عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: اللغة ومدارات المعنى.. في الفلسفة التأويلية

عند هانس - غيورغ غادامير

شهد النصف الثاني من القرن العشرين تحولاً جذرياً في مسار الفلسفة تمثّل في انتقال الاهتمام من سؤال المنهج والمعرفة الموضوعية إلى سؤال الفهم والوجود، انتقال أعاد النظر في أبده المسلّمات التي قامت عليها الحداثة الأوروبية منذ ديكارت. وفي قلب هذا التحول تنهض فلسفة غادامير التأويلية بوصفها واحدة من أكثر المشاريع الفكرية عمقاً واتساعاً حيث لم تعد التأويلية مجرد تقنية لفهم النصوص بل غدت فلسفة أولى تسائل الكينونة الإنسانية في صميم وجودها التاريخي واللغوي. ينطلق غادامير من المأزق الذي آلت إليه العلوم الإنسانية وهي تحاول أن تستعير مناهج العلوم الطبيعية متوهّمة أن الحقيقة رهينة الموضوعية والإجرائية ليكشف أن ثمة نمطاً آخر من التجربة لا يقل عن التجربة العلمية غنىً وجدية؛ إنها تجربة الفن والتاريخ واللغة حيث لا تنفصل الذات العارفة عن الموضوع المعروف، بل تنغمس في حدث المعنى انغماساً يذيب الحواجز الميتافيزيقية العتيقة بين الداخل والخارج.

لقد كان كتاب "الحقيقة والمنهج" الصادر عام 1960، وما تلاه من حوارات ومؤلفات أشبه بزلزال فكري هز أركان الفلسفة المعاصرة وأعاد طرح الأسئلة الكبرى حول طبيعة المعنى وحدود العقل وموقع الإنسان من التراث. لم يعد الفهم في هذا الأفق الجديد مجرد عملية ذهنية يمارسها وعي معزول بل صار شرطاً أنطولوجياً يشكّل نسيج الوجود الإنساني ذاته. والإنسان في تصور غادامير لا يفهم لأنه يمتلك أدوات بل إنه يوجد منذ البدء في فضاء من المعاني تسبقه وتحيط به، فضاء هو بعينه اللغة التي يسكنها وينتمي إليها قبل أي قصد أو تأمل. تلك اللغة ليست وعاءً محايداً ولا نسقاً من العلامات المصطنعة بل هي "وسط" الوجود الإنساني وبيتُ الكينونة وهي الأفق الذي ضمنه ينكشف العالم ويتكشّف التاريخ ويتحقق كل لقاء ممكن بين الذوات.

تستند الفلسفة التأويلية الغاداميرية إلى تركة هيدغر الأنطولوجية، لكنها تتجاوزها نحو تأسيس مفهوم جديد عن الحقيقة بوصفها حدثاً لا مطابقة وتطوير تصور للحوار بوصفه الجوهر الحي للعلاقة بين الماضي والحاضر. وتبرز مفاهيم محورية في هذا السياق كالحكم المسبق والوعي المتأثر بالتاريخ واندماج الآفاق والبنية الحوارية للغة وهي مفاهيم لا تشكل مصطلحات تقنية بقدر ما ترسم ملامح رؤية جديدة للإنسان بوصفه كائناً تأويلياً بامتياز لا يمتلك المعنى بل يشارك في حدوثه ولا يحكم التاريخ بل يحاوره ولا يستخدم اللغة بل ينوجد فيها. تكتسب هذه الرؤية كثافتها حين ندرك أن المعنى ليس كياناً مكتملاً سابقاً على الفهم، بل هو يتشكل في جدلية السؤال والجواب وفي الاحتكاك الحي بين أفق المؤوّل وأفق النص إذينفتح فضاء لا يكون فيه أي منهما هو المنتج الأوحد.

