أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: أخلاقيات القلق الوجودي.. بين شرط الحرية والاضطراب النفسي

القلق الوجودي يشكل أحد أبرز محاور التفكير الفلسفي الحديث، إذ يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الإنسان وعلاقته بالعالم وموقعه الأخلاقي في الحياة. منذ فلسفة كيركغارد مرورا بالوجوديين أمثال سارتر وكامو، وصولا إلى التحليلات النفسية لفرويد، لم يكن القلق مجرد حالة شعورية عابرة، بل ظاهرة متصلة بالحرية وبالاختيار، وبمسؤولية الإنسان عن ذاته وعن العالم الذي يعيش فيه . وعند هذا الحدّ، يبرز التساؤل الأساسي: هل القلق علامة على مرض نفسي أو خلل في البنية الذاتية، أم أنه شرط ضروري لإمكان الحرية والوعي الأخلاقي؟.

كيركغارد في كتابه "الخوف والارتعاب"، قدم رؤية عميقة للقلق باعتباره تجربة أساسية للوجود الإنساني. القلق وفق هذا الفيلسوف الدنماركي ليس مجرد خوف من أحداث محددة أو تهديدات ملموسة، بل هو إحساس بالاحتمال، باللايقين، وبالمسافة بين الإمكان والواقع. الإنسان في مواجهة هذا الاحتمال يتعرض لحالة من التوتر الوجودي، لكنها ليست بالضرورة حالة مرضية؛ إنها بوابة للإدراك الذاتي وللتحرر من القوالب الجاهزة، بوابة تجعل الفرد واعيا بمسؤوليته وبخياراته وبالأفق الأخلاقي الذي يحدده لنفسه، إذ يظهر القلق كظاهرة أخلاقية قبل أن يكون حالة شعورية مرضية؛ فهو يضع الإنسان أمام نفسه وأمام قراراته وأمام الحرية التي لا يمكن التهرب منها.

سارتر الذي طور الفلسفة الوجودية الفرنسية، يربط بين القلق والحرية بشكل أكثر وضوحا. الحرية عند سارتر ليست مجرد القدرة على التصرف وفق الرغبات أو الرغبات الاجتماعية، بل هي محكّ متصل بالمسؤولية الوجودية، الإنسان "محكوم عليه بالحرية"، بمعنى أنه مضطر لتحمل العواقب الأخلاقية لاختياراته. القلق، هنا، هو الإشارة الدائمة إلى هذه الحرية، إلى الفراغ الذي يتركه عدم اليقين، وإلى اللايقين الأخلاقي الذي يفرضه الوجود. إنه شعور يصيب الفرد عند مواجهة إمكاناته اللامحدودة، عند إدراكه أن كل قرار يترك أثره في ذاته والآخرين. من هذا المنظور، القلق ليس مرضا يجب علاجه، بل أداة للتربية الأخلاقية، ووسيلة لتعميق الوعي الذاتي.

إن الجانب الطبي أو النفسي للقلق الذي ركز عليه فرويد وغيره من علماء النفس، ينظر إلى القلق بوصفه عرضا يحتاج للتخفيف أو العلاج. فرويد اعتبر القلق نتيجة لصراع داخلي بين الرغبات اللاواعية والقيود الواقعية المفروضة على الأنا، بحيث يظل الإنسان في حالة توتر مستمر. إلا أن التحليل الفلسفي يوسع نطاق النظر، فالقلق الوجودي ليس مجرد أعراض صراع داخلي، بل تجربة وجودية تسمح للفرد بأن يلتفت إلى ذاته وأن يعي حدود إمكاناته وأن يواجه مسؤولياته. بمعنى آخر، حتى لو كان القلق شعورا مؤلما، فإنه يمكن أن يكون شرطا لتحقيق الحرية الأخلاقية، شرطا لإدراك الإنسان أن وجوده ليس مسألة طبيعية تلقائية، بل تجربة تتطلب اختيارا واعيا ومواجهة مستمرة للذات.

