عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مصطفى دحماني: النبوة والسياسة.. والأخلاق

السؤال التاريخي

من الأسئلة الهامة التي أسالت الكثير من الحبر في الساحة الثقافية والسياسية العربية في العقود الأخيرة، تلك الأسئلة المتعلقة بالدين والدولة والسياسية عند المسلمين الأوائل، أي في الإسلام المبكر، إسلام مكة والمدينة، وخاصة هذا السؤال الهام: هل كانت الدعوة الدينية المحمدية الإسلامية تحمل مشروعًا سياسيا، مشروع إقامة مملكة وبناء الدولة منذ البداية أم أن المملكة والدولة تكونتا في خضم التحولات التاريخية /الاجتماعية وخاصة التحول الكبير الذي عرفه المسلمون الأوائل من الجماعة إلى الأمة، ومن ثمة إلى تشكل السلطة، بعد الهجرة إلى يثرب ؟1.

ومن المعروف أن هناك نسبة كبيرة من الباحثين، مستشرقون وعرب ينطلقون من مسلمة أساسية هي، أن الإسلام ومنذ البداية، هو رسالة دينية ومشروع سياسي في ذات الوقت،.. أما أعلام الفكر السياسي الإسلامي المعاصر الذين نبه ذكرهم في القرن العشرين، فيشرون دائما وأبداً إلى مركزية المسالة السياسية في الإسلام، وهذا ما نجده بصورة واضحة في كتابات الشيخ محمد رشيد رضا المتأخرة، وأكد عليه حسن البنا في خطبه ورسائل، كما نجده في المحاولات التنظيّرية للدولة الإسلامية عند أبي الأعلى المودودي وفي نصوص سيد قطب الداعية بقوة إلى الدولة الثيوقراطية وخاصة في كتابه " معالم في الطريق، يضاف إليهم أدبيات تقي الدين النبهاني والذي أسس حزب التحرير الإسلامي، هدفه الرئيس هو عودة الخلافة، بأي صيغة وباية طريقة، الخلافة التي تجمع بين الدين والدولة.

ولهذا الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، ومعه الإسلام السياسي من الأكثر تطرفاً إلى الأكثر اعتدالا، لا يتصور وجود دولة دون دين أو وجود إسلام بلا دولة، أما الجماعات الجهادية والإسلام المُسلَّح، فهي لا ليس فقط تعتبر الإسلام دينو دولة، بل وترى وعن قناعة راسخة أن الإسلام مصحف وسيف. ومع ذلك يبقى السؤال التاريخي مطروحًا: هل الإسلام دعوة دينية أم مشروع سياسي؟

الإسلام.. الدعوة والدولة

وكان من الطبيعي أن تختلف الإجابات عن هذا السؤال، بإختلاف الإيديولوجيات المشكلة لخارطة الفكر العربي المعاصر، المعبرة في نفس الوقت عن إختلاف الطبقات الاجتماعية وتعدد الطوائف الدينية وتنوع الجغرافيا.فهناك من يعتقد إعتقادًا جازمًا بأن الإسلام دين ودولة، شريعة وسياسية، مصحف وسيف، وهناك من يرى أن الإسلام دين مجرد دين مثله مثل المسيحية واليهودية والبوذية، له طقوس وعبادات، لا علاقة له بالدولة، وعقيدة دينية لا رابطة تجمعها والسياسية.