يسعى هذا المقال إلى مقاربة فلسفة غادامير من زاويتها اللغوية والأنطولوجية متتبعاً الخيوط التي تصل بين الفهم والتاريخ واللغة ومحلّلاً الكيفية التي تتحول بها التأويلية من نظرية في التفسير إلى فلسفة في الكينونة. وسيتناول الأسس التي قام عليها التصور الغاداميري بدءاً من استلهام هيدغر وإعادة الاعتبار للأحكام المسبقة وصولاً إلى صياغة مفهوم اللغة بوصفها حدث الحقيقة لا مجرد أداة. وسيتناول أيضا أعماق التجربة التأويلية كما تجلت في تحليل التجربة الفنية وجدل السؤال والجواب واندماج الآفاق لينتهي إلى تقويم نقدي للمشروع برمته في ضوء أسئلة العصر ومآلات الفكر المعاصر. إن الغوص في هذا المشروع ليس احتفاءً أكاديمياً بفيلسوف كبير فحسب بل هو مساءلة لشرطنا الإنساني الراهن حيث نعيش أزمة معنى عميقة وحيث صارت الحاجة ماسة إلى إعادة تعريف علاقتنا باللغة والتاريخ والآخر. في أفق هذه المساءلة نقف على عتبة سؤال جوهري ما الذي يعنيه أن نفهم حين لا يكون الفهم تملكاً بل انتماءً وحين لا تكون الحقيقة مكتملة بل دائمة المجيء في ثنايا الكلمة؟.

تقف الفلسفة التأويلية عند غادامير على مفترق طرق بين الكينونة واللغة إذ يتحول السؤال عن المعنى من مجرد منهج للفهم إلى حدث أنطولوجي يتجلى في الوجود الإنساني ذاته. تذوب في هذا الأفق الحدود الصارمة بين الذات والموضوع ويتكشّف الكلام بوصفه الموضع الذي ينكشف فيه العالم لا بوصفه أداةً في قبضة الوعي. ويجد هذا التحول منطلقه الأساسي في ثورة هيدغر الأنطولوجية على الميتافيزيقا التقليدية حين كشف عن البنية القَبْلية للفهم في الدازاين وجعل التساؤل عن معنى الكينونة رهينَ الكشف عن نمط وجود الكائن الذي يطرح السؤال. أدرك غادامير أن هذه النقلة الجذرية تفضي بالضرورة إلى قلب أولويات الفلسفة التأويلية فلا يعود الفهم فعلاً عرضياً يمارسه وعيٌ محايد بل يصير الكيفيةَ الأساسية التي يكون بها الإنسان في التاريخ وفي اللغة معاً. وتنبثق من هنا المقولة المركزية في كتاب "الحقيقة والمنهج": "الكينونة التي يمكن أن تُفهم هي لغة". ليست اللغةُ هنا علامات موضوعة أو أسماء تحيل على موجودات سابقة بل هي فضاء المعنى ذاته؛ أي الأفق الذي ضمنه ينفتح كل ما يمكن أن يقال ويُفهم. إنها بيْت الكينونة على حد تعبير هيدغر إذ تسكن الحقيقة كحدث انكشاف لا كتطابق.

بعد أن طوّر هيدغر تحليلاته للفهم بوصفه مُقوِّماً وجودياً للدازاين بيَّن أن كل فهم يقوم على بنية سابقة هي "الملكة القَبْلية" و"الرؤية القَبْلية" و"الإمساك القَبْلي". بهذا التأسيس ينتقل غادامير إلى إعادة اعتبار مفهوم "الحكم المسبق" الذي أقصته أنوار الحداثة بوصفه عائقاً للمعرفة الموضوعية. فالتاريخ ليس شيئاً يقف قبالة الذات بل هو الفضاء الذي منه تفهم الذات ذاتها. يقول غادامير: "إن تجاوز الأنوار لكل الأحكام المسبقة يُثبت أنه في حد ذاته حكم مسبق". من هذا المنطلق ينفتح أفق جديد للفهم لا يطلب من المؤوِّل أن يتجرّد من ذاته ليقفز إلى أفق الماضي قفزاً تطهرياً بل أن يختبر صدمةَ الغرابة التي يُحدثها النص وأن يسمح للماضي بأن يخاطبه. هذه المواجهة تهز كيان المتلقي وتجبره على مساءلة أحكامه المسبقة ذاتها التي تمكّنه أصلاً من أي فهم. وهنا يتحول الفهم إلى حدث جدلي؛ إنه المحادثة الصامتة بين الحاضر والماضي التي لا يكون فيها النصّ طرفاً سلبياً بل شريكاً في إنتاج المعنى.

