عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: من الأنطولوجيا القديمة إلى بوزون هيغز

بدأت الفلسفة الطبيعية اليونانية بمحاولة جذرية للانفصال عن التفسيرات الأسطورية، متجهة نحو إرساء مبدأ كوني مفسر للوجود يُعرف باسم "الأول" أو "المبدأ". فبينما قدم طاليس "الماء" بوصفه أصلاً مادياً تعود إليه سائر الموجودات، خطا أنكسيمندر خطوة تجريدية حاسمة باقتراحه "الأبيرون" (أي اللامتناهي أو غير المحدود) كمصدر أزلي نشأت منه الأكوان. ورأى أنكسيمندر أن الأصل الأول لا يمكن أن يكون عنصراً معيناً في الطبيعة كالماء أو النار؛ لأن تحديد خصائص عنصر ما يجعله نقيضاً لعناصر أخرى، مما يمنع قدرته على توليد الأضداد كلها. ولذلك، وجب أن يكون هذا المبدأ غير محدود بخصائص معينة، وأزلياً لا بداية له ولا فناء. ويشير أرسطو إلى أن أنكسيمندر أسبغ صفة "الألوهية" على الأبيرون، حيث اعتبره مبدأً يوجه كل شيء ويحيط بكل شيء، وهو ما يمثل النواة الأولى ل -اللاهوت الطبيعي الذي يربط البحث في الطبيعة بالبحث عن العلة الأولى المتعالية.

واجهت هذه الفلسفات الطبيعية المبكرة مأزقاً منطقياً حاداً مع ظهور المدرسة الإيلية؛ إذ جادل بارمنيدس وتلميذه زينون الإيلي بأن الوجود واحد، حقيقي، وثابت، وأن التغير والكثرة مجرد أوهام حسية. وسعى زينون عبر مفارقاته الجدلية إلى إثبات أن القول بوجود كثرة يؤدي إلى تناقضات منطقية مستعصية، مفترضاً أنه لا يوجد وسط بين القول بأن الوجود واحد والقول بأنه كثرة. وبلغ هذا الاتجاه الإيلي حداً متطرفاً مع مفكرين مثل ليكوفرون، الذي ذهب إلى إزالة رابطة الوجود ("هو" أو "يكون") من اللغة في استخداماتها الإخبارية، تجنباً للوقوع في مفارقة جعل الشيء الواحد كثرة عند وصفه بصفات متعددة.

عالج أرسطو هذا الانسداد الأنطولوجي في كتابيه "الفيزياء" و"ما وراء الطبيعة"، موضحاً أن أسلافه سقطوا في مغالطة لغوية ناتجة عن عدم إدراكهم أن لمصطلحي "الواحد" و"الوجود" دلالات ومعانٍ متعددة. وبسط أرسطو تمييزه الشهير بين "القوة" و"الفعل" كأداة لحل مفارقة الواحد والكثرة؛ إذ يمكن للشيء أن يكون واحداً بالفعل، لكنه ينطوي على كثرة بالقوة، مما يجعل حدوث التغير والصيرورة أمراً ممكناً ومنطقياً دون المساس بمبدأ الهوية أو الوقوع في التناقض.

هندسة الوجود والمحرك غير المتحرك عند أفلاطون وأرسطو

تطور البحث عن العلة الفاعلة والصورية مع نضوج النسقين الأفلاطوني والأرسطي. ففي محاورة "تيماوس"، قدم أفلاطون مفهوم "الصانع" أو "الديميورغ" كعلة فاعلة عاقلة تقوم بصياغة المادة الهيولية المشوشة وتشكيلها وفقاً للأنماط والمُثل الهندسية الأزلية. ولم يكن الديميورغ عند أفلاطون خالقاً للمادة من العدم، بل كان منظماً يُسقط الأشكال الهندسية على الفوضى المادية لإنتاج كون متسق. وارتبطت العلة هنا بالعلية الغائية والصورية؛ حيث تشكلت العناصر الأربعة (التراب، الماء، الهواء، النار) من مجسمات هندسية منتظمة تعكس الكمال الرياضي.

أما أرسطو، فقد أسس في المقالة الثامنة من "الفيزياء" و " المقالة الثانية عشرة" من "ما وراء الطبيعة" لبرهان "المحرك الذي لا يتحرك". وانطلق أرسطو من فكرة أن الحركة في العالم المادي أزلية ومستمرة، وبما أن كل متحرك لا بد له من محرك يخرجه من القوة إلى الفعل، فإن تفادي التسلسل اللانهائي يفرض وجود محرك أول أزلي لا يتحرك. ووصف أرسطو هذا المحرك بأنه جوهر لا مادي، بسيط، خالٍ من أي إمكانية أو قوة، كماله مطلق، ونشاطه الوحيد هو الفكر الخالص الذي يتأمل ذاته؛ لأنه لا يليق بكماله تأمل أشياء أدنى منه.

وتثير طبيعة العلية التي يمارسها هذا المحرك نقاشاً واسعاً في الشروح الفلسفية. فبينما يرى التفسير التقليدي، الذي دافع عنه معلقون مثل ديفيد روس، أن المحرك الأول يعمل كعلة غائية فقط؛ أي أنه يحرك الفلك الأقصى من خلال الحب والتشبه بكماله، كما يحرك المعشوقُ عاشقه دون أن يتحرك المعشوق نفسه، جادل آخرون بوجود أبعاد لعلية فاعلة ومحركة بالمعنى الفيزيائي. ويقترن هذا الجدل بتحقيق لغوي نصي حول الكلمة اليونانية "إينيرجيا" إذ تشير الأبحاث الحديثة في المخطوطات القديمة إلى أن النساخ المتأخرين في العصر البيزنطي أخطأوا في نقل الحرف اليوناني "أيوتا" الفرعي، مما أدى إلى قراءة اللفظ كاسم مرفوع يعني "الفعل الخالص"، في حين أن القراءة الصحيحة هي في حالة الجر الدال على الفاعلية المستمرة "في الفعل". ويعني هذا التعديل أن المحرك الأول عند أرسطو ليس مجرد مفهوم تجريدي جامد، بل هو كيان دائم النشاط والفاعلية والحضور الأنطولوجي. ولم يكن هذا المحرك فريداً بالمعنى المطلق، بل افترض أرسطو وجود عدد من المحركات الثانوية يطابق عدد الأفلاك السماوية المتحركة لتفسير حركاتها الدائرية المعقدة.

التسامي والفيض واللاهوت الوسيط

شهدت القرون الوسطى محاولة كبرى للتوفيق بين الفلسفة اليونانية واللاهوت التوحيدي. انطلقت هذه المحاولات من أطروحة أفلوطين والأفلاطونية المحدثة حول "الواحد" الذي يفيض عنه الوجود تدرجياً بالضرورة الميتافيزيقية دون إرادة أو تغير في ذاته، مما يخلق رابطاً أنطولوجياً دائماً بين العلة ومعلولاتها. تبنى ابن سينا هذا الإطار الفكري وطوره في صياغته الشهيرة لـ "برهان الصديقين" لإثبات وجود الله كـ "واجب الوجود". وأقام ابن سينا برهانه على التمييز الأنطولوجي بين الماهية والوجود؛ ورأى أن ماهية الأشياء الممكنة لا تستلزم وجودها، فمفهوم "الإنسان" مثلاً لا يقتضي بالضرورة وجوده في الخارج، وبالتالي، فإن الكائن الممكن يحتاج دائماً إلى علة خارجية ترجح وجوده على عدمه. وقسم ابن سينا الوجود عقلياً لتجنب التسلسل اللانهائي للعلل الممكنة، مستنتجاً ضرورة وجود ذات واجبة الوجود بذاتها، يكون وجودها عين ماهيتها، ولا تحتاج لعلة خارجية تمنحها الوجود.

أثارت هذه الرؤية السينوية، التي تصنف علاقة الله بالكون كعلاقة علية ضرورية وأزلية، اعتراضاً عنيفاً من أبي حامد الغزالي في "تهافت الفلاسفة". فجادل الغزالي بأن القول بأزلية العالم وصدوره عن الله بالضرورة الميتافيزيقية يسلب الإله صفة الفاعلية الحرة والمريدة، ويحيله إلى علة آلية مجردة. وقدم الغزالي دفاعاً عن نظرية "الحدوث" (الخلق من العدم زمانياً) مستنداً إلى أن الإرادة الإلهية الحرة هي التي خصصت وجود العالم بلحظة معينة بدلاً من غيرها.

وامتد نقده ليشمل مفهوم العلية الضرورية ذاته في الطبيعة؛ ففي تفسيره لظاهرة احتراق القطن عند ملامسته للنار، أكد الغزالي أن الاقتران بين الملامسة والاحتراق ليس تلازماً منطقياً أو سبباً ضرورياً، بل هو مجرد اقتران عادي متكرر بحكم العادة الإلهية؛ فالنار جماد لا إرادة لها، والفاعل الحقيقي والوحيد للاحتراق هو الله الذي يخلق الأثر عند تلاقي السبب الظاهري بالمسبب. وأسس هذا الطرح المعرفي للمذهب الأشعري في "المناسباتية" تجريد الطبيعة من أي قوى فاعلة ذاتية لصالح القدرة الإلهية المباشرة. وتلقت الفلسفة الغربية صدى هذا الفكر لاحقاً لدى فلاسفة فرنسيين مثل نيكولا مالبرانش، ومفكرين مثل نيكولا أولتريكورت الذي استخدم حججاً شبيهة لنفي إمكانية الاستدلال المنطقي على وجود صلة ضرورية بين شيئين منفصلين.

وفي السياق المسيحي واللاتيني، واجه اللاهوتيون التحديات نفسها؛ إذ اقترح بيتر لومبارد في كتاب "الأحكام" حلاً يؤكد فيه إمكانية وصول العقل البشري بمفرده إلى معرفة وجود الإله الواحد عبر تأمل كائنات الطبيعة المتغيرة، لكنه عارض بشدة أطروحة المادة الأزلية لبعض الفلاسفة، مؤكداً على الخلق من العدم كإرادة إلهية حرة.

وجاءت الصياغة الأكثر نضجاً للاهوت الطبيعي مع توما الأكويني، الذي تأثر بأرسطو وابن سينا، وحاول التوفيق بين برهان المحرك الأول وعقيدة الخلق المسيحية. صاغ الأكويني "الطرق الخمس" لإثبات وجود الله، منطلقاً من المعطيات الحسية المتغيرة للكون للوصول إلى علة أولى فاعلة ومحركة. وميز الأكويني بدقة بين السلاسل السببية المرتبة بالعرض (والتي يمكن أن تتسلسل إلى ما لا نهاية دون إحداث معضلة منطقية في تفسير الوجود الحالي)، والسلاسل السببية المرتبة بالذات التي تعتمد فيها العلل اللاحقة فورياً وفي اللحظة الزمنية نفسها على العلة الأولى، مثل اليد التي تحرك العصا التي تحرك الحجر. وجادل الأكويني بأن السلسلة الأخيرة يستحيل منطقياً تسلسلها إلى ما لا نهاية؛ لأن غياب المحرك الأول المستمر بالفاعلية يعني غياب الحركة الوجودية الحالية برمتها.

التفكيك المعرفي والمنطقي للعلية في الفلسفة الحديثة

تزعزعت الأسس الميتافيزيقية لبرهان العلة الأولى مع صعود الفلسفة النقدية والتجريبية التي أخضعت مفهوم السببية نفسه لمبضع التشريح المنطقي. فقد اعتبر ديفيد هيوم أن العقل البشري لا يمتلك أي انطباع حسي مباشر لما يُسمى "القوة السببية" أو "الرابطة الضرورية" بين الأحداث. ورأى أن فكرة السببية برمتها تنشأ من الترابط النفسي الناتج عن "الاقتران المطرد" وملاحظة تعاقب الأحداث في الزمان والمكان. وبما أن التجربة الحسية والتعود هما مصدر المعرفة بهذا المبدأ، فإنه يمتنع منطقياً قذف هذا المفهوم خارج حدود التجربة البشرية لتفسير نشأة الكون ككل. وانتقد هيوم الاستدلال الكوزمولوجي، معتبراً أن افتراض علة للكون ككل يمثل قفزة غير مبررة؛ إذ إن معرفتنا بالعلية تصلح لتفسير الأجزاء والظواهر المفردة داخل العالم، لكن لا يمكن سحبها منطقياً على العالم بوصفه كلاً فريداً لم يقع تحت التجربة المباشرة أبداً.

أما إيمانويل كانت، فقد عالج هذه القضية من خلال "الأنتينوميا الأولى" (متناقضة العقل المحض الأولى) في كتابه "نقد العقل المحض". وأوضح (كانت) أن العقل البشري عندما يتجاوز حدود التجربة الممكنة للتفكير في أصل الكون وحدوده، يجد نفسه قادراً على صياغة برهانين منطقيين متعادلين في القوة لكنهما متناقضان تماماً في النتيجة:

الأطروحة: تذهب إلى أن العالم له بداية في الزمن وحدود في المكان. والحجة هنا قائمة على أنه لو لم تكن للعالم بداية، لكانت هناك سلسلة غير متناهية من الحوادث المتعاقبة قد انقضت واكتملت قبل اللحظة الحاضرة، واكتمال السلسلة اللانهائية بالتتابع أمر مستحيل عقلاً.

النقيضة: تذهب إلى أن العالم ليس له بداية في الزمن وليس له حدود في المكان. وتستند الحجة إلى أنه لو كانت للعالم بداية زمنية، لكانت مسبوقة بزمن فارغ تماماً. وفي هذا الزمن الفارغ، لا توجد أي شروط مرجحة لوجود الشيء بدلاً من عدمه، مما يجعل بدء الخلق في لحظة محددة أمراً مستحيلاً لعدم وجود علة كافية.

"جاء حل هذه المعضلة عبر نموذج إيمانويل كانت المسمى 'المثالية الترانسندنتالية'؛ إذ بيّن أن التناقض يظهر عندما نعتبر العالم المادي 'شيئاً في ذاته' (مستقلاً عن العقل)، بينما هو في حقيقته مجرد 'ظاهرة' تتشكل وفقاً لشروط الإدراك البشري. فقد ذهب كانت إلى أن الزمان والمكان ليسا حقيقتين موضوعيتين، بل هما قالبان قبليان في العقل لتنظيم الانطباعات الحسية.

ونتيجة لذلك، فإن مبدأ السببية هو مقولة عقلية مخصصة لربط الظواهر التجريبية؛ وتحويلها للبحث عن علة أولى خارج الزمان والمكان يُعد تجاوزاً غير مشروع منطقياً يقع في دائرة 'الوهم المتعالي'. هذا المنظور يقود مباشرة إلى 'اللاحتمية المعرفية' وعجز الأدلة في الكوزمولوجيا؛ إذ يظل من الممتنع على العقل البشري صياغة برهان حاسم يثبت ما إذا كان العالم المادي متناهياً أم لامتناهياً في الزمان والمكان.

الميكانيكا والهندسة كمحرك للأشياء

شهد العصر الحديث تحولاً حاسماً تمثل في انتقال صفة "المحرك للأشياء" من الميتافيزيقا واللاهوت الطبيعي إلى القوانين الهندسية والميكانيكية الصارمة. بدأ هذا التحول مع غاليليو غاليلي الذي سعى إلى قراءة "كتاب الطبيعة" المكتوب بلغة الرياضيات وأشكال الهندسة كالمثلثات والدوائر. ووضع غاليليو اللبنات الأولى لعلم الحركة الحديث عبر دراسته التجريبية والرياضية للسقوط الحر وحركة المقذوفات، متجاوزاً التفسيرات الأرسطية الكيفية التي تعزو الحركة إلى النزوع الطبيعي للأجسام نحو مستقرها.

وجاء رينيه ديكارت ليحقق هذا الطموح المعرفي برد الفيزياء كلياً إلى الهندسة الرياضية؛ حيث اختزل العالم المادي بأكمله في "الامتداد" والحركة، نافياً وجود الذرات أو الخلاء (فالكون لديه ملآن تماماً). وأقصى ديكارت الصور الجوهرية والعلل الغائية والقوى الباطنية من الطبيعة، معتبراً العالم آلة ميكانيكية ضخمة تُفسر حركاتها بالتماس والتصادم المباشر بين الأجزاء الممتدة.

ووظف ديكارت مفهوم "الإله" لخدمة نسقه الفيزيائي والميكانيكي؛ فالإله هو العلة الأولى والفاعلة التي خلقت المادة وبثت فيها كمية محددة وثابتة من الحركة والسكون منذ البداية. وبسبب صفة الثبات المطلق للإله وعمله الدائم بنسق لا يتغير، فانه يحافظ من خلال المدد الإلهي المستمر على ثبات كمية الحركة في الكون. واشتق ديكارت من هذا الثبات الإلهي ثلاثة قوانين أساسية للحركة شكلت عصب الميكانيكا الكلاسيكية.

 العلة الأولى في مهب الكوزمولوجيا المعاصرة

مع مطلع القرن العشرين، أحدثت الفيزياء الحديثة تصدعاً عميقاً في المفاهيم الكلاسيكية للعلية، والمادة، والبداية المطلقة للزمن. فقد أظهرت ميكانيكا الكم أن العالم دون الذري لا يخضع للحتمية الميكانيكية الصارمة التي سادت العصر الحديث. فوفقاً لمبدأ اللاتحديد وقوانين الفيزياء الكمومية، يمكن لجسيمات أولية أن تنشأ وتظهر فجأة إلى الوجود من الفراغ الكمومي عبر ما يُعرف بـ "التموج الكمومي" دون وجود علة فاعلة كلاسيكية محددة تسبقها. واستخدم هذا الواقع الفيزيائي من قبل بعض المنظرين للقول بإمكانية نشوء الكون بأكمله كتذبذب كمومي تلقائي، مما يضعف الحجة الكلامية الكلاسيكية القائلة بأن كل حادث زمني يقتضي بالضرورة علة فاعلة خارجية أخرجته من العدم.

وفي الكوزمولوجيا المعاصرة، قدم ستيفن هاوكينغ وجيمس هارتل فرضية "لا-حدود" التي تسعى إلى إلغاء "المتفردة الأولى" للبداية الزمنية للكون. فبموجب النسبية العامة، ينبثق الكون من نقطة متفردة ذات كثافة لانهائية تمثل بداية الزمان والمكان، مما جعلها لاهوتياً بمثابة اللحظة المادية للخلق التي لا تتطلب تدخلاً خارجياً. ولتجاوز هذا الانهيار الفيزيائي عند نقطة البداية، اقترح هاوكينغ استخدام "الزمن التخيلي"، حيث يتصرف الزمان في اللحظات المبكرة جداً من عمر الكون كبعد مكاني إضافي. ونتيجة لذلك، يلتف الزمكان على نفسه مشكلاً هندسة مغلقة ومتصلة خالية من أي نقطة متفردة حادة أو بداية زمنية منقطعة، تماماً كسطح الكرة الأرضية الذي يمثل مساحة محدودة لكن بلا حافة أو نقطة بداية.

تلغي هذه الفرضية الحاجة لافتراض لحظة خلق أولى بالمعنى الزمني التقليدي، مقدمةً الكون ككيان مكتفٍ ذاتياً يخضع بالكامل لقوانين الفيزياء دون حافة تتطلب تدخلاً من علة متعالية. وتطرح نماذج كوزمولوجية أخرى، مثل كوزمولوجيا الكم الحلقية، فرضية "الارتداد الكمومي" التي تفترض أن كوننا الحالي نشأ من ارتداد كون سابق انكمش على نفسه ثم تمدد مجدداً، مما يضعف فرضية البداية المطلقة للزمان.

بوزون هيغز

في السياق المعاصر، يبرز دور "بوزون هيغز" "جسيم الإله" في تسمية تعود في أصلها لرفض دور النشر لعنوان كتاب الفيزيائي ليون ليدرمان الأصلي "الجسيم اللعين" لصعوبة رصده، واستبدلوه بالاسم الشائع لجذب القراء، وهو لقب يتحفظ عليه الفيزيائيون ليمثل كشفاً فيزيائياً بارزاً، تم التنبؤ به عام 1964 ورُصد فعلياً عام 2012 في مصادم الهادرونات الكبير الثاني.

لم تعد الفيزياء الحديثة (مثل نظرية الأوتار الفائقة ونظرية الحقول الكمومية) تنظر للكون كقطع كتل مصمتة تتحرك في الفراغ، بل تنظر إليه كـ "هندسة مرنة". وهنا يتجلى الدور الأنطولوجي لبوزون هيغز وحقله عبر مسارين:

أ) آلية منح الكتلة (كسر التناظر الهندسي): فبدون هذا الجسيم، ستكون كل الجسيمات الأساسية في الكون (مثل الإلكترونات والكواركات) عديمة الكتلة تماماً وتطير بسرعة الضوء، مما يعني استحالة تشكّل الذرات، أو الكواكب، أو البُنى الحية. وبوزون هيغز هو الكم الناشئ عن "حقل هيغز" الذي يملأ الكون؛ فعندما تتحرك الجسيمات عبر هذا الحقل الهندسي غير المرئي، فإنها تواجه مقاومة فوتونية (أشبه بالتحرك داخل وسط عالي اللزوجة)، وهذه المقاومة هي ما نُسميه فيزيائياً بالكتلة.

ب) الهندسة في الفيزياء الحديثة: في الهندسة الرياضية المطبقة على الفيزياء المعاصرة، يُنظر إلى الجسيمات وخصائصها على أنها خصائص هندسية للمكان؛ حيث إن وجود الكتلة (التي يتسبب بها حقل هيغز) يقوم بعمل انحناء وتشويه في هندسة الزمكان، وهذا الانحناء الهندسي هو ما نعرفه بالجاذبية حسب النظرية النسبية العامة لأينشتاين. وفي الأطروحات الهندسية الحديثة، يعود تفسير أجيال المادة وتفاوت كتلها (كالإلكترون والبروتون) إلى كيفية احتباس الطاقة داخل أبعاد هندسية وحلقات متباينة. ويمثل حقل هيغز هنا "الخلفية الهندسية" المستقرة التي تتيح لهذه البُنى الرياضية والهندسية أن تكتسب وزناً وثباتاً في كوننا، ليصبح حجر الزاوية الهندسي الذي يحول الطاقة السابحة بسرعة الضوء إلى مادة ملموسة ومستقرة.

 الخلاصة والتحليل النقدي لجدوى العلة الأولى

يكشف التتبع التاريخي والمنطقي لمفهوم العلة الأولى عن انتقال جذري في بنية المعرفة البشرية ووظيفتها؛ إذ تحول العقل من السعي وراء التفسيرات الغائية والميتافيزيقية الحاضنة لوجود الأشياء إلى الاكتفاء بالصياغات الرياضية والهندسية الواصفة لحركتها وعلاقاتها الميكانيكية.

ففي الحقب القديمة والوسيطة، مثل مفهوم "المحرك الأول" أو "واجب الوجود" أداة عقلية لحماية الكون من السقوط في عبثية التسلسل اللانهائي والافتراضات العدمية. أما في العصر العلمي الحديث، فقد أثبتت القوانين الرياضية والميكانيكية قدرتها على تفسير وتوجيه الظواهر الطبيعية وتوفير محركات ذاتية لحركة الأجسام دون الحاجة لإقحام مستمر لعلل ميتافيزيقية متعالية، مما جعل مفهوم العلة الأولى يتراجع في حقل العلوم التجريبية بوصفه مفهوماً غير قابل للاختبار أو الصياغة الرياضية المباشرة.

مع ذلك، يظل التمييز الأنطولوجي الذي أرساه فلاسفة مثل ابن سينا وتوما الأكويني محتفظاً بقيمته على الصعيد الميتافيزيقي، ويظل الكون الممتد والمتغير خاضعاً لقوانين وبنى رياضية مسبقة ومحددة لا تحمل في ذاتها مبرر وجودها الخاص. وبناء عليه، يظهر فرق جوهري بين مسألتين:

البداية الزمنية للكون: وهي مسألة كوزمولوجية وفيزيائية تخضع للاختبار والفرضيات العلمية المتغيرة، وتتأرجح بين النماذج ذات البداية الزمنية والنماذج المغلقة أو الدورية.

الاعتماد الأنطولوجي والوجودي: وهو سؤال فلسفي مفسر لما وراء القوانين الطبيعية، حيث تظل العلة الأولى في هذا الإطار كـ "واجب وجود" يفسر عقلانية القوانين الرياضية وتماسك الوجود المادي، حتى وإن كان هذا الوجود لامتناهياً في زمانه ومكانه.

هنا ينتهي مسار العلة الأولى إلى كونه ليس مجرد تراجع أمام العلم، بل هو إعادة ترسيم حدود؛ حيث تعيد الفلسفة النقدية تعريف "العلة الأولى" ليس كحقيقة علمية مبرهنة، بل كفرضية قصوى يبحث من خلالها العقل عن المعنى والتماسك الوجودي، في مواجهة كون يبدو في حد ذاته صامتاً ومستغنياً علمياً عن مبررات وجوده.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم