييم، وتصنيفات تحدّد ما هو مقبول وما هو غير مقبول. ولا يعني هذا أنّ "فوكو" ينظر إلى هذه المؤسسات باعتبارها شرّيرة أو أنّ التنظيم في ذاته قمع؛ فالمجتمع يحتاج بطبيعة الحال إلى قدر من التنظيم. لكن ما يهمّه هو اللحظة التي يتحوّل فيها التنظيم إلى وسيلة لصناعة سلوك معين، بحيث لا يعود الإنسان يلتزم بالقواعد خوفاً من العقوبة فقط، بل لأنّه تعلّم مراقبة نفسه وفقاً لها.

ومن هنا تأتي أهمية البانوبتيكون، وهو النموذج الذي استلهمه "فوكو" من مشروع "جيريمي بنثام" للسجن. يقوم التصميم على برج مركزي يستطيع الحارس من خلاله مراقبة السجناء، بينما لا يستطيع السجين معرفة اللحظة التي تتمّ فيها مراقبته. هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنّها تحمل نتيجة عميقة: لا يحتاج الحارس إلى مراقبة الجميع طوال الوقت؛ يكفي أن يعرف السجين أنّه قد يكون مراقَباً في أي لحظة حتى يبدأ في ضبط سلوكه. وهكذا تنتقل المراقبة من الخارج إلى الداخل، ويصبح الحارس حاضراً حتى عندما يغيب. بالنسبة إلى "فوكو"، تكشف هذه الصورة عن آلية تتجاوز السجن، لأنّ السلطة تصبح أكثر فعالية عندما لا تضطر إلى الظهور باستمرار. يكفي أن يشعر الفرد باحتمال المراقبة حتى يتحول إلى مراقب لنفسه.

لهذا السبب لا يتوقف "فوكو" عند السجن، بل يلفت انتباهنا إلى مؤسّسات تبدو بعيدة عنه. فالامتحان، مثلا، ليس مجرّد وسيلة لمعرفة ما تعلّمه الطالب، بل هو أيضاً وسيلة لجعل الفرد قابلاً للملاحظة والقياس والمقارنة. هناك علامة وترتيب وملف وحضور وغياب وتقييم، فيصبح الفرد معروفاً للمؤسّسة من خلال مجموعة من المعلومات التي تصفه وتحدّد موقعه بينها. والأمر نفسه يمكن أن يظهر في مكان العمل من خلال تقييم الأداء، وساعات الحضور، والإنتاجية، والتقارير. لا مشكلة في القياس عندما يكون وسيلة ضرورية لتحقيق غرض واضح، لكن السؤال الذي يطرحه "فوكو" أكثر عمقاً: ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان نفسه مشروعاً دائماً للتقييم، وعندما يشعر بأنّه مطالب باستمرار بأن يكون أكثر انضباطاً وإنتاجاً وتوافقاً مع النموذج المطلوب؟

بهذا المعنى، لا تعمل السلطة دائماً من الأعلى إلى الأسفل في صورة أمر ونهي. إنّها قد تعمل من خلال تفاصيل الحياة اليومية، ومن خلال المعايير التي تحدد لنا ما يعتبر طبيعياً وما يعتبر مختلفاً. قد لا يقول لك أحد صراحة: «لا تكن مختلفاً»، لكنك قد تشعر بأنّ اختلافك يحتاج إلى تبرير. وقد لا يمنعك أحد من اختيار طريق معين، لكنك تسمع في داخلك أسئلة من نوع: ماذا سيقول الناس؟ هل سيقبلونني؟ هل سيعتبرونني فاشلاً؟ هل سأبدو غريباً؟ هنا تصبح نظرة الآخرين قوة حقيقية، حتى لو لم تتحوّل إلى عقوبة مباشرة. فالإنسان قد يمتنع عن فعل شيء لا لأنّه مقتنع بأنّه خطأ، وإنّما لأنّه يخشى الحكم عليه، وقد يخفي جانباً من شخصيته لأنّه تعلّم أنّ المجتمع لا يحب الخروج عن المألوف.

وهذه النقطة تجعل كتاب "فوكو" قريباً من حياتنا اليومية أكثر ممّا قد يبدو في البداية. فالمراقبة لا تأتي دائماً من مؤسسة رسمية، بل يمكن أن تمرَّ عبر الأسرة، والمدرسة، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، وحتى الفضاء الرقمي. في مواقع التواصل الاجتماعي، مثلاً، قد يعيد الإنسان التفكير في صورة أو كلمة أو رأي قبل نشره لأنّه يعرف أنّه سيكون عرضة لنظرات الآخرين وأحكامهم. وفي هذه الحالة لا يحتاج أحد إلى إصدار أمر مباشر؛ يكفي أن يعرف الفرد مسبقاً ما الذي سيُقبل وما الذي سيُرفض. نحن لا نعيش فقط أمام أعين الآخرين، بل أمام الصورة التي نعتقد أنّ الآخرين يروننا من خلالها، وهذه الصورة يمكن أن تتحوّل بدورها إلى سلطة.

