عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: التوتر بين النسق والانفتاح

حدود التفكير البنيوي في الفلسفة المعاصرة

تُعَد إشكالية التوتر بين طموح النسق إلى الامتلاء وضرورة الانفتاح على الخارج من أكثر الإشكاليات إلحاحاً في الفلسفة المعاصرة، ذلك أن التفكير البنيوي منذ انبثاقه في اللسانيات السوسيرية ثم امتداده إلى الأنثروبولوجيا والنقد الأدبي والتحليل النفسي لم يكف عن المناورة بين رغبتين متعارضتين: الرغبة في بناء شبكة مفاهيمية قادرة على تفسير الظواهر انطلاقاً من علاقات داخلية متوازنة والرغبة في البقاء ملامساً لكثافة الواقع وتدفق الزمن وفرادى الأحداث. وإذ كان فرديناند دو سوسير قد أسس مفهوم اللغة كنظام من الاختلافات الخالصة حيث لا إيجابيات إلا بالعلاقة، فإن هذا التأسيس نفسه أفضى إلى معضلة كبرى، وإذا كانت كل هوية لغوية مشروطة بغيرها فأين يمكن للنسق أن يجد نقطة ارتكاز خارج نفسه؟ وإذا كان كل معنى يتحدد سلبياً بالاختلاف فكيف يمكن للكلام الحي أن يشير إلى عالم خارجي دون أن يختزل إلى مجرد لعبة دالات؟

هذه المعضلة التي ظلت كامنة في جذور البنيوية تفجرت مع موجات ما بعد البنيوية حين أظهر مفكرون مثل جاك دريدا وميشال فوكو وجيل دولوز أن الحدود التي ترسمها البنية ليست حواجز طبيعية بقدر ما هي عوارض تاريخية وتمثلات سلطوية تخفي مركزاً غائباً أو إقصاءً مؤسساً. فإذا كان كل نسق يحتاج إلى مؤسس لكي يقوم فإن هذا المؤسس لا يمكن أن يكون داخل النسق دون أن يحيل إلى تسلسل لا نهائي ولا يمكن أن يكون خارجه دون أن يتحول إلى ميتافيزيقا غيبيّة تعيد إنتاج ما كانت البنيوية قد حاولت تجاوزه أي "حضور" متعال يضمن النظام. ومن هنا ينشأ سؤال جوهري يهز أركان المشروع البنيوي برمته، هل يمكن لفلسفة أن تقوم على نسق مغلق دون أن تغتال الحياة والزمن والتاريخ؟ وهل يمكن لها بالمقابل أن تنفتح كلية على السيولة دون أن تذوب في لا شكلية لا تحتمل؟

هذه التوطئة ترمي إلى وضع حدود السؤال الذي سيتناوله المقال بالتفصيل مركزاً على الكيفية التي واجهت بها الفلسفة المعاصرة هذا التوتر بين النسق والانفتاح وعلى البدائل التي اقترحتها للخروج من المأزق الثنائي. وسنحلل في ثنايا المقال كيف حاولت البنيوية بتياراتها المختلفة الإمساك بالعالم من خلال أنساق أفقية شاملة ثم كيف انقلب هذا الطموح على نفسه مكشفاً عن آلياته القمعية وحدوده البنيوية. وسنناقش أيضاً محاولات تجاوز هذا التوتر عبر مفاهيم مثل الاختلاف والتفكيك والريزوم معرجين على طروحات الفلاسفة والمفكرين الذين عايشوا هذه الإشكالية بأبعادها الابستمولوجية والوجودية والسياسية. والغاية ليست الحسم لمذهب على حساب مذهب بل استكناه طبيعة التوتر نفسه بصفته شرطاً للتفكير الحي وإظهار أن الفلسفة حين تدرك حدود أنساقها تكون عندئذ فقط قادرة على أن تظل مخلصة لرسالتها الأولى وهي التساؤل بلا هوادة.

حين تُفتح أبواب الفلسفة على سطوح النسق المتراص وتُغلق في الوقت نفسه على أزقة الانفتاح المتشعبة، نجد أنفسنا أمام توتر أصيل لا محيد عنه: توتر بين رغبة النسق في الامتلاء والانغلاق وبين نداء الانفتاح الذي لا يكف عن تذكير التفكير بحدوده الجوهرية. هذا التوتر في صميم المشروع البنيوي المعاصر ليس مجرد إشكالية عابرة أو أزمة منهجية قابلة للحل بل هو شرط وجود الفلسفة نفسها، ذلك أن التفكير البنيوي في طموحه إلى صوغ شبكة مفاهيمية قادرة على استيعاب الكل يصطدم دائماً بذلك الباقي الفائض الخارج عن النظام بما هو ثغرة في النسيج المنطقي للبنية. وإذا كان فرناندو دي سوسير قد أرسى قواعد اللسانيات البنيوية على مبدأ "اللغة نظام من الاختلافات الخالصة" فإن هذا النظام على بديع تماسكه الداخلي يظل مفتقراً إلى أي إيجابية جوهرية أي إلى تلك اللحظة الحيَّة التي تمنح الكلمات دفئها الوجودي خارج شبكة العلاقات الشكلية. وينشأ هنا السؤال المحرج هل يمكن للبنية أي بنية أن تمسك بنفسها دون أن تترك بقيةً ما دون أن تخون شيئاً من كثافة الواقع؟

إن الفلسفة البنيوية في ذروة عنفوانها كانت حلماً قديماً متجدِّداً، حلم الرياضيات الكونية أو حلم القواعد التوليدية التي تفسر كل الظواهر انطلاقاً من عدد محدود من العناصر وقوانين التركيب. نقف هنا على أعتاب كلود ليفي شتراوس ذلك الإنسان الذي جعل من الأنثروبولوجيا البنيوية مختبراً للعقل الإنساني معتقداً أن الأنساق الأسطورية والقرابية تعمل وفق منطق محكم لا يختلف كثيراً عن منطق الشطرنج. لكن حتى في لعبة الشطرنج يظل الحقل مفتوحاً على ما لا يحصى من التحركات الممكنة وعلى فائض من الإمكان الذي لا يمكن اختزاله إلى القوانين الجامدة. وإذا كان ليفي شتراوس يرد في "الفكر المتوحش" أساطير الشعوب البدائية إلى بنى ذهنية تتوسط بين الحسي والعقلي فإن هذا الرد يظل أسير معضلة مركزية، من أين يستمد النظام البنيوي سلطته التفسيرية إن لم يكن من مؤسس خارجي ومن خارج البنية؟ أليس هذا التأسيس نفسه يعيد إنتاج ما حاول تفاديه أي فكرة "المعنى القبلي" أو "الأصل الثابت"؟ هنا يتدخل جاك دريدا بمشروعه التفكيكي الحاد ليكشف عن أن البنيوية في لحظة تأسيسها تحتاج إلى "مركز" يثبتها وإلى "حضور" يؤسس اللعبة الاختلافية لكن هذا المركز سرعان ما يتبدّى على أنه ليس مركزاً بالمعنى الكلاسيكي بل هو فراغ، أثر، اختلاف يعود إلى ما لا نهاية. يقول دريدا في "الكتابة والاختلاف": "لقد عشنا دائماً في علاقة مركز – غائب، لأن البنية تتطلب مركزاً يوقف اللعب لكن هذا المركز هو نفسه لاعب في اللعبة أو هو خارجها". تلك هي المفارقة البنيوية القاتلة لا يمكن للنسق أن يغلق نفسه دون أن يترك فرجة ولا يمكن أن ينفتح دون أن يهدد تماسكه.

ما يبدو هنا هو أن التوتر بين النسق والانفتاح ليس مجرد خلاف مدرسي بين تيارات فكرية بل هو تجسيد لمعضلة أعمق، معضلة الزمان. فالبنية بفعلها نزوعاً طبيعياً إلى التزامن وإلى القبض على العلاقات كما هي متعايشة في لحظة واحدة حيث تصادف أن الزمن بوصفه بعداً كوناً لا يردّ وهو الذي يضخ في الشرايين البنيوية النبض الحيوي للتحول. وكيف يمكن لبنية أن تفسر التغير دون أن تتحول إلى ما ليس بنية؟ لقد حاول جان بياجيه في نظريته البنيوية التكوينية، التوفيق بين البنية والتاريخ معتبراً أن البنيات تتوالد وتبنى عبر آليات التوازن والتكيف، لكن هذا الحل يظل برأي العديد من النقاد هروباً إلى الأمام لأنه لا يفسر اللحظة المفاجئة والحدث الذي لا يسبقه أي قانون والثورة المفاجئة التي تُفجِّر كل الترقبات. أما ميشال فوكو في "الكلمات والأشياء" فقد ذهب أبعد من ذلك حين أعلن أن العصور المعرفية (الإبستيميات) منغلقة على نفسها وأن القطيعة المعرفية هي التي تفصل بين بنية وأخرى. لكن هذا الموقف نفسه يوقع فوكو في تناقض لافت، فبينما يصر على نسبية كل إبستيمية ويحلل أنظمتها الخطابية الداخلية فإنه لا يستطيع أن يفسر كيف يمكن للمرء أن يعرف إبستيمية ماضية دون أن يقحم فيها شيئاً من إبستيمية الحاضر. أليست مقولته عن "القطيعة" نفسها نتاجاً لنسق معرفي معاصر؟ ألم يظل فوكو بفضل حساسيته المفرطة تجاه الانغلاق أسيراً لبنية ضمنية هي بنية "اللافواصل" بين الفواصل؟

ليس الهدف هنا تصفية الحساب مع البنيوية بل النبش في مكمن عذابها، أي أنها تريد أن تكون شاملة ومكتفية ذاتياً لكنها لا تستطيع الاستغناء عن "الآخر" الذي ترفضه. ذلك الآخر يمكن أن يكون التاريخ أو الفاعل الإنساني بوعيه وإرادته أو الجسد بغرائزيته ودلالاته المفرطة أو اللغة بثنياتها وإيحاءاتها التي تتفلت من شبكة العلاقات الفارقة. لهذا السبب يظل الموروث الهوسرلي من خلال مفهوم "العالم الحي" (الليبنزويلت)، ناقوس خطر في أذن كل بناء بنيوي. فإذا كانت البنيوية تتوهم أنها تستطيع تعليق الواقع ووضعه بين قوسين فإن هوسرل يذكرنا بأن كل نظام دلالي يفترض أفقاً معاشاً، سياقاً غير موضوعي، يجعل الدلالة ممكناً أصلاً. هذا الأفق يسبق البنية ويتجاوزها؛ إنه التربة التي تنبت منها كل الأنساق، لكنه لا ينضوي تحت أي نسق. وهذا ما عبّر عنه موريس ميرلوبونتي حين تحدث عن "الجسد الحي" كوسيط بين الذات والعالم، جسد لا يمكن اختزاله إلى علاقات مكانية وزمانية موضوعية بل هو بنية مفتوحة أساساً ومشرعة على الآخر وهي تتشكل في الحوار والتعبير أكثر مما تتشكل في الحسابات الجبرية.

ومع ذلك ينبغي أن ننصف البنيوية، إن إصرارها على النسق ليس مجرد جنون العظمة النظري بل هو إجابة مشروعة على فوضى المعنى وتشتت الدلالات. العالم المعاصر يفيض بالعلامات المنفلتة وبالأصوات المتصارعة وبالصور العائمة ولا مناص من إعادة بناء تماسك ما ومن فرض نظام على هذا الانهمار السيالي. لكن الثمن هو التضحية بفائض الحضور، بذلك البريق الوحيد الذي يجعل الكلمات تشير إلى أشياء لا إلى كلمات أخرى فحسب. إن فلسفة جيل دولوز وفيليكس غوتاري في "ألف هضبة" تجسد محاولة يائسة جميلة للخروج من هذا المأزق، لا بالعودة إلى البنية المغلقة ولا بالاستسلام للفوضى الكاملة بل بابتكار مفهوم "الريزوم" (الجذمور) الذي لا مركز له ولا بداية ولا نهاية ولا نظام هرمي، وإنما هو اتصالات وتشعبات وتحولات متساوقة. الريزوم هو ضد البنية لكنه أيضاً ليس ضد النظام، إنه نظام الفوضى المنظَّمة أو الفوضى التي تخلق نسقها الخاص أثناء سيرها. ورغم أن هذا المفهوم بديع في إيحاءاته إلا أنه يظل عرضة لنفس السؤال النقدي، أليس الريزوم نفسه بنية؟ ألا ينطوي على قواعد ضمنية تحكم تشكيله؟ عند هذه النقطة يتضح أن الهروب من البنية مستحيل وأن الدخول فيها هو شرط الفكر نفسه.

يبقى أن نعرج على الصلة بين هذا التوتر ومشكلة السلطة، فالأنساق البنيوية ليست محايدة أبداً؛ بل تحمل في طياتها نزعة إلى التثبيت وإلى الحفاظ على الوضع القائم وإلى جعل ما هو عابر أبدياً. ليس من قبيل المصادفة أن نقاد البنيوية من مدرسة فرانكفورت إلى ميشيل دو سيرتو، ربطوا بين "النسق" و"الكلية" المطلقة وبين "الكلية" و"العنف". فكل نسق بفعل تعطشه إلى الشمول يميل إلى قمع المختلف وإلى جعل الشاذ خارجاً عن القاعدة وإلى محو الفردي واللحظي لمصلحة القوانين الكلية. لكن التفكير الحي كما فهمه تيودور أدورنو في "نظرية جمالية"، هو الذي يحافظ على التوتر ولا يذيب التناقض في تركيب سلمي بل يجعله يعمل ويعيش داخل المفهوم. المفهوم عند أدورنو لا يطابق الشيء بل يشير إليه مشيراً إلى عجزه عن احتوائه كلياً؛ وهذا العجز هو بالضبط ما يسميه "غير المتطابق". وبالتالي فإن الفلسفة الأصيلة ليست تلك التي تصوغ بنية مبرهنة خالية من الثغرات بل التي تجرؤ على الوقوف في الثغرة نفسها وعلى العيش في التوتر بين ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله وبين المنسجم والمتنافر وبين النظام والفائض.

وفي خضم هذا كله تبرز العودة إلى اللغة ليس كموضوع للتحليل البنيوي فحسب بل كحقل معركة حيث يتجلى التوتر بأقسى صوره. فاللغة كما علّمنا إميل بنفنيست هي ذلك النظام العجيب الذي يمكنه أن يحكي عن نفسه وأن يذكر شروطه الخاصة وأن ينطق بحدوده. في هذه الآلية الانعكاسية تظهر اللغة وهي تنقض ذاتها، إنها بوصفها بنية تُعلن عن عجزها عن البقاء بنية خالصة لأنها مضطرة إلى استعمال ألفاظ وعبارات تشير إلى خارجها. كل جملة نحوية صحيحة تحمل في طياتها إمكانية التجاوز وإمكانية العبث بالقواعد وإمكانية الإبداع. وهذا ما جعل رومان ياكوبسون في نظريته عن وظائف اللغة يميز بين الوظيفة الشعرية التي تركز على رسالة اللغة ذاتها وبين الوظائف المرجعية والعاطفية والدالاتية التي تفتح اللغة على العالم وعلى المتكلم وعلى المخاطب. إن التوازن بين هذه الوظائف هو الذي يحول اللغة من آلة صماء إلى فضاء حي ومن جدول الضرب إلى قصيدة ومن البنية الجامدة إلى الأسلوب الفريد.

إن ما نستشفه من كل هذا السجال هو أن التوتر بين النسق والانفتاح ليس أزمة عابرة وإنما هو بنيوي بالمعنى الأعمق، إنه جزء لا يتجزأ من فعل التفكير نفسه. فالتفكير إما أن يكون نسقياً فيستقر في هوامشه فائض لا يفسر وإما أن يكون منفتحاً فيذوب في سيولة لا ضابط لها. الفيلسوف البارع هو الذي لا يختار أحد الطرفين بل الذي يصبح وصياً على علاقتهما المتوترة وحارساً للفجوة التي تجعل الفلسفة ممكناً. هكذا نرى أن حدود التفكير البنيوي ليست نقصاً فيه بل هي طبيعته تماماً كما أن حدود النظر لا تعني عمى العين بل هي شرط رؤيتها. هذه الحدود هي الجدران التي يضرب بها الفكر ليعلن عن نفسه وهي النوافذ التي منها ينفتح على ما لا يحد ولا يحصر. وفي هذه المنطقة الهامشية بين الجدار والنافذة وبين الإغلاق والإبحار تعيش الفلسفة المعاصرة عذابها ولذتها معاً، عذاب العجز عن الامتلاء الكلي ولذة الحركة الدائمة نحو أفق لا يقبض عليه.

غير أن هذا التوتر الذي يشبه في كوامنه توتر القوس بين طرفيه ليطلق السهم لا يمكن اختزاله إلى مجرد مشكلة معرفية قابلة للحل البرهاني إذ إنه يتصل بأعمق طبقات الوجود الإنساني في العالم وبعلاقة الإنسان بالزمن، بجسده، بموته بل وبالآخر الذي لا يشبهه. فإذا كانت البنية في انغلاقها الجميل تحلم بزمن دائري أو متزامن فإن الانفتاح يفضي بنا إلى زمن خطي متشظٍ وإلى زمن الحدث الذي لا يتكرر وإلى زمن المفاجأة والصدفة الخلاقة. وتعيد فلسفة هنري برغسون رغم سبقها للبنائية طرح نفسها كمنبه حي، فالزمن الحقيقي عند برغسون ليس توالياً كمياً للنقاط المتجانسة بل هو "المدة" النوعية، التدفق الحي الذي لا يخضع للتقطيع المفاهيمي. والبنية بتركيزها على العلاقات الثابتة لا تستطيع الإمساك بالمدة إلا بعد تحويلها إلى فضاء بعد قتلها تجريدياً. إن ما تخسره البنيوية في لحظة انتصارها التصنيفي هو بالضبط ذلك البعد النوعي للحياة وتلك النغمة الفريدة التي تجعل من كل لحظة حدثاً لا يعوض. وإذا كان كلود ليفي شتراوس قد أعلن أن الأنثروبولوجي يحب أسطورته كما يحب الموسيقي سمفونيته في إشارة إلى الإمكانية اللانهائية لإعادة تركيب العناصر المحدودة، فإن هذا الحب يظل حباً كمنظومة من العلاقات لا حباً كتجربة عابرة للحياة والموت.

على الجانب المقابل نجد أن الانفتاح المطلق إذا أصر عليه الفكر بغير تحفظ لا يؤدي إلى الخصب بل إلى الذوبان وإلى فقدان كل معيار تمييزي وإلى تلك الحالة التي وصفها فيلسوف الوجود كارل ياسبرز بـ"الانحلال" أمام لا محدودية الاحتمالات. فالتفكير لا يمكنه أن يستغني كلياً عن لجام النسق تماماً كما لا يمكن للرائي أن يرى بلا شبكية تلتقط الضوء وتنظمه. البنية بمثابة الشبكية التي تسمح للعالم الظاهر بالظهور بالذات ولكنها تظل شرطاً سالباً أكثر منه شرطاً موجباً، إنها تحدد ما يمكن رؤيته بتحديد ما لا يمكن رؤيته. هذه المفارقة هي جوهر الفكر البشري وهي التي تجعل من الفلسفة المعاصرة بكل تياراتها المتنازعة ساحة يعاد فيها اختراع التوازن بين الجاذبية نحو النظام والطرد نحو اللانظام.

ولعل من أكثر التجليات عمقاً لهذا التوتر هو ما يحدث داخل التحليل النفسي وتحديداً في مدرسة جاك لاكان التي جمعت بين البنيوية اللسانية والنظرية الفرويدية. لاكان في عزمه على إرجاع العقل اللاواعي إلى "بنية اللغة" قدّم أداة قوية لفهم الأعراض والهواجس والأحلام باعتبارها نصوصاً تخضع لقوانين التحول والإزاحة والتكثيف. اللاواعي عند لاكان "منظم كاللغة"؛ إنه يخضع لنظام الفارق ولإيقاع الدال ولانزلاق المعنى الذي لا يتوقف. لكن هذه البنيوية اللكانية في عنفوانها النظري تصطدم بذلك "الحقيقي" الذي يرفض الرمزة بذلك الأثر الجسدي الصامت الذي لا يقبل الترجمة إلى خطاب. "الحقيقي" عند لاكان هو المستحيل وهو ما يعجز الرمز عن احتوائه وما يظل خارجاً مثل بقعة عمياء في شبكة الدوال. وهنا تجسيد بالغ للتوتر، البنية الرمزية تحاول أن تغلف كل شيء لكن الحقيقي يعود ليثقبها ولينتج الصدمة والصدمة بعد الصدمة. هذا "الحقيقي" ليس شيئاً مادياً بسيطاً بل هو حدود البنية نفسها وهو ما يكشف أن البنية ليست كل شيء وأن هناك فائضاً لا يرد على الإطلاق.

من جهة أخرى يمثل السجال مع الظاهريات نقطة ارتكاز حاسمة في هذا السياق. فالظاهريات منذ هوسرل وحتى ميرلوبونتي لم يرفض البنية جملة وتفصيلاً وإنما أعاد وضعها ضمن أفق أوسع هو أفق "العالم المعاش". كل بنية عند الظاهريات مشروطة بقصدية سابقة عليها وبحضور يعيشه الجسد والوعي قبل أي تنظيم مفهومي. لكن الظاهريات نفسها لا تخلو من توترها الخاص، فهي حين تتحدث عن "القصدية" و"التوجّه نحو" فإنها تميل إلى تفكيك الجمود البنيوي لكنها تظل بحاجة إلى نوع من "البنية المتعالية" التي تنظم الإدراك. وهكذا نجد أن الظاهريات والبنيوية ليستا طرفين متقابلين تماماً وإنما هما وجهان لعملة واحدة، عملة الرغبة الفلسفية في السيطرة على المعنى مع الاعتراف الدائم باستعصائه.

ولابد هنا من استحضار صوت آخر، صوت النقد النسوي الذي فضح البنى الأبوية الكامنة في أنساق الفكر الغربي. نسويات مثل جوليا كريستيفا ولوس إيريغاراي أظهرتا كيف أن البنى الفلسفية التقليدية منذ أفلاطون إلى هيجل إلى فرويد، بنيت على الإقصاء الأنثوي وعلى جعله "الآخر" غير القابل للتمثيل داخل النظام الذكوري المغلق. البنية الأبوية والتي تزعم الكلية والعقلانية تعيش على استبعاد الصوت الأنثوي وعلى طمس الاختلاف الجنسي الحقيقي تحت ستار الحياد المزعوم. ومن هنا فالانفتاح على "النسوي" ليس مجرد تنويع في قائمة المواضيع وإنما هو اختبار لصدقية كل بنية، هل تستطيع أن تقبل المختلف دون أن تدمجه وأن تترك له مساحة لا تقل عن مساحة المطابق؟ إن الإجابة في معظم الفلسفات البنيوية الكلاسيكية كانت سلبية مما عرّضها لاتهامات مشروعة بالعمى عن النوع الاجتماعي وعن كل ما هو "آخر" بصفة عامة.

لا يخرج من هذا المأزق إلا فلسفة لا تدّعي أنّها فوق التوتر بل تحيا فيه وتتنفس منه. فلسفة تعترف بأن النسق ضروري لكنه ضرورة مؤقتة وقابلة للنقض ومهددة باستمرار من الداخل والخارج. هذه الفلسفة تكون أشبه ما تكون بنسيج عنكبوتي ممتد بين أغصان شجرة، النسيج منظم وله مركز وأطراف وقواعد، لكن الأغصان تتحرك بالريح والحشرات تمزقه هنا وهناك، والمطر يبلله وهو نفسه يُعاد نسجه كل يوم. هذا التشبيه المتواضع، قد يكون أقرب إلى حقيقة التفكير الحي من تلك القصور البلورية التي شيدتها البنيويات العظمى.

إن ما يتوصل إليه هذا التأمل لا يمكنه أن يعلن نصراً نهائياً لأي طرف بل يجب أن يرسم أفقاً ثالثاً: أفق 'التفكير في الحدود'. فالحدود هي ما يجعل الشيء موجوداً وليس غيره؛ إنها مبدأ التعيين والتميز.

لكن الحدود هي أيضاً ما يُفتَرض تجاوزه وما يُعاش كحاجز ودعوة في آن. التفكير البنيوي يذكّرنا بأننا لا نفكر خارج أشكال وقوالب وقواعد – وإلا وقعنا في الفوضى الطائشة. والتفكير بالانفتاح يذكّرنا بأن هذه الأشكال والقوالب لا تمسك بكل شيء وأن هناك دائماً بقية صدى وأثر، نزفاً لا يلتئم. الفيلسوف الحقيقي إذا جاز التعبير هو من يبقى على حافة هذا التوتر، متوازناً على شفا السكين لا يطمئن إلى بناء مهما بلغت متانته ولا ينساق وراء هدمه مهما كان مُغرياً. لأن الفلسفة في العمق ليست بناءً ولا هدماً بل هي السؤال المتواصل عن إمكانية البناء وإمكانية الهدم في آن. هي شهود على أن كل نسق ينطوي على تفكيكه المحتمل وأن كل انفتاح يحمل في جعبته بذور نظام جديد. وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة فهي أن حدود التفكير البنيوي ليست عيباً بل هي مصدر قوته الحقيقية، فبواسطة هذه الحدود فقط يمكن للفكر أن يلمس ما وراءها وأن يعرف أنه حين يعرف فإنه لا يعرف إلا في ظل الجهل الذي لا يفارقه. بتلك المفارقة وحدها تبقى الفلسفة حية تتنفس في التوتر الخصب بين أضلاع البنية وفضاء الانفتاح.

***

د. حمزة مولخنيف