ويمكن النظر أيضا إلى القلق على أنه اختبار أخلاقي قبل أن يكون شعوريا. الأخلاق هنا لا تعني مجرد الامتثال للقوانين أو الأعراف، بل وعيا بالاختيار وبالمسؤولية وبالتأثير الذي يمارسه الفرد على العالم والآخرين. القلق يجعل الإنسان يواجه نفسه بلا وسائط أو أعذار، ويجعله يعيد تقييم قراراته وأفعاله والقيم التي يعيش وفقها. وبناءً على ذلك، يصبح القلق أداة للاختبار الأخلاقي، أداة للفهم العميق للحرية، ولإدراك أن الحياة ليست مجرد تقليد للآخرين، بل خلق مستمر للذات وللعالم. كما يرى كامو في سياق فلسفته العبثية، أن التمرد على اللامعنى هو ما يمنح الحياة قيمتها. وهنا لا يظهر القلق فقط كتهديد للطمأنينة النفسية، بل كفرصة لخلق معنى يتجاوز العبثية الماثلة في العالم.

من ناحية تاريخية، شهدت المجتمعات الحديثة محاولات لتصنيف القلق كمرض نفسي أو اضطراب، خاصة في الطب النفسي العصري الذي ميّز بين القلق الطبيعي والقلق المرضي. القلق المرضي غالبا ما يظهر في شكل أعراض مستمرة من التوتر، الخوف، أو الوسواس، ويحتاج إلى تدخل علاجي. لكن القلق الوجودي حتى عندما يكون شديدا لا يمثل بالضرورة مرضا؛ إنه مؤشر على وعي الفرد باللامحدودية، على إدراكه لمحدودية تحكمه في الحياة، وعلى قدرته على مواجهة أسئلة المصير والاختيار. الفارق الجوهري هو في التفاعل مع القلق: المرضي يغرق الفرد في التكرار والهلع، أما الوجودي فيحث على إدراك الحرية وعلى التفكير الأخلاقي وعلى صقل الذات.

هذا التمييز يبرز بوضوح في النظرية الأخلاقية للوجوديين. الحرية الأخلاقية لا تتحقق إلا إذا كان الإنسان واعيا بالاختيار قادرا على مواجهة قلقه، واستخدامه كمرشد أخلاقي. والقلق من هذا المنظور، شرط للحرية وليس عائقا لها. إنه يشكّل النقطة التي يبدأ منها الفرد رحلة الصدق مع ذاته، ويصبح قادرا على اتخاذ قرارات تتجاوز الانقياد للروتين أو التقاليد أو الضغوط الاجتماعية. الإنسان الذي يتجاهل قلقه أو يحاول الهروب منه، يفقد جزءا من وعيه الأخلاقي، ويقصر قدرته على أن يكون فاعلا مسؤولا متحررا من قيود التكرار ومتصلا بمسؤوليته الذاتية.

التجربة المعاصرة للقلق تُظهر كذلك أن عالم اليوم، بتعقيداته الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، يضاعف من فرص مواجهة الإنسان للاضطراب الوجودي. سرعة المعلومات، التشتت، الفوضى الثقافية، والانشغال المستمر تجعل الإنسان يبحث عن الطمأنينة اللحظية، غالبا عبر الانغماس في العمل أو الترفيه، متجاهلا القلق العميق الذي يربطه بمعنى حياته وحرية قراراته. ويظهر الفرق بين القلق المرضي الذي يُكمّل بتجنب التفكير العميق والهروب من الذات، والقلق الأخلاقي الذي يفتح آفاق الوعي ويجعل الفرد قادرا على إعادة تقييم علاقته بالآخرين وبالعالم وبنفسه.

الفلسفة الوجودية إذن، تعلمنا أن القلق ليس مجرد شعور يجب التخلص منه، بل حقيقة إنسانية يجب مواجهتها واستثمارها كوسيلة لتحقيق الحرية والمسؤولية الأخلاقية.