لكن قراءة "فوكو" لا ينبغي أن تقودنا إلى الاعتقاد بأنّ كل قانون أو تنظيم أو مؤسسة ليست سوى وسيلة للقمع. هذه قراءة تختزل مشروعه وتفقده تعقيده. فالمجتمع لا يستطيع الاستمرار من دون قواعد، والمؤسسات تحتاج إلى تنظيم، والتعليم يحتاج إلى تقييم، والعمل يحتاج إلى معايير. المشكلة تبدأ عندما تصبح المعايير غير قابلة للمساءلة، أو عندما يتحوّل الانضباط إلى وسيلة لإلغاء الاختلاف، أو عندما يصبح الإنسان عاجزاً عن السؤال عن القواعد التي تشكل حياته. لذلك فإنّ قيمة "فوكو" ليست في دعوته إلى رفض كل أشكال السلطة، وإنّما في جعله السلطة موضوعاً للسؤال: كيف تعمل؟ أين توجد؟ كيف تدخل إلى حياتنا؟ وكيف تجعلنا نشارك أحياناً في إعادة إنتاجها دون أن نشعر؟

ومن هنا يصبح مفهوم الحرية أكثر تعقيداً. قد يكون الإنسان حرًّا من الناحية القانونية، لكنه يحمل داخله قواعد وتصوّرات تعلّمها منذ الطفولة. يعرف ما الذي سيجعله مقبولاً وما الذي قد يضعه خارج الجماعة، وقد يظن أنّه يختار بحرية بينما تؤثر في اختياراته معايير لم يتوقف يوماً للتفكير فيها. وهذا لا يعني أنّ الحرية وهم، وإنّما يعني أنّ الحرية تحتاج إلى وعي. أن تسأل عن القواعد التي تحكمك لا يعني أن ترفضها كلّها، وأن تكتشف تأثير المجتمع عليك لا يعني أن تنفصل عنه؛ بل يعني أن تعرف لماذا تفعل ما تفعل، وأن تميّز بين ما اخترته بالفعل وما اعتدت عليه حتّى ظننته اختياراً شخصياً.

ولعلّ هذا هو السبب الذي يجعل "المراقبة والمعاقبة" يتجاوز كونه كتاباً في تاريخ العقاب والسجون. "فوكو" يمنحنا طريقة مختلفة للنّظر إلى السلطة، لا باعتبارها شيئاً موجوداً فقط في يد الحاكم أو خلف أبواب السجن، وإنّما كشبكة من العلاقات والمعايير والممارسات التي يمكن أن تتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية. إنّه يجعلنا ننتبه إلى الأشياء التي اعتدناها حتى لم نعد نراها، وإلى القواعد التي نطيعها دون أن نتذكّر متى اخترناها، وإلى الصورة التي نحاول باستمرار أن نطابق أنفسنا معها.

بعد قراءة "فوكو"، يصبح السؤال عن الحرية أكثر إلحاحاً. فالتحرّر من القيد الخارجي قد لا يكون كافياً إذا بقيت القيود غير المرئية تعمل في داخلنا. وربما لا تكون الحرية مجرد غياب السجن، وإّنما القدرة على رؤية السجون التي لا نعرف أنّنا نعيش داخلها. فالأمر لا يتعلّق بأن نرفض كل قاعدة، بل بأن نمتلك القدرة على مساءلتها؛ ولا بأن نعيش خارج المجتمع، بل بأن نكون داخله دون أن نفقد قدرتنا على التفكير.

لهذا تبدو الفكرة الأكثر إزعاجاً في الكتاب بسيطة في صياغتها وعميقة في نتائجها: قد تكون السلطة أكثر قوة عندما تجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه. فالحارس الذي يقف أمام السجين يمكن أن يغيب، أما القاعدة التي يستبطنها الإنسان فقد تبقى معه أينما ذهب. وعندما تصل السلطة إلى هذه المرحلة، لا تحتاج إلى أن تكرّر أوامرها باستمرار، لأنّ الإنسان يكون قد تعلّم كيف يضبط سلوكه وفقًا لها.

وهنا تكمن قيمة "فوكو" الحقيقية: إنّه لا يمنحنا وصفة جاهزة للتحرّر، ولا يطلب منّا أن نرفض كل ما يحيط بنا، بل يمنحنا سؤالاً ضرورياً: كم من الأشياء نعتقد أنّنا اخترناها بحرية، بينما نحن فقط نعيد ما تعلّمنا أن نفعله؟

قد لا يكون أخطر سجن هو ذلك الذي تحيطه الجدران، وإنّما ذلك الذي لا نراه لأنّنا تعوّدنا على العيش داخله.

***

زيـــد مـــراد

في المثقف اليوم