الجوهر الذي يتأسس عليه كل هذا هو ما يسميه غادامير "الوعي المتأثر بالتاريخ". إنه وعيٌ يدرك أن ماهيته هي الانتماء إلى سيرورة تأثير التاريخ وأنه لا يمكن أن يبلغ شفافية كاملة مع ذاته. ذلك أن التاريخ فاعلٌ فينا قبل أن نعي فعله واللغة هي الوسيط الذي يحفظ هذا الفعل وينقله ويتحول به. على هذا النحو تصير الترجمةُ النموذجَ الأكثر كثافة لما يحدث في كل تأويل، فالمترجم حين ينقل نصاً من لغة إلى أخرى لا يقوم بنسخ المعنى بل يضعه في أفق لغوي جديد ويفتح بذلك إمكانات دلالية لم تكن متجلية في النص الأصلي بالقوة نفسها. وفي هذا الفعل لا يقوم المترجم بإذابة الآخر في المألوف بل يوسّع أفقَه الذاتي ليتّسع لأفق الآخر؛ إنه اختبار حي لاندماج الآفاق الذي هو عند غادامير شكل كل فهم أصيل. فالاندماج ليس إلغاءً للاختلاف ولا تطابقاً بل هو ذلك التوتر الخلاق الذي يُفضي إلى ظهور معنى ثالث لم يكن ليوجد لولا هذه المواجهة. والمعنى في هذا السياق ليس مكوثاً خلف النص في وعي مؤلفه بل هو حدث يقع "بين" النص والمؤول في فضائهما المشترك.

لعلّ أهم ما يترتب على هذا التصور هو أن فهمَ نصٍّ أو خطابٍ لا يكون أبَداً فعلاً استنسابياً محضاً؛ إنه "تطبيق" على نحو ما تتعامل به الفقهيات القانونية واللاهوتية مع النصوص المقدسة والتشريعية. وقد استعاد غادامير هذا البعد الذي أهملته التأويلية الرومانسية بانياً موقفه على التحليل الأرسطي للحكمة العملية. فالمؤول لا يتمثّل كقاعدة كلية ثم يُسقطها على حالة جزئية بل إن فهمه للكلية لا يكتمل إلا بانخراطه في الوضع الجزئي. وهكذا لا يُفصل بين الفهم والتفسير والتطبيق؛ فاللحظةُ التي نفهم فيها نصاً هي اللحظةُ ذاتها التي نجد فيها أنفسَنا داخل أفق الحال الذي نعيشه ونُخضِع النص لأسئلتنا كما نُخضع أسئلتنا لمفاجآت النص. وفي هذا التبادل تنكسر أوهامُ امتلاك منهج ناجع يضمن الموضوعية وتبرز اللغةُ بوصفها الفضاء الحي الذي يمارس جدل السؤال والجواب دون أن ينتهي إلى تركيب نهائي. إن حوارية الفهم هنا ليست تقنية بل أنطولوجيا اللغة ذاتها، فكل كلام يُتلفّظ به لا يكون إلا ردا على سؤال مضمر وكل سؤال يحدد الأفق الذي يمكن أن يجيء منه الجواب. واللغة في هذا المجرى ليست مجرد أداة تواصل بل هي صيرورة الكينونة نحو الكلمة؛ إنها كما يقول غادامير "حدث الكلام" الذي يتجاوز قصد المتكلمين.

هذا التصور يصل ذروته في تحليل غادامير لـ "البنية التأملية" للغة، ففي مقابل النموذج المنطقي الذي يرى في القضية إسناداً لخبر إلى موضوع سابق يستحضر غادامير فكرة "الجملة التأملية" في الفلسفة الهيغلية حيث لا يكون المحمول وصفاً عارضاً للموضوع بل تطوّراً لكينونته وانكشافاً لحقيقته. يتعدّى غادامير هيغل بهذه الفكرة إلى كل كلام حقيقي؛ فالكلمةُ ليست مرآة تعكس شيئاً قائماً في ذاته بل هي ظهور الشيء ذاته أي إنها تجعل الشيء حاضراً وتزيد في كينونته. وكما الضوء لا يظهر إلا بإظهاره الأشياءَ كذلك اللغة لا تظهر نفسها بوصفها موجوداً بين الموجودات إلا بقدر ما تنحجب خلف ما تقدّمه. هذا هو سرّ الفهم، أن الكلمات تتلاشى لتُفصح عن معنى لا يكفّ عن التكوُّن. ولهذا يتحدث غادامير عن "قوام اللغة الشعري كأساس للحقيقة"، ففي القصيدة يبلغ هذا الانكشاف حدّاً تتوهج فيه الكينونة في الكلمة ويتجسّد فضاء المعنى بوصفه انبثاقاً لا متناهياً لا يغلقه تأويل.

إن اللغة بهذا المعنى "فائض" على كل محاولة إحصاء وتقعيد فهي ليست معطىً ساكناً بل "إنرجيا" بحسب تمييز فلهلم فون همبولت الذي يخلّصه غادامير من رومانسيته أي إنها نشاط وقوة وفعالية لا مجرد أثر مكتمل. وكل محادثة حقيقية تشهد على هذه الدينامية؛ إذ إن اندماج الآفاق لا يحدث بقرارٍ من الذوات بل هو انجراف في سيرورة معنى تحكمنا ولا نحكمها. إن الحوار الحقيقي وفق غادامير هو الذي ننخرط فيه بحيث "لا نُجريه بل نجري فيه" أو بصيغة أدق "إنه ينهار بنا". إن لعبة اللغة مثلما استعار غادامير مفهوم "اللعب" للتعبير عن طبيعة التجربة الفنية ثم وسّعه ليشمل الفهم، تتمتع بأسبقية على وعي اللاعبين؛ ففي اللعب يختبر المرء حريةً من نوع خاص هي حرية الخضوع للإيقاع الذي يفرضه مجرى اللعبة. وكذلك الأمر في التخاطب التأويلي، فالمعنى ليس محض إنشاء ذاتي ولا هو اكتشاف لموضوع جامد بل هو حدث يظهر في "بين" اللغة في تلك المسافة التي تجمع بين الأنا والآخر وتبقيهما في آن متواجهين ومتحدين.

من هنا ندرك أن المعنى ليس محمولاً على اللغة كحمّالة وإنما اللغة هي أفق الظهور الذي يصير فيه المعنى حدثاً. ولا يمكن تصور هذا الحدث خارج التاريخ وخارج الجسد الحي للكلمة. إن المنطوق الصوتي كما يذكر غادامير متأثراً بأفلاطون هو الكلام الذي يظل قريباً من النفس وقادراً على الدفاع عن ذاته على العكس من الكتابة الصامتة. غير أن هذا لا يعني مفاضلة مطلقة بل يعني أن المعنى الحقيقي لا ينغلق في بنية سيميائية مكتملة بل يظل رهين التلفّظ المتجدد والأذن المصغية. ويصير فضاء المعنى حالةَ ترحال لا قرار له وأفقاً يتحرك كلما مشى المؤوّل نحوه. وتماماً كما شرح غادامير أن "الأفق ليس حدا صلباً بل هو شيء يتحرك مع المرء ويدعوه إلى المزيد من التقدم"، فإن لغة الفهم هي هذا الأفق الحيّ الذي يجعل كل كلمةٍ علامةً على ممكن لم يتحقق بعد. فالنص العظيم لا ينفد أبداً لأن كل عصر يقرؤه بأسئلة جديدة فينمو المعنى بنمو التطبيق وتتسع دائرة الفهم من غير أن تصل إلى نقطة ختام.

وتتشابك الخيوط لكي تضعنا أمام النتيجة التي تبلغها الفلسفة التأويلية الغاداميرية في جزئها المتعلق باللغة، إن اللغة هي التحقّق الكلي للفهم الإنساني بوصفه حواراً ممتداً مع التراث، إنها "الوسط" الذي يتجمع فيه الأنا والعالم والآخر ويصير فيه الماضي قوة فاعلة لا ذكرى متحفية. وبقدر ما يستسلم المرء للعبة اللغة ولجدلها الذي لا يهدأ، بقدر ما ينفتح على أنطولوجيا المعنى التي فيها تكون الكلمة هي ظهور الشيء لا أداته. في هذا الفضاء المتسع حيث يمتزج صوت الماضي بصوت الحاضر في لحنٍ لا يخلو من نشَاز، يتحول السؤال عن منهج العلوم الإنسانية إلى سؤال عن حقيقة التجربة الإنسانية ذاتها، تلك التجربة التي لا تنفصل فيها اللغة عن الفكر ولا التاريخ عن المعنى. ولعل غادامير حين يُعيد صياغة التأويلية بوصفها فلسفة أولى إنما يذكرنا بما نسيناه تحت وطأة النزعة الأداتية، أننا لا نملك اللغة بل اللغة هي التي "تملكنا" وتَهِبُنا عالماً وأننا لا نوجد لكي نفهَم بل نفهم لكي نوجد في كامل إنسانيتنا التاريخية. ومن هذا المنطلق لن يكون غريباً أن نبلغ تخومَ الفكر التأويلي حيث يصير الإنصات إلى الكلمة شكلاً من أشكال المشاركة في بناء فضاء المعنى الذي يضم الأحياء والأموات في محادثة واحدة لا تنتهي.

إن التعمق في طبيعة هذا الحقل يكشف عن أبعاد أكثر كثافة لفلسفة غادامير التأويلية، أبعاد تتعلق تحديداً بطبيعة الحقيقة التي تستعصى على الحصر المنهجي وتنفلت من قبضة الذات المتعَالية. إن المنعطف الحاسم الذي أحدثه غادامير في فهمنا للغة بوصفها خبرة حقيقة لا مجرد وعاء للتواصل يتجلى بأوضح صورة في تحليله للتجربة الفنية التي يراها نموذجاً مصغراً للحدث التأويلي الكلي. ففي العمل الفني لا يصح أن نتحدث عن معنىً جاهز يودعه الفنان ثم يستخرجه المتلقي بل إن العمل ذاته لا يحقق كينونته إلا في تأويله واستقباله. يقول غادامير "إن العمل الفني هو لعب أي إن كينونته لا تنفصل عن تمثّله". وهذا التمثّل ليس نسخاً ولا محاكاة بل هو حضورٌ متجدد للعمل ذاته يزيد من كينونته. واللغة في أقصى تجلياتها الشعرية والأدبية تكشف هذا البعد نفسه، فهي التي تجعل الشيء حاضراً على نحو لم يكن ليتحقق بغير الكلمة. حين يقول الشاعر شيئاً فإنه لا يصف موجوداً سابقاً بل يُحضِر عالماً يفتح أفقاً من المعنى لا يمكن اختزاله في مقولة محددة. وهنا يلتقي الفني باللغوي في بؤرة واحدة، الحقيقة بوصفها حدثاً وليست مطابقة. إنها حقيقة تنبثق في لحظة التلقي الخلّاقة وتفترض انخراط المتلقي في لعبة الفهم التي لا تخضع لإرادة فردية. وكما يستحيل على العازف أن يعزف مقطوعة باخ بعزلة عن تقليد أدائي وتاريخ من التفسيرات يكوّن أفق سمعه كذلك لا يمكن للمؤول أن يفهم نصا بمعزل عن تاريخ تأثير هذا النص الذي يشكّل وعيه مسبقاً.

ويمكن تفكيك أوهام ذلك "الوعي الجمالي" الذي تصدّى له غادامير بعنف فلسفي، ذلك الوعي الذي يعزل العمل الفني عن سياقه التاريخي والديني والاجتماعي ويحوله إلى موضوع للتذوق المحض، إنما يمارس اغتراباً مزدوجاً؛ فهو يغترب عن قوة العمل وحقيقته وينتهي إلى اغتراب الذات عن انتمائها التاريخي الذي هو شرط إمكان أي فهم. وهذا هو عينه ما يحدث حين نتعامل مع اللغة بوصفها معجماً وصرفاً ونحواً لا غير، متجاهلين أنها تحمل ترسبات العصور وأن الكلمات ليست قطعاً متبدلة بل إن لها ثقلاً وجودياً وذاكرة تحفظ آثار الاستعمالات القديمة وتستحضرها في كل استعمال جديد. إن الذاكرة اللغوية هي تاريخ المعنى المتجسد ولا يمكن للفهم أن يدّعي البدء من نقطة الصفر. هكذا نصل إلى واحدة من أعمق مقولات التأويلية الغاداميرية وهي أولوية الانتماء على الإدراك. فنحن لا ننتمي إلى عالم ثم نتعلم لغته وكأننا نرتدي ثوباً جاهزاً، بل إن اللغة ذاتها هي شكل هذا الانتماء ونسيجه. والانتماء هنا ليس مجازاً شاعرياً بل هو شرط أنطولوجي يجعل الفهم ممكناً منذ البداية. إن الذات التي تظن أنها تقف أمام التاريخ كقاضٍ محايد إنما تتناسى أنها هي ذاتها محكوم عليها بالتاريخ وأن هويتها تشكّلت في بوتقة التراث الذي تسعى إلى فهمه. والتراث ليس ذلك الكمّ المتراكم من الآراء البائدة بل هو "الشريك الدائم في الحوار" بحسب تعبير غادامير وهو الذي يمدنا بالإمكانات والطرائق التي يصير بها العالم مفهوماً.

في قلب هذا التصور تقوم فكرة "اندماج الآفاق" التي كثيراً ما أسيء فهمها بوصفها انسجاماً ساذجاً بين الماضي والحاضر. والحقيقة أن غادامير يشدّد على أن المسافة الزمنية ليست هوةً يجب ردمها بل هي أرضية إنتاجية للمعنى. إنها على حد وصفه "تمتلئ بسلسلة لا تنقطع من الترسّبات والتأويلات" تشكل في مجموعها جسراً حياً بين العمل الفني أو النص وبيننا. وكل فهم جديد لا يلغي تلك المسافة بل يستثمرها ويرتفع بالحوار مع التراث إلى مستوى أكثر نضجاً. ومن ثم فإن اندماج الآفاق لا يعني إلغاء أفق الماضي لحساب الحاضر أو العكس بل هو مفعول جدلي يعيد تشكيل الأفقين معاً. في هذا الحدث الجدلي يتسع أفق الحاضر ليفسح مكاناً لما هو غريب ومختلف ويتحرر أفق الماضي من جموده ليتكلم إلينا بصوت لم نكن نسمعه من قبل. إنها لحظة تتجاوز مجرد "فهم الآخر" لتغدو فهماً مغايراً للأنا وللآخر معاً، فهماً لا يتأتى إلا عبر اللغة التي تحمل هذا اللقاء. فاللغة وحدها بما هي منطوق يتجاوز كل متكلم منفرد، هي التي تستطيع أن تكون أرضية هذا الاندماج دون أن تذيبه في هوية فارغة. ولذلك يبلغ غادامير ذروة الحجاج الفلسفي حين يقرر أن اللغة ليست مجرد وسيط للفهم بل هي "أفق التأويل" ذاته أو بتعبير أدق، إنها المجال الذي ضمنه ينفتح أي أفق على الإطلاق.

هذه الأسبقية المطلقة للغة تقودنا إلى قلب الجدل الفلسفي حول حدود التأويل؛ إذ يبرز سؤال جوهري إن كان الفهم مشروطاً لغوياً على هذا النحو فهل يمكن تجاوز اللغة إلى "شيء في ذاته" صامت؟ جواب غادامير الذي يجعله في مواجهة صريحة مع تراث ميتافيزيقي طويل هو أن هذا السؤال سؤال زائف لأنه يفترض وجود "شيء" خارج اللغة ثم يتساءل عن إمكان بلوغه. والواقع أن اللغة هي نمط حضور العالم بالنسبة لنا وكل ما نعرفه عن العالم نعرفه داخل اللغة وبها. إنها مثل الضوء الذي لا يُرى ولكنه يجعل الرؤية ممكنة. حتى الصمت لا يكون ذا معنى إلا في أفق اللغة التي تمنحه حدوده. بكلمات غادامير الموحية "ليس هناك شيء اسمه 'الموضوع في ذاته' الذي يمكن أن نضعه قبالة اللغة لأن الموضوع لا يظهر إلا في اللغة". وهذا لا يعني الوقوع في مثالية لغوية تبتلع الواقع بل يعني أن واقعية العالم لا تتحقق لنا إلا وهي متوسطة رمزياً. فالصخرة التي نصطدم بها هي صخرة "بالنسبة لنا" وسقطت علينا من جبل له اسم في لغة والوجع الذي يلحق بنا نصفه بكلمات تعلّمناها من الآخرين. وتصبح الغربة عن اللغة غربة عن العالم وتكون العودة إلى اللغة عودةً إلى العالم في غنى ظهوره. ومن هنا تحديداً تتكشف الأهمية الفلسفية القصوى لمقولة غادامير "الكينونة التي يمكن أن تُفهم هي لغة"؛ فهي لا تعني أن الكينونة تتبخر في ألفاظ بل أن الكينونة لا تمنح نفسها للفكر الإنساني إلا وهي آخذة في التكلم.

إن لنا أن نستبطن الآن ما يعنيه أن يكون المعنى رهين الحوار ممتداً بامتداد الزمان. فكل تأويل جديد يغدو حلقة في سلسلة التأثير التاريخي وكل نص عظيم يظل قادراً على إنتاج خطابات لا نهائية لا لأن الحقيقة نسبية بل لأن الحقيقة التي يسكنها النص لا يمكن أن تنكشف دفعة واحدة لوعي محدود بتاريخيته. إنها حقيقة واعدة دائمة المجيء ولا تني تخلخل يقينياتنا. وهذا هو السر في أن غادامير يجعل من "السؤال" مقولة أنطولوجية قبل أن تكون منطقية؛ فالسؤال هو الذي يفتح الأفق الذي يمكن أن يظهر فيه المعنى والبنية الحوارية للغة تعني أن كل جواب ليس إلا سؤالاً متوقفاً. يقول غادامير "إن فن السؤال هو فن ممارسة الحوار الحقيقي وهو فن التفكير". وتتحول التأويلية إلى تمرين روحي وأخلاقي على الإصغاء حيث يضع المؤول ذاته بين قوسين لا ليفرغ نفسه بل ليمنح النص فرصة أن يقول شيئاً مختلفاً عما كان يتوقعه. إنها اللحظة التي تنقلب فيها علاقة القوة بين الذات والموضوع إلى علاقة ندية بين شريكين يتبادلان السؤال والجواب ويتقاسمان ضعف المعنى وقوته.

ويلتئم شمل المعرفة الإنسانية في صورة تختلف جذرياً عن صورة العلم الحديث القائم على القطع بين الذات والموضوع. فالتجربة التي يقصدها غادامير والمستلهمة من الديالكتيك الهيغلي هي تجربة سلبية بالمعنى العميق، أن يختبر المرء حدود توقعاته وأن تنكسر أحكامه المسبقة على صخرة الواقع أو النص. والتجربة بهذا المعنى ليست تأكيداً للمعرفة السابقة بل هي افتضاح للجهل الكامن في قلب المعرفة المدّعاة. وتلتقي التأويلية مع خبرة الحياة ذاتها؛ فالحياة لا تكف عن تعليمنا أننا لم نكن نفهم وأن أفقنا كان أضيق مما نحسب. واللغة وحدها هي القادرة على استيعاب هذه الصدمة وتحويلها إلى نمو في الأفق لأنها تحتفظ بآثار الصدمات السابقة وتجعلها ذاكرةً حية. فكل كلمة منطوقة تحمل في تضاعيفها تاريخاً طويلاً من التجارب الإنسانية المتراكمة ومن هنا كان غادامير يردد أن من يسمع كلمةً يسمع دويّ التاريخ كله.

إن فلسفة غادامير التأويلية لا تقدم لنا "نظرية في الفهم" فحسب بل تدعونا إلى إعادة النظر في ماهية الإنسان ذاته. فالإنسان في أعمق أعماقه كائن حواري لا يكتفي بأن له لغة بل إن اللغة هي التي جعلته إنساناً. إنه الكائن الذي يقطن اللغة ويستمد هويته من المحادثة اللامتناهية مع الأحياء والأموات، مع النصوص والأعمال، مع كل ما تركه التاريخ من أثر. واللغة ليست قفصاً كما يزعم بعض نقاد التأويلية بل هي فضاء المعنى المنفتح الذي يتسع أرحب اتساع حين نجرؤ على الحوار الصادق. إنها الأفق الذي لا يمكن أن نبلغ حده الأخير لأن كل خطوة نحوه تكشف آفاقاً جديدة. إن شرطنا الإنساني ليس هو الشفافية المطلقة ولا العمى المطلق بل هو هذا الموقع البيني الذي نستمع فيه إلى أصوات لا تُحصى ونشارك في تشكيل معنى لم نبتدئه ولن نُتمه. وإذا كانت الحداثة قد وعدت الإنسان بامتلاك العالم عبر تمثّلات عقلية شفافة، فإن التأويلية الغاداميرية تذكّرنا بأننا لا نملك العالم بل ننتمي إليه، وأن هذا الانتماء هو لغوي في صميمه. إننا "في" اللغة كما نحن "في" العالم وأي محاولة للخروج من اللغة هي كمن يحاول القفز فوق ظله. ولكن هذا لا يعني الانغلاق فاللغة بطبيعتها منفتحة؛ إنها فعل دائم من الترجمة وتجاوز الذات. وحين نترجم لا ننقل كلماتٍ بل ننقل عوالم ونتحمل مسؤولية أخلاقية في جعل الغريب قريباً دون أن نسلبه غرابته.

وتقف فلسفة هانس-غيورغ غادامير التأويلية شامخة كواحدة من أعمق المحاولات الفكرية لاستعادة الكرامة المفقودة للفهم الإنساني في عصر طغى فيه المنهج على الحقيقة والعلامة على الكلمة والحساب على الحوار. إنها فلسفة تبدأ من التواضع، من الإقرار بأن الذات ليست سيدة نفسها وأنها مدينة في وجودها لكل ما سبقها من تراث وتنتهي إلى ثقة مطمئنة في قدرة اللغة على لمّ شتات التجربة الإنسانية دون أن تلغي اختلافاتها. لقد أرانا غادامير أن أفق المعنى ليس خطا ناظمياً نرسمه بأنفسنا بل هو الفضاء الرحب الذي نتنفس فيه جميعاً والضوء الذي نرى به الأشياء ونحن لا نراه. وأعاد إلى الكلمة جلالها الأول لا بوصفها أداة طيّعة بل بوصفها جسد المعنى الذي فيه يحضر العالم وتلتقي العصور.

ويغدو الفهم مغامرة لا تنتهي لا لأن الحقيقة مستحيلة بل لأن الحقيقة أكبر من أن يمتلكها جيل واحد أو لغة واحدة أو نص واحد. إنها نهر عظيم يرفدنا ما دُمنا على استعداد للإصغاء إلى هديره القديم وهو يحمل إلينا أصواتاً من منابع سحيقة ويعدنا بأن البحر لا يزال بعيداً وأن الرحلة في فضاء المعنى هي جلّ ما نملك بل هي جل ما نكون.

***

د. حمزة مولخنيف