كما أن القلق لا يقتصر على تجربة الفرد فحسب، بل يتجاوزها إلى البعد الاجتماعي. فالإنسان الذي يعيش قلقه بوعيٍ أخلاقي يغدو أكثر قدرة على ممارسة حريته في علاقةٍ واعية بالآخرين، وأكثر إدراكا لأثر قراراته في محيطه، وأشدّ استعدادا لتحمّل المسؤولية الاجتماعية. فالأخلاق لا تنحصر في الباطن الذاتي، بل تتجسّد في علاقة الإنسان بالعالم، وفي قدرته على الفعل بطريقة تعكس وعيه بالآخرين بقدر ما تعكس وعيه بذاته. وعليه، لا يكون القلق عامل انغلاق أو عزلة، بل أفقا لتعميق التفاعل الاجتماعي، وسلوكا أخلاقيا يجعل الحرية الفردية في تناغمٍ خلاق مع مسؤولياتها تجاه المجتمع.

الجانب الأدبي والفني للقلق يكشف أيضا عن بعد آخر من أبعاده الأخلاقية والوجودية. الأدب والفن غالبا ما ينبع من تجربة القلق، ليس بوصفه مرضا، بل كشرط للإبداع، كوسيلة لإعادة صياغة الوعي، وفهم الطبيعة العميقة للوجود. في الأدب الكلاسيكي والمعاصر، تظهر الشخصيات وهي تواجه حالة قلق عميقة، وتنتقل من حالة الخوف إلى حالة إدراك أعمق لحرية خياراتها، ولقدرتها على التأثير على العالم من حولها. هذا الانتقال يعكس ما يمكن تسميته بالتحول الأخلاقي: القلق، بدل أن يكون عائقا، يصبح محفزا للإبداع، للتفكير النقدي وللتصرف الأخلاقي الواعي.

تجربة القلق الوجودي تتداخل مع البعد الزمني للحياة الإنسانية. إنها تجربة مستمرة، لا تبدأ عند لحظة معينة ولا تنتهي بانتهاء حدث معين. القلق يرافق الإنسان في رحلة حياته، يشكّل جزءا من إدراكه للزمن، وللإمكانات المتاحة أمامه، ولحقيقة أن كل لحظة تحمل معها خيارات ومسؤوليات جديدة. الفلاسفة مثل هيجل يرون أن وعي الإنسان يتشكل في التفاعل مع العالم والآخر، والقلق هو مؤشر دائم على هذه العملية، إذ يدفع الفرد إلى إعادة النظر في قراراته ومراجعة مواقفه ومساءلة ذاته.

القلق حين يُفهم بوصفه تجربة وجودية وليس مجرد اضطراب شعوري، يظل مؤشرا على أن الإنسان لم يتخلى عن وعيه بالحرية، ولم يستسلم لجمود الروتين أو الطمأنينة الزائفة. إنه في جوهره اختبار أخلاقي دائم: هل أستسلم لما هو مفروض، أم أواجه اللايقين، وأصنع قراراتي بشكل واعٍ؟.

يصبح القلق بمثابة بوصلة داخلية، تشير إلى المسار الذي يقتضيه الوعي الأخلاقي، إلى حدود الحرية الممكنة وإلى إمكان الإنسان في أن يكون فاعلاً حقيقيا، لا مجرد متلقٍ سلبي للظروف والأحداث. حينها، يمكن فهم القلق كأداة للتمايز بين وجود أعمى وبين وجود واعٍ ومسؤول.

القلق ليس مجرد شعور مؤلم، بل هو حالة تأملية عميقة تتطلب من الإنسان أن يضع نفسه أمام مرايا الوجود. إنها تجربة تحدد العلاقة بين الفرد والآخرين والفرد والعالم، وبين الفرد وذاته الداخلية. فالقلق الوجودي كما يرى سارتر مرتبط بالحس الأخلاقي، لأنه ينبه الإنسان إلى المسؤولية اللامتناهية المرتبطة بالحرية: كل فعل وكل قرار وكل اختيار، يحمل أثره الخاص، ويترك بصمته في العالم وفي تجارب الآخرين. هذا البعد يجعل القلق أداة للفضيلة وأداة لإدراك حدود القدرة الشخصية، وأداة للارتقاء بالوعي الأخلاقي إلى مستوى أعلى من مجرد الامتثال الاجتماعي أو النفسي.

