عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: الأعمال الرئيسية الخمسة في فلسفة الذهن؟

تطرح فلسفة الذهن أسئلة تلامس حياتنا جميعا: ما هو الوعي؟ كيف ترتبط افكارنا ومشاعرنا بأجسامنا؟ هل يمكن للماكنة ان تفكر او تشعر؟

ان فلسفة الذهن لم تنشأ من فراغ. انها نمت من التقدم الطبيعي: تحويل العدسة الفلسفية الى المفكرين أنفسهم. بعد قرون من التأمل في طبيعة الواقع، والمعرفة والأخلاق، بدأ الفلاسفة يسألون: ماذا عن الذهن الذي يقوم بالتأمل؟ كيف يندمج هذا المفهوم في العالم الذي يسعى لفهمه؟ هذا التحول مثّل مولد أحد أهم حقول الفلسفة الأكثر اثارة واستمرارية. في هذا المقال سوف نغطي أهم خمسة كتب في فلسفة الذهن. اختيار الكتب تم على أساس دورها التاريخي، والتجديد الذي أدخلته على فلسفة الذهن، وملائمتها لمنْ هم خارج الحلقات الاكاديمية.

ارسطو، حول الروح (De Anima) 350 ق.م

يُعد عمل ارسطو حول الروح De Anima من أقدم الاعمال وأهمها في فلسفة الذهن. في الكتاب، يستطلع ارسطو طبيعة الروح (اُطلق عليها اسم psyche في اليونان القديمة) التي هو يفهمها كمبدأ للحياة في الكائنات الحية. يرى ارسطو ان الروح ليست شيئا منفصلا وغير مادي (كما تصورها لاحقا ديكارت) وانما هي شكل او تنظيم للجسم الحي. وهكذا، يرى ارسطو ان الذهن والجسم ليسا متشابهان وانما يمثلان جانبين لنفس العملة، لأن الجسد مسكون بالروح بينما الروح متجسدة. ارسطو يميز أيضا بين مختلف أنواع الروح: الروح المغذية (مسؤولة عن النمو والتكاثر)، الروح الحساسة (مسؤولة عن التصور والحركة)، والروح العاقلة (خاصة بالإنسان ومسؤولة عن التفكير والاستدلال). بهذه الطريقة، جرى تغطية جميع وظائف الاجسام الحية فيما يتعلق بتعقيديتها الهيكلية. من المثير للاهتمام ان ارسطو لا يعتقد ان العالم الذهني لأفكارنا مختلف عن أي وظيفة حيوية أخرى تتطلب إدراكا ماديا. بكلمة أخرى، البحث في والفهم لهذه الوظائف الحيوية لكل الكائنات الحية سوف يزودنا بوسائل لفهم عمل ذهننا. نحن لا نشغل مكانا خاصا في الطبيعة رغم امتلاكنا قدرة الانسان الفريدة في التفكير.

كتاب ارسطو حول الروح كان له تأثيرا عميقا على فلسفة الذهن، خاصة في تأكيده على وحدة الذهني والجسدي. أفكاره أثّرت على نطاق واسع من المفكرين، من فلاسفة القرون الوسطى كتوما الاكويني الى المؤيدين المعاصرين للوظيفية والادراك المجسد.

2- جلبرت رايل Gilbert Ryle، مفهوم الذهن (1949)

اذا كان عمل ارسطو في الروح وضع الأساس لفهم علاقة الجسم-الذهن، فان جلبرت رايل في مفهوم الذهن المنشور عام 1949، جسّد تحولا دراماتيكيا في القرن العشرين. رايل، الشخصية الرائدة في الفكر التحليلي، سعى الى تفكيك ما اسماه "عقيدة الشبح في الماكنة": الفكرة الديكارتية للذهن كوجود اسطوري غير مادي متميز عن الجسد.

اتجاه رايل في فلسفة الذهن عادة يُطلق عليه السلوكية المنطقية. بدأت السلوكية في علم النفس مع افتراض ان سلوك الافراد فقط يمكن اختباره، ولذلك، فان هذا فقط هو الظاهرة الموضوعية الملائمة لعلم النفس، متخيلة كعلم صارم. السلوكية المنطقية تتبع نفس النزعة، حتى في المجال المفاهيمي.

لهذا يجادل رايل ان الحالات الذهنية ليست ظاهرة داخلية مختبئة وانما هي تتجلى في سلوك مشاهد، يتجسد عبر عدة تعبيرات للغتنا العادية. فمثلا، لكي نقول ان شخصا ما ذكي ليس المقصود افتراض وجود شيء داخلي وانما لنصف قدرته على أداء مهمات معينة بفاعلية. فقط عبر مشاهدة شخص ما يعرض سرعة ذهنية يمكننا استنتاج ان شخص ما هو ذكي .

احدى مساهمات رايل الهامة في "مفهوم الذهن" هي نقده لخطأ التصنيف. الأخطاء التي تبرز من الخلط بين أنواع مختلفة من المفاهيم. هو يوضح هذا بمثال عن زائر بعد ان شاهد جميع البنايات والاقسام في الجامعة، يسأل، "لكن اين الجامعة؟" الخطأ يكمن في التعامل مع الجامعة كوجود منفصل بدلا من فهمها كمنظمة من مجموع أجزائها. نقطة رايل الرئيسية هي ان الثنائيات تعمل نفس النوع من الخطأ عند التعامل مع الذهن كوجود منفصل عن النماذج السلوكية.

باختصار، عمل رايل كان له تأثيرا مستمرا على فلسفة الذهن، خاصة من خلال رفضه للثنائية الديكارتية وتأكيده على اللغة العادية والتحليل المفاهيمي. وبينما اتجاهه السلوكي جرى تحدّيه من جانب المؤلفين اللاحقين في الفلسفة وعلم النفس، فان "مفهوم الذهن" يبقى نصا تاريخيا بدون أي حواشي على الاطلاق.

3- توماس ناجل، الرؤية من لامكان (1986)

كتاب ناجل الرؤية من لا مكان هو استطلاع عميق للتوتر بين المنظورات الذاتية والموضوعية. في هذه المجموعة من المقالات، يجادل ناجل ان الكائن البشري هو قادر بامتياز على تبنّي رؤيتين متميزتين: الذاتية، وهي متجذرة في التجارب الشخصية والمنظورات، والموضوعية، والتي تسعى لتحويل هذه المنظورات الفردية للوصول الى فهم أكثر عالمية.

هذا التوتر هو بالذات واضح في فلسفة الذهن. فمثلا، الوعي هو ذاتي فطريا: انه شيء ما نمارسه من "الداخل". مع ذلك، عندما نحاول دراسة الذهن موضوعيا، باعتبار ان العلماء والفلاسفة مفتونون بالمادية، سنخاطر بفقدان ملامح هذا البعد الذاتي. ناجل يلتقط هذا التحدي في مقاله "كيف سيكون شعور الخفاش؟" الذي نُشر في الأصل عام 1974 واعيدت طباعته في "رؤية من لا مكان". في هذا المقال، هو يجادل ان هناك شيء يشبه خفاش لايمكن استيعابه كليا بحقائق علمية. نحن ربما نجمع كل الدليل العلمي حول الطريقة التي تعمل بها الأجهزة الحسية للخفاش، لكن لانزال نفتقر الى فهم ما هية هذه التجربة الحسية.

في رؤية من لا مكان، يمدد ناجل هذه الرؤية الى نطاق واسع من القضايا الفلسفية بما في ذلك المعرفة، الحرية والأخلاق. عمله كان مؤثرا في تحديد النقاشات المعاصرة حول الوعي وحدود التوضيح العلمي. عبر التأكيد على عدم اختزالية التجربة الذاتية، يتحدانا ناجل لنعيد التفكير في فهمنا للذهن ومكانه في العالم، بالإضافة الى حدود المعرفة العلمية.

4- ديفد تشالمر، الذهن الواعي: في البحث عن نظرية أساسية (1996)

كتاب الذهن الواعي لديفد تشالمر، واحد من بين أهم الاعمال المعاصرة في فلسفة الذهن. انه يرتكز الى مدى معين على رسالته في الدكتوراه عام 1993 تحت اشراف عالِم الكومبيوتر والادراك الشهير دوغلاس هوفستاتر. في كتابه، يُدخل تشالمر التمييز المشهور بين مشكلة الوعي الصعبة والسهلة. المشاكل السهلة تستلزم توضيح وظائف الادراك مثل التصور، الذاكرة، التعلم، من حيث الآليات العصبية . بالمقابل، المشكلة الصعبة هي تحدّي توضيح لماذا وكيف تؤدي هذه العمليات الى تجربة ذاتية، لماذا يوجد "شيء يشبه " ان يكون كائنا واعيا.

تشالمر يجادل ان المشكلة الصعبة لا يمكن حلها بالمادية الاختزالية، وهي الرؤية بان الوعي يمكن توضيحه بالكامل من حيث علاقته بالعمليات المادية، أي، يمكن وصفه بالعلم. بدلا من ذلك، هو يفترض شكلا جديدا من الثنائية، الثنائية الطبيعية التي تفترض ان الوعي هو خاصية جوهرية للكون، مشابه للمكان والزمان والكتلة. بكلمة أخرى، الوعي متميز انطولوجيا ولايمكن اختزاله لأنظمة مادية، انه بالأساس حقيقة الحياة.

لدعم هذا، يستخدم تشالمر تجربة فكرية تستلزم إمكانية وجود كائن فلسفي مشابه ماديا للإنسان لكنه يفتقر للوعي.(1)

عمل تشالمر أشعل نقاشا مكثفا وحفز بحثا ثريا في الفلسفة وعلم الادراك وعلم الاعصاب. ومع ان بعض أفكاره لاتزال مثيرة للجدل، فهي أعادت وبشكل جذري صياغة الطريقة التي نفكر بها حول الوعي ومكانه في الطبيعة.

5- دانيال دانيت، توضيح الوعي (1991)

كتاب توضيح الوعي لدانيال دينيت هو محاولة جريئة لإزالة الغموض في الوعي. دانيت المادي القوي يجادل بان الوعي ليس ظاهرة واحدة موحدة وانما مجموعة من العمليات يمكن توضيحها من حيث علاقتها بوظائف الدماغ. هو مثل رايل، أيضا يرفض فكرة "المسرح الديكارتي"، المكان المركزي في الدماغ حيث تجربة الوعي تأتي مجتمعة، وبدلا من ذلك يفترض نموذجا للوعي كـ "عملية متعددة الصيغ"، فيها تتنافس مختلف الاحداث العصبية للهيمنة.

اتجاه دينيت متعدد الموضوعات، يعتمد على رؤى من علم النفس وعلم الاعصاب وبحوث الذكاء الصناعي. هو يتحدى عدة افتراضات بديهية لدينا حول الوعي، مثل فكرة اننا نمتلك وصول مباشر لأفكارنا او ان هناك حدود واضحة بين الوعي واللاوعي.

وبينما جرى انتقاد رؤى دانيت لتقليله من شأن المظاهر الذاتية للوعي، لكن عمله كان مؤثرا جدا في تحديد النقاشات المعاصرة. توضيح الوعي هو شهادة لقوة الفلسفة العلمية الصارمة والمبلغة تجريبيا التي تذهب وراء التحليل المفاهيمي.

***

حاتم حميد محسن

...........................

الهوامش

(1) هذا السيناريو الافتراضي لكائنات مطابقة ذرة بذرة للبشر الواعين، أي انهم يشتركون بالضبط بنفس البناء المادي، حالات الدماغ، السلوكيات الخارجية. لكن رغم هذا، هم يفتقرون تماما لتجربة الوعي الذاتي. الفيلسوف تشالمر كان يهدف لمواجهة المادية – العقيدة بان الذهن وجميع الخبرات الواعية يمكن توضيحها كليا بواسطة المادة الفيزيقية. يقوم تشالمر بتقسيم حجته الفكرية الى تسلسل منطقي صمم لكشف عيوب ونواقص التوضيح المادي للذهن:

1- إمكانية التصور: من المتصور منطقيا ان نتخيل عالما مشابها لنا في جميع الطرق المادية والسلوكية، لكنه فارغ تماما من الوعي.

الامكانية: اذا كنا نستطيع منطقيا تصور هكذا عالم افتراضي، معنى ذلك انه يجب ان يكون ممكنا ميتافيزيقيا.

3- الاستنتاج المضاد للمادية: اذا كان توأمان متشابهان يستطيعان الوجود بدون أي تجربة واعية، عندئذ سوف لن يكون الوعي عملية مادية، لذلك فان المادية يجب ان تكون زائفة. تجربة تشالمر الافتراضية تبقى من أشهر الأدوات المستخدمة للدفاع عن الثنائية (فكرة ان الذهن والجسم منفصلان). 

في المثقف اليوم