أقلام فكرية
حاتم حميد محسن: الخط الفاصل ومستويات الواقع في ميتافيزيقا افلاطون
ان جزءا من عبقرية افلاطون يكمن في مقدرته على جذب المتعلمين في كل مرحلة من مراحل التحقيق الفلسفي. هو يضع عروضا توضيحية واضحة للمبتدئين، بينما يكتب بطريقة غير مباشرة لكي يعقّد هذا الوضوح لاولئك الذين بدأوا سلفا هذه الطريقة من التفكير. الخط الفاصل The divided line هو احد الأمثلة على ذلك. هو الثاني من بين ثلاث مقارنات (مقارنة الشمس، الخط الفاصل، ومقارنة الكهف) حيث يضع الأساس لميتافيزيقاه: الواقع بأكمله ينبثق من أشكال أصلها الاول الخير.
الشمس والخير: المرئي والمفهوم
ما هو الخير؟ انه سؤال تصعب الإجابة عليه، لكن من مقارنة افلاطون الأولى في الشمس، حصلنا على بعض الرؤى. كما ان الشمس سبب الضوء والرؤية، كذلك الخير هو سبب المعرفة والحقيقة (افلاطون، 1961,508e-509a). بسبب هذا، لا يمكن تعريف الخير بالكامل بواسطة اللغة والصور. هذا العجز عن الوصف هو سبب تردد سقراط في إعطاء وصف إيجابي (افلاطون،1961,506e). وبعد ان يتوسل جلوكون ان لا يغفل أي شيء، يعترف سقراط في انه يجب ان يُسقط الكثير لكنه سيحاول ذلك. نحن دُعينا لرسم خط ثم نشطره الى أجزاء غير متساوية. هذه تمثل العالم المرئي (horaton) الذي توفره الشمس، والعالم المفهوم noeton الذي يوفره الخير. كذلك طُلب الينا ان نشطر هذه الأقسام مرة أخرى وبنفس النسبة. هذا يعطي أربعة اقسام يمكننا الإشارة لها بـ A,B,C,D . قيل لنا أيضا ان طول كل قسم هو في تناسب مع درجة الوضوح فيه (افلاطون1961,509e). هناك عدة طرق لتمثيل الخط اعتمادا على التفسير. نحن يمكننا ان ننتقد افلاطون لكونه غير واضح كثيرا، لكن كما سنرى، هناك ربما نية خلف هذه الصعوبة. بعد فحص كل قسم، سوف نرى مسارا هرميا يكشف عن ذاته، يقود الروح من الغموض في احدى النهايات الى اكثر وضوحا في النهاية الأخرى. نحن نصعد من أبعد الأعماق المظلمة للعالم المرئي الى أعلى العالم المفهوم باتجاه الخير الذي يكمن خارج الوجود (افلاطون،1961,509b).
القسم A: التخمين Eikasia
القسم A هو أدنى قسم في هرم افلاطون، وأبعد ما يكون عن الخير. انه مأهول برموز العالم المادي. الفرق بين الرمز والأصلي هو انه يفتقر لمظاهر الأصلي. هذا يفسر لماذا سقراط يؤكد على ان هذه الرموز هي ظلال أولاً ثم انعكاسات للاشياء المادية. الظلال تفتقر الى اللون والتفاصيل، بينما هذه الصفات هي حاضرة في الانعكاسات. مع زيادة الوضوح والتعريف، هناك زيادة في المطابقة في درجة الواقع. من المهم التأمل بماهية الكينونات بجانب الظلال والانعكاسات التي ربما اشير اليها عندما أضاف سقراط "وكل شيء من ذلك النوع" (افلاطون،1961,509e). من هذه الإضافة، يمكننا ان نأخذ افلاطون ليعني عدة أشكال فنية مثل الشعر والرسم والبلاغة.
ان الطبيعة الميتافيزيقية لكل قسم من الخط لها حالة مطابقة في الروح. بالنسبة لقسم A، استُعملت الكلمة اليونانية eikasia. انها تُرجمت من جانب بول شوري Paul Shorey كـ تخمين، (افلاطون، 1961,511e). هنا، نحن نقبل الصور بدون الاعتراف بها كصور. بالنهاية، نحن قد يصدمنا نقص العمق في الصورة، والذي يقودنا الى القسم القادم للبحث عن أصول هذه الصور.
قسم B: العقيدة pistis
أشياء القسم B تتضمن كل العالم المادي: النباتات، الحيوانات، والاشياء التي صنعها الانسان. أشياء القسم A كانت ظلالا وانعكاسات لهذه الأشياء. هذا القسم، وبحيازته لوضوح اكبر، هو الأطول بين الاثنين في العالم المرئي. وبعد ملاحظة عدم كفاية الصور، نحن ننجذب نحو الشيء الأصلي. نحن الان نأخذه كواقعي ونعترف بالسابق كصورة. نحن غُمرنا بالعديد من الصفات التي لم نكن نمتلكها من قبل، واقتنعنا بملموسيتها. ان الحالة العاطفية في الروح تتمثل بالكلمة pistis. شوري يترجمها كعقيدة. مثل eikasia، نحن لم نقم بعد بالتحقيق في طبيعة الشيء، لكن ثقتنا ازدادت بواقعه (Nettleship,1898,p.247)(1)
هذا ربما تجسّد أفضل تجسيد من خلال تحقيق سقراط في معرفة الرجال الحرفيين في الابولوجي (افلاطون 1961,22d). هو وجدهم بالفعل يحوزون على فهم عملي، لكن، ثقتهم في هذا المجال قادتهم للاعتقاد انهم أيضا عرفوا كل شيء خارج مجال عملهم. وعندما يستجوبهم سقراط، ينكشف النقص في فهمهم بنفس الطريقة التي تفتقر بها الصورة الى صفات الشيء. ومع ان رد فعل الحرفيين كان عدائيا جدا، فان هذا النقص في الفهم قد يحفز باقي الناس للبحث عن فهم أعمق من كل من التخمين والعقيدة.
قسم C: الفهم Dianoia
عندما نبدأ بالقسم المفهوم، التغيير المُلاحظ هو اننا لم نعد نحصل على أشياء. بدلا من ذلك، يجري التأكيد على تكوين الروح وتوجهاتها. الصورة في A تقلّد الشيء المادي في B، والان نحن نتعامل مع نفس الشيء المادي ذلك كصورة (شيء يفتقر لصفات الواقع)، مقلّدين شيئا غير مرئي ولكن مفهوم. كيف نتحقق من ان المفهوم يقرر ما اذا كانت الروح هي في القسم C ام في القسم D. اذا استخدمنا افتراضات تعسفية مسبقة وصور للمضي قدما الى استنتاج، عندئذ نحن في C. واذا استخدمنا افتراضات مسبقة للعمل نحو المبدأ الأول (انظر القسم القادم) ولم نستخدم الصور، عندئذ نحن في D (افلاطون،1961,510b).
هذين القسمين الأخيرين هما أرضية لنقاش اكاديمي مكثف. كلاجون ذاته ملتبس، وسقراط يقدم مثال الهندسة (افلاطون،1961,510c-d). في عناصر اقليدس، نحن امام بديهيات: اقوال واضحة بذاتها تؤخذ مجتمعة لتشكل فرضيات. هنا، نحن لا نقوم بتحقيق في (نقطة) او (خط) وانما نفترض انها معروفة ونسير قدما الى استنتاج من هناك. افلاطون يسمي هذه الحالة من الروح بـ "dianoia" او الفهم. انها قد تتعامل مع العالم المرئي كـ صورة للتحقق من المفهوم، لكنها لاتزال تتطلب رؤية لعرضه. الهندسي يستخدم اشكالا وخطوط بيانية لتوضيح استنتاجاته. ومع ان الهندسة هي العلم الوحيد الذي ذُكر بالاسم، لكن لا سبب لتقييد هذا القسم بها وحدها، كما يشير سقراط (افلاطون، 1961,510c). الحساب يستخدم "الزوجي" و "الأحادي"، البايولوجي يستخدم "الأنواع" او "الجين"، الفيزياء تستخدم "الزمكان"، علم النفس يستخدم "الذهن"، الفلسفة "الاخلاق"، الجماليات، "الجمال". أي طريقة من التفكير تسير من افتراضات عشوائية مسبقة نزولا الى استنتاج محدد ستكفي.