التفاعل مع القلق يتطلب معرفة دقيقة بالفرق بين القلق المرضي والقلق الأخلاقي. القلق المرضي يغرق الإنسان في الخوف والارتباك، ويقوده غالبا إلى الانسحاب أو التهرب من مواجهة الأسئلة العميقة. بينما القلق الأخلاقي الذي ينبع من إدراك الإنسان لحرية خياراته، يحوله إلى قوة دافعة نحو الفعل الواعي. الإنسان الذي يعي قلقه ويقبله كحقيقة وجودية، يصبح قادرا على اتخاذ قرارات صائبة، متسقة مع قيمه ومع فهمه للآخرين، وبالتالي يصبح القلق شرطا أساسيا للحرية الأخلاقية. إنه ليس ثقلا يجب التخلص منه، بل أداة لإعادة بناء الذات بشكل مستمر، ولتأطير القرارات ضمن وعي أخلاقي متجدد.

إن القلق يشكل مرآة تعكس التوازن الداخلي بين الحرية والمسؤولية. الإنسان القلق الذي يعيش تجربته بشكل واعٍ، ليس عالة على المجتمع، ولا عبئا على نفسه، بل يتحول إلى كيان مسؤول قادر على التأثير في محيطه بإيجابية. إن فهم القلق بهذه الطريقة يربطه مباشرة بالبعد الاجتماعي للأخلاق؛ فالقلق الذي يتم التعامل معه بشكل واعٍ يؤدي إلى اتخاذ قرارات تراعي الآخرين وتدرك الأثر المتبادل بين الذات والبيئة وبين الفرد والمجتمع. ويمتد تأثير القلق من المجال الفردي إلى البعد الجماعي، مؤكداً أن الأخلاق والحرية مترابطتان، وأن القلق هو القاعدة التي تجعل هذا الترابط ممكنا.

علاوة على ذلك، يفتح القلق أفقا جديدا للفكر الإبداعي، سواء في الأدب أو الفلسفة أو الفن. فالتاريخ الإنساني مليء بالشواهد على أن التجربة القلقة، حين تُستثمر بشكل واعٍ، تتحول إلى مصدر للإبداع والتأمل العميق. من شكسبير إلى كامو، ومن كيركغارد إلى سارتر، نرى أن القلق كان أداة لإعادة صياغة الوعي وكشف اللامعنى، وإيجاد طرق جديدة للتعبير عن الحرية. الفن والأدب هنا لا يمثلان هروبا من القلق، بل وسيلة لاستثماره، وتحويله إلى فهم أعمق للوجود، وإلى قوة دافعة للفعل الأخلاقي، وإلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم.

إن القلق الوجودي يشكل تحديا مضاعفا. لأننا نعيش في عالم سريع، معقد، متشابك، مليء بالمعلومات والاختيارات والفرص التي تبدو لانهائية. هذا الواقع يزيد من إحساس الإنسان باللايقين، ويعزز تجربة القلق، لكنه في الوقت نفسه يوفر فرصا جديدة للحرية الأخلاقية. الإنسان المعاصر الذي يعي قلقه ويستثمره في إعادة تقييم حياته وفي مواجهة المعضلات الأخلاقية، وفي صياغة قراراته بناءً على وعي حقيقي، يحقق بذلك نوعا من الحرية الفعلية، ويؤسس لوعي أخلاقي مستمر، يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويتفاعل مع تحديات الواقع بطريقة أكثر عمقا ومسؤولية.

القلق بهذا الشكل يصبح شرطا أساسيا للحرية، إذ لا يمكن لأي وعي أخلاقي كامل أن ينشأ من طمأنينة مطلقة أو غياب للاختبارات الصعبة. الحرية كما يوضح سارتر، لا تتجسد إلا عندما يواجه الإنسان خياراته، عندما يدرك حجم المسؤولية وعندما يشعر بوزن وجوده في العالم. القلق إذن، ليس فقط اختبارا للذات، بل هو مقياس لعمق وصدق الحياة الأخلاقية. كلما ازداد الإنسان وعيا بقلقه، كلما أصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة وعلى مواجهة العبثية، وعلى إنشاء معنى وجوده بطريقة واعية ومتجددة.

الأخلاق المرتبطة بالقلق لا تقتصر على الفرد وحده، بل تمتد لتشمل الآخرين والمجتمع. الإنسان الذي يواجه قلقه بوعي يصبح أكثر قدرة على التعاطف والتفاهم، وعلى اتخاذ خيارات تراعي تأثير أفعاله على الآخرين. القلق في هذا الإطار، ليس شعورا فرديا محصورا في الذات، بل حالة أخلاقية تؤثر على العلاقات الاجتماعية، وتفرض على الإنسان التفكير في أثر قراراته على محيطه، وعلى العلاقات المتبادلة بينه وبين الآخرين. إنه تذكير دائم بأن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا بالمسؤولية، وأن الأخلاق تتشكل من خلال التفاعل الواعي بين الفرد والآخرين.

في مستواه الأعمق، يضع القلق الوجودي الإنسان أمام ضرورة التأمل المستمر في معنى الحياة وفي طبيعة وجوده، وفي حدود إمكاناته. إنه اختبار دائم للوعي وحافز على تعميق الفهم الذاتي، ومصدر لتحفيز التفكير النقدي. فالإنسان الذي يتجاهل قلقه يفقد جزءا من وعيه الأخلاقي، ويغدو أسيرا للروتين أو للتقاليد أو للتلقين الاجتماعي؛ بينما الإنسان الذي يعي هذا القلق ويستثمره يتحول إلى كائن قادر على تحرير ذاته وعلى تحقيق إمكاناته، وعلى صياغة حياته وفق فهم عميق للحرية والمسؤولية.

وبناء على ما سبق، يمكننا أن نخلص إلى أن القلق على الرغم من أنه شعور مؤلم أحيانا، هو شرط ضروري للحرية الأخلاقية ووسيلة للوعي بالذات، وأداة لفهم معنى الحياة في ضوء إمكاناتها ومحدوديتها. إنه ليس مرضا بالمعنى الكامل، ولا خللاً يجب علاجه، بل هو تجربة وجودية أساسية، تجعل الإنسان أكثر قدرة على اتخاذ قرارات صائبة، وأكثر استعدادا لتحمل مسؤولياته، وأكثر وعيا بالأثر الذي يتركه في العالم وفي حياة الآخرين. القلق هنا يتحول إلى معلم ومرشد، وإلى شرط للارتقاء بالوعي الأخلاقي، لا مجرد شعور نفسي يجب التخلص منه.

يصبح القلق الوجودي جسرا بين الإمكان والواقع والفرد والمجتمع وبين الحرية والمسؤولية. إنه يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والعالم، ويؤكد أن كل تجربة للقلق هي فرصة للتفكير وللتأمل وللتحرر من الانقياد الأعمى. القلق إذن، ليس مجرد حالة شعورية ولا مرضا نفسيا يجب التخلص منه، بل شرط أساسي للحرية الأخلاقية، ووسيلة لتحقيق إدراك أعمق للذات وللعالم، وتجربة مركزية تجعل من الإنسان كيانا واعيا مسؤولا ومتصالحا مع حقيقة وجوده.

إن القلق هو أداة الأخلاق في أرقى صورها، وهو شرط الحرية في أصدق تجلياتها. إنه مؤشر على أن الإنسان ما زال واعيا، ما زال يواجه إمكاناته وما زال يتحمل مسؤولياته، وأنه قادر على خلق معنى لحياته في عالم غير مضمون، وفي مواجهة أسئلة مستمرة حول الحرية والاختيار والمسؤولية والوجود. القلق في جوهره، هو علامة على حضور الذات، وعلى وعي الإنسان بالحرية، وعلى إمكانية تحقيق الأخلاق في أعمق مستوياتها، وهو بذلك ليس عائقا، بل بوابة لتجربة الإنسان الأكثر أصالة وصدقا.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم