هل تتناقض الحرية مع البنيوية؟ يحصل هذا التناقض إذا فهمت البنية بقوانينها وتناقضاتها بوصفها آلة عمياء تضع حدودًا للحرية والفعل الإنساني، خصوصًا إذا ربطت البنية بالحتمية أو القدرية. حينها يصبح مستقبل المجتمع مرتبطًا بتحقق مسارات البنية و"الطبيعة" فيصبح دور الحرية هامشيًّا. أما إذا فهمت البنيويّة على أنها فضاء من الحدود والإمكانات تتقدم عبر تناقضات المجتمع والأفراد، يصبح دور الحرية لدى الفرد وفي المجتمع دورًا محوريًّا لتبلور الأفكار والحقب التاريخية بدون مصير محدد او نتيجة حتمية. سأناقش البنيوية والحرية والحتمية من خلال أفكار الفيلسوف الألماني كارل ماركس والفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي. يلتقي ماركس وتشومسكي بشكل أساسي بمعاداتهم للهيمنة؛ إن كانت هيمنة الرأسمالية والرأسماليون أو الامبريالية والبروباغاندا التابعة لها. كما أن ماركس وتشومسكي يلتقيان في كونهما شخصان بنيويّان بطريقتهم الخاصة؛ ولكن ليسا بنيويان كلاسيكيان. والمثير للاهتمام في فلسفتي ماركس وتشومسكي أنهما يصلان إلى أهمية البنية ودور الحرية من منطلقين مختلفان جدا يجعلان هذا الوصول الموازي شيئًا يستحق النقاش. ماركس يسأل: كيف تشكل العلاقات الاقتصادية المجتمع والوعي والحرية والسياسة والحياة البشرية. أما تشومسكي فيسأل: ما هي القدرات البشرية الفطرية التي تجعل اللغة والحرية والابداع والوعي ممكنة. كلاهما يفكر بالبنية التي تضع القوانين، ولكن أيًا منهما مفكر بالحتمية البسيطة.
ماركس: البنية التاريخية دون حتمية آلية
إحدى أكبر الانتقادات التي توجه إلى الماركسية هي أنها حتميًة اقتصادية. كأن ماركس يقول إن الاقتصاد يحدد كل شيء آخر تحديدًا آليًّا. إلا أن هذا الاتهام ليس دقيقًا بحد ذاته. يرى ماركس في نظريته عن الجدلية الماديّة أن العلاقات المادية والاقتصادية تقيّد حركة المجتمع بشكل كبير، لكن التاريخ يتطور ويتغيّر مع ذلك من خلال الصراع الطبقي، والسياسي والمؤسسات وغيرها من الفعل البشري.
الرأسمالية، حسب ماركس، هي ليست مجرد مجموعة من الاختيارات الفردية. الرأسمالية هي بينة مكونة من العمل المأجور والملكية الخاصة وتراكم رأس المال والتناقض الطبقي. تضع هذه البنى الحدود لما يستطيع الناس فعله وتخيّله وكيف يعيد المجتمع انتاج نفسه. بذلك لا يلغي ماركس الفاعلية البشر، فالبشر يفعلون وينظمون ويقاومون ويتمردون ضد الرأسمالية والهيمنة. الصراع الطبقي ناتج عن التفاعلات البشرية التي تولد المجتمع القادم.
لعل أبرز دحض لاتهامات ماركس بالحتمية هو جملته في الثامن عشر من برومير: يصنع البشر تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم. هذه العبارة توضح أن ماركس مفكر في القيد البنيوي التاريخي، لا في الحتمية الآلية. ويأتي دور الفعل البشري كفعل محوري لكنه داخل بنى مادية موروثة.