قسم D: التفكير (الفعل الواعي) Noesis
القسم النهائي من الخط الفاصل هو الأكثر تجريدا على الاطلاق، والأصعب على الفهم. انه يعرض طريقة للتفكير تستخدم العقل وحده للوصول الى المبدأ الأول: أساس جميع الافتراضات المسبقة. هذا التحقيق يتم من خلال منطق اخترعه افلاطون يسمى ديالكتيك. طبيعة الديالكتيك لا يمكن استكشافها بالكامل هنا، لكننا سوف نوضحها من حيث ارتباطها بالخط الفاصل.
يصف سقراط الديالكتيك عندما يتعامل مع الافتراضات المسبقة ليس كبديهية واضحة بذاتها كما في اقليدس، وانما كفرضيات (افلاطون،1961,511c). يستخدم افلاطون الفرضية حرفيا، في شيء نضعه تحت انفسنا لكي نصل الى المبدأ الأول. نحن لا نفترض أشياء مثل القطر او العدالة للوصول الى استنتاج، وانما النظر صعودا نحو أساس لكل هذه الاشكال. انها فعالية شمولية تهدف نحو وحدة كل المعرفة. فقط بعد استيعاب هذا المبدأ الأول نستطيع عندئذ التقدم لإعادة فحص تلك الافتراضات والوصول الى استنتاج. ان تكوين الروح المرتبط بهذا الجزء من الخط يسمى noesis او المعرفة، والذي يُترجم حالا كذكاء او عقل.
إمكانية المعرفة
هذا الجزء الأخير من الخط يشكل عبئاً كبيرا علينا: يكفي للاستفسار عن امكانيته. للإجابة على هذا، نحن ننظر في الخط الفاصل ذاته. ألم يكن صورة أيضا؟ نعم وكلا، في حوار مينو، سقراط يثبت صحة بيانه عبر رسم شكل بياني في الرمل. لماذا هو لا يقوم بهذا هنا؟ ربما ان افلاطون يريد القارئ يتقدم من خلال العقل بأكبر ما يمكن. وهكذا، انت يجب ان تأخذ كل من الشكل البياني أعلاه وأي أشكال بيانية أخرى للخط الفاصل بحبة من الملح.
هناك أيضا بعض التناقضات في وصفه للخط. برومبو يذهب بعيدا في القول: "اذا أخذنا قول افلاطون بشأن ذلك بأي معنى طبيعي، فان الشكل الذي يصفه لا يمكن بناؤه بأي حال من الأحوال (2).
اذا كان هناك مبدأ اول، كل شيء يُرتّب طبقا له، وهناك وحدة لكل الأنواع المختلفة للمعرفة. هناك شكل هادف للكون. بالنسبة لافلاطون، المبدأ الأول هو ما يسميه الخير. بطريقة ما، المعرفة ليست "ممكنة" بمعنى "وجود تام". لأن الخير خارج الوجود، وعمل المعرفة لايمكن استكماله. وبصرف النظر، نحن يمكننا الكفاح نحو الخير قدر الإمكان، ناقلين المهمة لمن يأتون بعدنا.
***
حاتم حميد محسن
.........................
الهوامش
(1) Nettleship,R.L,&Benson,G.R(1998). محاضرات حول جمهورية افلاطون،مراجعة G.R.Benson
(2) Brumbaugh,R.S.(1952) الخط الفاصل لإفلاطون. مراجعة الميتافيزيقا،5(4),529-534.