والجدير بالذكر أن إشكالية الدولة والدين، هي التي قسمت الفكر العربي إلى تيارين رئيسيين، تيار ديني/إسلامي وتيار حداثي/علماني، هذان التياران دخلا في سجّال محموم وصراع وجود منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى غاية ما يسمى بالربيع العربي.2

و نحن نذهب مذهب الرأي القائل، بأن الدعوة المحمدية، سواء في المرحلة المكية التي دامت أكثر من عشر سنوات أو في المرحلة المدينية، والتي دامت عشر سنوات، لم تكن تحمل مشروعا سياسيا ولا كانت تهدف إلى بناء دولة ولا سعت إلى تأسيس ملك ولا كانت تطمح لأن تكون أمبراطورية مترامية الأطرف.3

وإذا بحثنا في تاريخ "الأمم والرُسل "، نجد أن كل الدول والممالك والإمبراطوريات التي ظهرت عبر التاريخ، سواء في العصور القديمة أو حتى في الحديثة كانت تحمل منذ البداية مشروعًا سياسيًا، وسعت بكل ما تملك من قوة عسكرية وقوة عصبية، لأن تكبر وتتوسع وتبتلع ما جاورها من أراضٍ، ولهذا لم تتردد في إطلاق الغزوات وشَّن الحروب ومن ثمة الإعلان عن مشروعها السياسي التوسعي، كما كان الأمر مع كل الأمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ والتي بنت في نفس الوقت حضارات، مثل الأمبراطوريات الثلاث.. الفارسية، اليونانية والرومانية.

ولا ننسى كذلك أن هذه الإمبراطوريات تكونت أولًا، ثم كان لها، أو بالأحرى تبنت معتقدات دينية محددة، والمثال البارز في هذا المجال الأمبراطورية الرومانية التي تبنت المسيحية في بداية القرن الرابع الميلادي، بعد أن مارست شتى أنواع الإضطهاد ضد المسيحيين الأوائل ولمدة ثلاث مائة سنة. وما نخلص إليه، أن الدولة في الإسلام، أو دولة الإسلام، أو الأمبراطورية العربية – الإسلامية، إن صح هذا التعبير، تكونت في خضم تحولات كبرى ونشأت في سياق تاريخي /إجتماعي وسياسي، مُعقد غاية التعقيد.إذ تحولت الرسالة الدينية، شيئا فشيئا، وفي مراحل زمنية متعاقبة، من مكة إلى المدينة، من رسالة دينية إلى مشروع سياسي، وإنقلبت في لُجَّة التاريخ ومعمعة الجغرافيا، من جماعة بشرية صغيرة لا تتعد 154 فردا إلى أمة تضم عشرات الآلاف من البشر، ثم كان من الضروري أن تتشكل السلطة السياسية لإدارة شؤون الدولة وضبط المجتمع. وليس هذا فقط، بل أن الزعامة النبوية/ الدينية المقدسة تحولت إلى زعامة سياسية/مدنية مقدسة. وبإختصار تغير نظام الحكم وتغيرت شخوص السلطة، عبر ثلاث مسارات أساسية، من السلطة النبوية إلى سلطة الخلافة إلى السلطة الوراثية، إلى أن مرَّ عليها حينًا من الدهر، حتى كانت دولة الملك الوراثي العضوض مع قيام الدولة الأموية. والحقيقة أن سيرورة الأحداث التاريخية المتلاحقة منذ وفاة النبي عام 632م، كانت تحتم التحول من ذلك الطور الجنيني للدولة، أي وجود جماعة بشرية وعلى رأسها قيادة التي تجسّمت في شخص النبي وكبار الصحابة إلى طور الدولة كاملة الأركان بمقاييس تلك الحقبة، بعد أن تحولت الجماعة البشرية الصغيرة قلية العدد إلى أمة تضم الملايين، بسبب دخول عدد هائل من القبائل والعشائر والشعوب في الإسلام، تحولت دولة تتوفر على جماعة بشرية ورقعة جغرافية ونظام حكم يُسمى بالخلافة وعلى سلطة سياسية حاكمة تمثلت في البداية في الخلفاء الأربعة ثم في السلالات الأموية والعباسية والعثمانية وفي غيرها من السلالات، وبطبيعة الحال تحولت إلى دولة وفق معايير الدولة في تلك الفترة الزمنية ومقاييس تلك الحقبة.4

وللمزيد من التوضيح، نقول أن الضرورة التاريخية وحتمية التطور، اقتضت الانتقال من ذلك المجتمع البسيط في المدينة، المجتمع الذي يعرف أعضاءه بالإسم ولديهم شعور مشترك بأنهم على حق، المجتمع الطبيعي وإسلام الفطرة، حيث الأخلاق المثالية إلى ذلك المجتمع الواقعي، حيث التدافع السياسي العنيف والصراع الايديولوجي الذي لا يقبل القسمة على إثنين والنزاع التاريخي الذي لا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد، وبالتالي المجتمعات العربية _ الإسلامية في العصر الوسيط، كان مجتمعات مملوءة بالتناقضات، كما كان النظام السياسي المسمى بالخلافة يعج بالصراعات القاتلة.5

النبوة والسياسة.. والسلطة

اختلفت الآراء وتعددت الرؤى وكثر الجدل منذ السقوط المدوي للخلافة العثمانية السنية عام 1924 هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، هناك رأي يرى أصحابه أن السيرة النبوية تطلعنا أن محمد بن عبد الله لم يكن يفكر قط في الزعامة السياسية ولا كان يخطط لأن يكون ملكا ولا كان يفكر في قلب نظام الحكم في مكة، والدليل القاطع على ذلك، رفضه عرضًا مقدمًا من طرف سادة قريش، عندما قالوا له:.. إذا أردت ملكًا ملكناك، وإذا طلبت مالاً أعطيناك ! فقال قولته الشهيرة".. والله لو وضعوا الشمس عن يميني والقمر عن يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك دونه".6

لقد رفض الرسول هذا العرض المغري، رفضًا قاطعًا، مفضلاً الاستمرار في الدعوة إلى الدين الجديد إلى آخرها، مهما كلفه ذلك من عذاب وما تعرض له من اضطهاد ومن معارضة شديدة ومن مشقة في الدعوة وعسر في تبليغ الرسالة. ومما يؤكد هذا الإتجاه، أن محمدًا بن عبد الله دعا المسلمين إلى الإستعداد ليوم الحساب حيث الثواب أو العقاب، الجنة أو النار. كما دعاهم إلى العمل والتجنيد والمثابرة، من أجل نشر رسالة الإسلام إلى الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها. كما طلب من المؤمنين الصبر وتحمل العذاب والأذى، بل الموت في سبيل الله بهدف التمكين لهذا الدين الجديد، كما أمرهم بالتحلي بمكارم الأخلاق، وفي هذا الصدد يقول مفكر عربي معاصر"... لم يعد القرﺁن العرب أو المسلمين بدولة، ولا أثار حماسهم بالحديث عن منافعها وخيراتها، ولكنه وعدهم بالجنة والرضا الإلهي والمغفرة. ولم يطلب منهم أن يحكموا الآخرين وينتزعوا منهم أراضيهم ويقتلوهم ويبيدوا نسلهم،، كما جاء في العهد القديم إزاء شعب كنعان، ولكن طلب منهم الرحمة وتبليغ الرسالة والمعاملة الحسنة والتقوى والعدل والإحسان والصدقة ومخافة الله، حتى صاروا يخشون الحكم ويرفضونه كي يتجنبوا مخاطر الظلم.. ".7

فالإسلام دعوة دينية بالأساس، تقوم على أولا على الشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى الإيمان باليوم الأخر والحساب، ولم تكن دعوة للصراع السياسي مع سادة قريش كما لم يشرع الإسلام الجهاد، من أجل بناء سلطة سياسية أو دفاعا عن نظام ملكي.8

والجدير بالذكر، أن الإسلام كديانة سماوية كبرى، موجهة إلى العالم كافة، يجمع بين تعاليم المسيح ومبادئ النبي موسى، في نقطة التبشير والدعوة إلى الخلاص، وبين القتال في سبيل الله. ولهذا لا نستغرب أن يتحول القتال في الإسلام إلى جهاد.ليس قتالا بغرض الملك وليس حربا بهدف الدفاع عن سلطة سياسية.9

النص والتاريخ.. والأخلاق

ومعنى هذا الكلام، أن النص الديني، لا يتوفر على حديث يحض على الممارسة السياسية وعلى نص يحث على الشروع في بناء دولة. لأن الدين في طبيعته وفي جوهره، لا يقدم خطابا في الدولة ولا يتكلم إطلاقا عن السلطة والحكم والسياسة. لأن قضية بناء الدولة والوصول إلى السلطة وممارسة السياسة ليست من دعاويه ولا من مهامه، ولا تدخل في نطاق إختصاصه. ثم أن مفهوم الإسلام، بمعنى المفهوم في المنطق الأرسطي، هو دين وليس دولة. والدين أي دين، هو عقيدة، لها مسلماتها وطقوسها ولها مبادئها وعباداتها، التي تميزها عن سائر الأديان والمعتقدات السماوية كاليهودية والمسيحية أو الوثنية مثل البوذية والهندوسية. لكن كل الأديان وكل المعتقدات تشترك في الدعوة إلى التحلي بمكارم الأخلاق وإلى الزهد في الدنيا. 10

ومرة أخرى نذكر أن الخطاب القرآني لم يتطرق إلى كيفية بناء الدولة ولا دعا أنصاره إلى الحشد من إجل الإستيلاء على ملك فارس والروم، كما أن النص الديني قرآنا أو حديثا نبويا يخلو تماما، من كلمات الدولة والملك والخلافة ومن مفاهيم السلطة والحكم.

ونحن نعرف أن ممارسة السلطة والحكم، تقوم على الغلبة والقهر، وعلى الشوكة والعصبية بلغة الفقه السياسي والسياسة الشرعية، ولا يتأسس الملك على الرحمة والغفران والتسامح والنوايا الحسنة، وما يسمى بالأخلاق الحميدة. وإذا أردنا أن نحدد المفاهيم، فإن مفهوم الدين هو عقيدة تقوم على الإيمان بوجود إله له سلطة مطلقة ومقدسة، ويتأسس هذا الإيمان على عبادات وطقوس وإحتفالات، ومن ماصدقات مفهوم الدين، نذكر على سبيل المثال وليس الحصر، اليهودية والمسيحية، بالإضافة إلى عشرات الديانات الوثنية الموجودة اليوم في كافة أرجاء المعمورة.أما مفهوم الدولة فهي كيان سياسي قانوني ذو سلطة سيادية معترف بها داخليا وخارجيا، ومن ماصدقات مفهوم الدولة، كأن نقول مثلاً الدولة اليابانية والدولة الروسية.

وبناءً عليه الإسلام هو أحد ماصدقات مفهوم الدين، وبالتالي ليس هو دولة، بل هو دين مثل بقية الأديان، ومن البديهي القول، أن النص الديني عموما، لا يتطرق إلى أمور السياسية ولا يتناول آلاعيب الحكم، وإما إذا تدخل في الشأن السياسي، فحتمًا سيقع في حزمة من التناقضات، أولها تناقضه مع دعاويه الأخلاقية ومقاصده التربوية.

لأن السياسة، كمفهوم وكممارسة، سواء على مستوى السلطة الحاكمة أو على مستوى المعارضة تقوم، كما لا يخفى على أحد، على قدر لا يستهان به من السلوكيات "اللاخلاقية"، كالكذب، الخداع، الحيلة والمكر. بالإضافة إلى الدسائس والمؤامرات. أما الدين، سواء أكان سماوي أو وثني، فمن الطبيعي أن يدعو إلى مكارم الأخلاق، كالصدق، الرحمة، الإحسان والعمل الصالح. والدين الإسلامي، كم هو معروف للجميع هو دين أخلاق بإطلاق، لدرجة أنه قد يكون الدين الوحيد الذي يربط العبادات بالمعاملات، وهناك عدد لا يحصى من النصوص في القران والحديث النبوي، التي تحث المسلمين على التحلي بمكارم الأخلاق.

وفي مقابل كثافة الدعوة إلى عمل الخير في النص الديني، قرآنا وسنة، فإن هذا النص يخلو تمامًا من مفاهيم السياسة ومقولات الحكم.11

وليس هذا فحسب، بل أن النص الديني، كما قلنا سابقا، لم يشر، لا تصريحًا ولا تلميحاً، ولم يتكلم لا من قريب ولا من بعيد، عن قواعد أسياسة وأصول الحكم. وحتى إن وُجدت بعض الإشارات في النص القرآني، إلى بعض الممارسات ذات الصلة، بشؤون السلطة والحكم، مثل قوله تعالى".. وآمرهم شورى بينهم.. " (الشورى:38) وكذلك قوله في موضع أخر ".. وشاورهم في الأمر.. " (أل عمران:159). فكلمة الشورى الواردة في الآيتين، لا تحمل دلالات سياسية، ولا تتعلق بالتشاور بين المسلمين من أجل إنتخاب حاكم أو خليفة للرسول، كما يذهب بعض الباحثين المعاصرين، بل أن لفظ الشورى يحمل شحنة أخلاقية، لأن السياق الوارد فيه".. لا يدل على تشريعية المبدأ، لأنه لم يرد في سياق التشريع في الآية، بل ورد خلال وصف أخلاقية المؤمنين وسلوكياتهم.. وهو أي هذا النص- يخلو من الدلالة على كونه خاصًا بنظام الحكم ". 12 خلاصة القول، أن كلمة شورى في الخطاب القرآني، وردت كمبدأ أخلاقي وليس كسلوك سياسي. وتجدر الإشارة، أن الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر، هو الذي شحن عديد الألفاظ العربية القديمة وخاصة تلك الواردة في القران الكريم، بمعان ودلالات سياسية حديثة، وهذا نتاج التأثر والتلاقح والإحتكاك بالفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.13

والحقيقة التي لا مراء فيها، أن الكثير من الكلمات والمصطلحات المتداولة اليوم في الحقل السياسي العربي، لم تكن تحمل إطلاقًا أية دلالات سياسية. فمثلا لفظة الحكم لم تكن تعني ما تعنيه اليوم في الحقل السياسي التداولي المعاصر، من معاني السلطة الحاكمة ونظام الحكم والحكومة، لا في النص الديني المؤسس ولا في نصوص التراث العربي/ الإسلامي.14 معنى هذا الكلام، أن وجود اللفظ في القديم لا يعني أنه كان يتضمن المعاني الحديثة، صحيح أن كلمة حكم وردت عشرات المرات في القرآن الكريم، وحتى في بعض الأحاديث وكذلك كتب ومؤلفات العرب القدامى، ولكنها خلت تمامًا من المعاني السياسية. ففي الخطاب القرآني جاءت تارة بمعنى الحكمة كما في قوله تعالى" أولئك الذين أتيناهم الكتاب والحكم والقضاءʺ(الانعام89) كما وردت أيضا بمفهوم حل المنازعات والقضاء بين الناس مثل قوله تعالىʺوإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدلʺ(النساء58).

نستنتج أن كلمة حكم المتداولة قديمًا، كانت تحمل معنى القضاء، أي العدالة، والدليل على ذلك، أن كلمة الحاكم بمعنى القاضي، ظلت مستخدمة إلى غاية سقوط الدولة العثمانية التي كانت تطلق على القاضي لقب الحاكم الشرعي الذي كان يفض الخصومات بين الناس في المحاكم الشرعية.15

ولهذا لم يكن لفظ الحكم مُستخدمًا في صدر الإسلام وفي العصور اللاحقة، بمعنى السلطة السياسية وما كان مستخدما هو لفظ الأمير والإمارة، والدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب لقب نفسه بأمير المؤمنين، وإستثقل لقب خليفة خليفة رسول الله، كما كان يسمى قائد الجيش بالأمير، وكذلك رؤساء المدن والأقاليم بالأمراء 16ونفس الأمر ينطبق على مصطلحات ومفاهيم سياسية، موظفة بكثرة في الخطاب الإسلامي المعاصر مثل مفاهيم الأمة، الحكم والدولة.فالوجود القديم لهذه الكلمات في اللغة العربية لا يعني إطلاقًا أنها كانت تحمل الدلالات السياسية التي تحملها اليوم.

وقد أشار كثير من المهتمين بالفكر العربي إلى ذلك، ونبهوا إلى أن الكلمات والألفاظ، تؤخذ في حقبة زمنية ما، معاني محددة لأنها تعبر عن واقع اجتماعي سياسي معين. وهذا ما حصل في العالم العربي في المائة والخمسة والسبعون سنة الأخيرة.إذ وقعت جملة من التحولات الاجتماعية/السياسية الكبرى، بعد مئات السنين من الجمود والسبات العميق17 وهذه التحولات تمثلت في ظهور حراك سياسي وتغير إجتماعي، كما تأسست دول وطنية ونشأت برلمانات وظهرت أحزاب وقامت حكومات وجاء إستعمار واحتلال لدار الإسلام، هذه التحولات فرضت ضرورة، إما نحت مفاهيم سياسية جديدة أو شحن كلمات قديمة بمعاني حديثة.

وقد كان ذلك مع الفكر العربي الحديث في القرن التاسع عشر، إذ تأسست لغة سياسية حديثة، توظف مفاهيم ومقولات الفلسفة الليبرالية مثل البرلمان، الحزب، الدولة، الحكومة، الدستور، فهذه كلها مفاهيم ومصطلحات حديثة من إنتاج الفكر السياسي الأوروبي الحديث ومن بنات أفكار الفلسفة السياسية الحديثة، والتي عبرت بدورها عن تحولات إجتماعية سياسية كبرى عاشتها الأمم الأوروبية منذ القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين، تحولات كبرى تجسدت في جملة من القطائع والإنتقالات، قطائع مع عصور الكهنوت وسلطة رجال الدين والحكم بإسم التفويض الإلهي وصكوك الغفران.و إنتقالات إلى العصور الحديثة مع نمط الدولة الأمة وسيادة القانون والدستور والشرعية القانونية - العقلانية 18

***

د. مصطفى دحماني

...................

مصادر ومراجع

1. محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي مركز دراسات الوحدة العربية ط2 بيروت 1992 ص 57

2. محمد جابر الأنصاري: الفكر العربي وصراع الأضداد المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط2 بيروت 1999 ص 25

1) برهان غليون: نقد السياسة.. الدولة والدين.المركز الثقافي العربي.2007 الدار البيضاء. ص 55

3. حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية –الإسلامية.دار الفارابي بيروت 1985 ص 469

4. محمد عابد الجابري: المرجع نفسه ص 231

5. برهان غليون: المرجع نفسه ص 45

6. المرجع نفسه ص 45و55

7. المرجع نفسه ص 55

8. برهان غليون: المرجع نفسه ص 65

9. المرجع نفسه ص 62

10. حسين مروة: المرجع نفسه ص 398

11. سعيد بنسعيد: مفهوما الأمة والوطن في الإستعمال العربي المعاصر من كتاب" الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي " ج1 مركز دراسات الوحدة العربية ط1 بيروت 1992 ص 139

12. عبد الغني عماد: حاكمية الله وسلطان الفقيه دار الطليعة ط2 2005 بيروت ص 11

13. المرجع نفسه ص 11

14. المرجع نفسه ص 12

15. سعيد بن سعيد: المرجع نفسه ص 140

16. المرجع نفسه ص 140

17. المرجع نفسه ص145

18. المرجع نفسه ص145

في المثقف اليوم