تشومسكي: الفطرة البشرية
نعوم تشومسكي هو مفكر بنيويّ أيضًا. لكن تشومسكي يبدأ من مكان مختلف عن ماركس. تشومسكي يبدأ من اللغة والعقل والادراك والطبيعة البشرية وليس من الطبقة والعمل أو التاريخ. بينة تشومسكي هي بيولوجية ومعرفية أكثر مما هي اقتصادية وتاريخية. بالنسبة لتشومسكي، العقل البشري ليس لوحًا فارغًا. العقل البشري يمتلك أسسًا وبنيّة فطرية تسمح باكتساب اللغة والفكر. اكتساب اللغة لدى الانسان يعتمد على القيود الداخلية الفطرية التي تضعها بيولوجيا الدماغ.
لكن هذه ليست حتمية بمعنى السلوك الثابت. تجعل البنية الفطريّة الابداع ممكنًا. يؤكد تشومسكي على هذه الفكرة من خلال طرحه لفكرة القواعد التوليدية. القواعد والقيود النحوية محدودة ومقيّدة، لكنها تسمح لمستخدم اللغة بإنتاج عدد لا نهائي من الجمل الجديدة. وكذلك لا أمر للعقل والفكر. بهذا تصبح البنية عند تشومسكي شرطًا توليديّا يضع الأسس للإبداع، وليست سجنًا يقود إلى الحتمية.
رفض تشومسكي السلوكية، التي تقضي بأن البشر يتشكلون آليًّا من خلال المثيرات الخارجية والاستجابات. وفي مواجهة ذلك، دافع عن الابداع والحريّة. يرى تشومسكي عن هناك بنية فطريّة إنسانية تدفعه لطلب الحريّة. إذا فتشومسكي يصل ايضًا للحريّة ولكن من خلال عقلانية بيولوجيّة.
البنية والحرية
يؤسس ماركس نظريته على بينة تاريخية، بينما يعطي تشومسكي نظريته بعدًا بنيويًّا توليديًّا. بالنسبة إلى ماركس، لا يطفو الأفراد بحريّة فوق المجتمع. إنهم يفعلون داخل أنظمة موروثة من الطبقية والملكيّة والمؤسسات والأيديولوجيّا. أما بالنسبة لتشومسكي، فإن العقل لا يتشكل فقط عبر التجربة، إنه يمتلك بنى داخلية تجعل اللغة والإبداع والحكم ممكنة.
معًا، يتحدى ماركس وتشومسكي الوهم الليبرالي القائل إن البشر مجرد أفراد يصنعون أنفسهم بأنفسهم. لكنهما أيضًا الحتميّة الفجة. البنى تقيّد، لكنها لا تلغي دور الفاعلية البشرية. إنها تخلق المجال والبيئة التي تعمل داخله الفاعلية.
يرفض الاثنان التفسيرات المسطحة للحياة البشرية. لا نستطيع أن نفهم الحياة البشرية عبر أفراد معزولين. يتكون الانسان من البنى الفطرية والبيولوجية التوليدية في داخله ويعيش وتطور من خلال التناقضات الطبقيّة والمادية والتاريخية. إن الظواهر السطحية الظاهرة للجميع لا بد أنها قائمة على بنى أعمق.
البنيوية دون حتميّة أو جبرية
يبيّن كل من ماركس وتشومسكي، ومن منطلقين مختلفين، أن التفكير الجاد يجب أن يبدأ من البنيويّة. الحياة البشرية منظمة من خلال أنظمة أعمق كالعلاقات الاقتصادية والطبقية واللغة والطبيعة البشرية. لكن البنيويّة لا تعني الحتمية أو الجبريّة. البنيويّة هي شرط لفهم الحريّة فهمًا واقعيّا. إذا بالبنيويّة الناضجة تقول أن البشر يصنعون التاريخ والمعنى، لكنهم يفعلون ذلك داخل فضاءات بنيويّة تجعل الأمر ممكنًا في المقام الأول.
***
فضل فقيه – باحث
..........................
مراجع:
-Molyneux, J. The Point Is to Change It: An Introduction to Marxist Philosophy (Bookmarks, 2012).
-Chomsky, N. & Foucault, M. The Chomsky-Foucault Debate: On Human Nature (ed. Elders, F.) (The New Press, 2006).







