أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: مفهوم البرهان عند ابن رشد
بين الصرامة الأرسطية وإعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية
يشكّل البرهان أحد أكثر المفاهيم كثافة في تاريخ الفكر، لأنه يتجاوز كونه تقنية منطقية إلى كونه تعبيرا عن تصور شامل للعقل وللحقيقة. فحين يُطرح سؤال البرهان يُطرح معه سؤال اليقين، وسؤال العلاقة بين الفكر والوجود، وسؤال المشروعية المعرفية للقول الإنساني. بذلك يغدو البرهان مرآةً لطبيعة الثقافة التي تحتضنه، إن كانت ترى العالم انتظاما قابلاً للفهم، أم ترى المعرفة ضربا من الاحتمال أو العادة أو التسليم.
داخل أفق الحضارة الإسلامية، اتخذ مفهوم البرهان دلالة مخصوصة، إذ ارتبط بجدل عميق حول حدود العقل ووظيفته إزاء النص، وحول إمكان قيام علم يقيني في قضايا الطبيعة والإلهيات. ولم يكن الأمر خلافا في النتائج فحسب، بل كان اختلافا في تحديد معيار الحقيقة ذاته: هل يقوم على الضرورة العقلية أم على القبول الجدلي أم على سلطة النقل؟ من هنا صار البرهان عنوانا لصراع صامت حول من يمتلك حق تعريف اليقين.
في هذا المفترق التاريخي يتبلور مشروع ابن رشد بوصفه محاولة لإعادة تثبيت معيار العقل داخل بنية الثقافة الإسلامية، مستندا إلى الإرث المنطقي الذي صاغه أرسطو، غير أنه لا يورده على سبيل التكرار، بل يعيد إدراجه ضمن أفق ديني يرى في انتظام العالم أثرا للحكمة الإلهية. فالبرهان عنده ليس أداة خارجية تُفرض على النص، ولا خصما ينازع الوحي سلطته، بل هو نمط من النظر ينسجم مع مقصد الشريعة في تحصيل العلم بالحق.
ويعد مفهوم البرهان مفتاحا لقراءة المشروع الرشدي بأسره لأن فيه تتقاطع رؤيته للوجود، وتصوره للعلم وموقفه من التأويل ونظرته إلى مراتب الخطاب. إنه مفهوم تتكثف فيه رهانات فلسفية وكلامية وحضارية، ويتحول إلى معيار لإعادة ترتيب العلاقة بين العقل والإيمان وبين الضرورة والاعتقاد وبين الفلسفة والفقه. ومن ثم فإن مقاربة البرهان في فكر ابن رشد هي مقاربة لبنية معقولية كاملة، سعت إلى أن تمنح العقل مكانته من غير أن تفصله عن جذوره الروحية.
حين نلج فضاء التفكير الرشدي نجد أنفسنا أمام مشروع فلسفي يتجاوز حدود الشرح والتلخيص إلى مقام التأسيس وإعادة البناء. فابن رشد ليس شارحا لأرسطو فحسب، كما درج التقليد اللاتيني الوسيط على تصويره، بل هو مفكر انخرط في إعادة صياغة شروط المعقولية داخل أفق الثقافة الإسلامية، متوسلا بمفهوم البرهان باعتباره معيارا للحقيقة ومقياسا للفصل بين مراتب القول ودرجات الإقناع. لقد تشكل مفهوم البرهان عند ابن رشد في سياق جدلي مركب، يتقاطع فيه الإرث الأرسطي كما بلوره أرسطو مع مقتضيات الخطاب الشرعي كما استقر في علم الكلام وأصول الفقه. ومن هذا التقاطع تولد تصور مخصوص للبرهان، لا يكتفي باستعادة الصرامة المنطقية، بل يسعى إلى إدماجها في بنية الثقافة الإسلامية إدماجا يُعيد ترتيب العلاقة بين العقل والنقل، وبين الفلسفة والشريعة.
إن البرهان في معناه الأرسطي هو قياس مؤلف من مقدمات يقينية، أولى وأسبق وأعرف بالطبع، تُفضي بالضرورة إلى نتيجة يقينية. وقد صاغ أرسطو هذا المفهوم في كتاب “البرهان” من “الأورغانون”، حيث جعل من البرهان ذروة الصناعة المنطقية، مميزا إياه عن الجدل والخطابة والسفسطة. وقد استوعب ابن رشد هذا التحديد بدقة، لكنه لم يقف عند حدود التلقي، بل أعاد إدراجه في سياق إشكالي جديد، هو سياق التوتر بين الفلسفة والمتكلمين، وبين التأويل العقلي للنصوص الشرعية والنزعة الحرفية أو الجدلية التي سادت في بعض التيارات الكلامية.
لقد كان ابن رشد واعيا بأن مسألة البرهان ليست مسألة تقنية منطقية فحسب، بل هي مسألة ثقافية حضارية، تتعلق بتحديد من له حق الكلام في قضايا الوجود والإلهيات والطبيعيات، وبأي منهج يُتكلم. ومن هنا جاء حرصه على التمييز الصارم بين أصناف الأقيسة، وعلى بيان أن لكل صنف من الناس نصيبه من طرق الإقناع بحسب استعداده. ففي كتاب “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” يقرر أن الناس في تلقيهم للحق ثلاث طبقات: أهل البرهان وأهل الجدل وأهل الخطابة. هذا التقسيم ليس توصيفا اجتماعيا بريئا، بل هو إعلان عن هرمية معرفية تجعل البرهان في القمة بوصفه الطريق الذي لا يحتمل إلا اليقين.
غير أن البرهان عند ابن رشد لا يُختزل في صرامته الصورية، بل يتأسس على رؤية أنطولوجية تعتبر الوجود نظاما معقولا، يمكن للعقل أن يدركه من خلال النظر في الموجودات. فالمعقولية ليست إسقاطا ذهنيا على العالم، بل هي بنية في صميم الوجود نفسه. وهذا ما يفسر دفاعه المستميت عن الفلسفة الطبيعية والميتافيزيقا، في مواجهة من اعتبروا البحث فيهما بدعة أو انحرافا. إن العالم عند ابن رشد ليس مسرحا للفوضى، بل هو انتظام علّي يمكن للعقل أن يكشفه، والبرهان هو الأداة التي تمكّن من هذا الكشف.
ولعل المواجهة الشهيرة بين ابن رشد وأبي حامد الغزالي تكشف عن عمق الرهان الذي كان على المحك. فالغزالي في “تهافت الفلاسفة”، لم يرفض المنطق من حيث هو منطق، بل اعترض على دعوى الفلاسفة أنهم بلغوا اليقين في مسائل الإلهيات، معتبرا أن كثيرا من أقوالهم لا يتجاوز حدود الظن. وقد ميز الغزالي بين البرهان في الرياضيات، حيث تسود الضرورة، وبين قضايا الميتافيزيقا التي تظل في نظره محل نزاع. غير أن ابن رشد في “تهافت التهافت”، لم يكتف بالدفاع عن الفلاسفة، بل سعى إلى إعادة تحديد معنى البرهان ذاته، مبينا أن كثيرا مما اعتبره الغزالي برهانيا عند المتكلمين لا يرقى إلى درجة البرهان بالمعنى الدقيق، بل هو من قبيل الجدل.
إن الصرامة الأرسطية التي يتمسك بها ابن رشد تظهر بوضوح في نقده للأقيسة الكلامية، حيث يرى أن المتكلمين يعتمدون مقدمات مشهورة أو مقبولة عند جمهورهم، لكنها لا ترقى إلى اليقين الضروري. فالبرهان عنده يشترط أن تكون المقدمات أولى، إما بديهية أو مستنبطة من مبادئ بديهية على نحو لا يدخله الشك. ومن هنا كان اعتراضه على الاستدلال بحدوث الأجسام على حدوث العالم، إذا لم يكن هذا الحدوث قد ثبت ببرهان يقيني. فالعقل في نظره لا يكتفي بإمكان الشيء أو رجحانه، بل يطلب الضرورة.
غير أن ابن رشد وهو يستعيد هذه الصرامة، لا ينقلها نقلا حرفيا، بل يكيفها مع مقتضيات الثقافة الإسلامية. فهو لا يرى في البرهان خصما للشريعة، بل يعتبره أداة لفهمها على الوجه الأكمل. ويذهب إلى أن النصوص الشرعية نفسها تحض على النظر العقلي، مستشهدا بآيات تدعو إلى التفكر في خلق السماوات والأرض. فالشرع في نظره لا يناقض البرهان، بل يدعو إليه، غير أن هذا الدعاء موجه إلى من كان من أهله. وهنا تتجلى إعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية، إذ يصبح البرهان جزءا من النظام المعرفي الإسلامي، لا عنصرا دخيلا عليه.
إن إعادة التأسيس هذه تقوم على مبدأ التأويل الذي يحتل مكانة مركزية في فكر ابن رشد. فإذا تعارض ظاهر النص مع مقتضى البرهان اليقيني وجب تأويل النص بما يوافق البرهان، لأن الحقيقة لا يمكن أن تتناقض مع نفسها. فالحقيقة واحدة، وإن اختلفت طرق التعبير عنها. وهذا المبدأ الذي يعكس ثقة عميقة في وحدة العقل والشرع، يحرر البرهان من أن يكون مجرد أداة نظرية، ويجعله معيارا لتحديد الفهم الصحيح للنصوص. غير أن التأويل ليس مفتوحا لكل أحد، بل هو شأن أهل البرهان، حتى لا ينقلب إلى عبث تأويلي يزعزع استقرار العقائد عند الجمهور.
ومن خلال هذا التصور يتضح أن ابن رشد لا يكتفي بإعادة إنتاج البرهان الأرسطي، بل يدمجه في نسق معرفي ثلاثي البنية: برهان للفلاسفة وجدل للمتكلمين وخطابة للجمهور. هذا النسق يعكس وعيا عميقا بتعدد مستويات الخطاب داخل المجتمع الإسلامي، ويمنح كل مستوى مشروعيته، من غير أن يسوي بينها. فالبرهان يظل المعيار الأعلى لأنه وحده الكفيل بإنتاج العلم اليقيني.
ويبدو أن هذا الإعلاء من شأن البرهان يرتبط عند ابن رشد بنقد ضمني للنزعة اللاعقلانية التي يمكن أن تتولد عن الإفراط في التعويل على النص بمعزل عن النظر. فالعقل في نظره هبة إلهية، ولا يمكن أن يكون استعماله على الوجه الأكمل خروجا عن الدين. بل إن تعطيله هو الذي يشكل خطرا على الدين، لأنه يفتح الباب أمام التأويلات الاعتباطية وأمام الخلط بين الظن واليقين. ومن هنا كانت معركته في جوهرها، معركة من أجل إعادة الاعتبار للعقل البرهاني داخل الثقافة الإسلامية.
إن مفهوم البرهان عند ابن رشد ينهض إذن على ثلاث دعائم مترابطة: صرامة منطقية مستمدة من أرسطو، ورؤية أنطولوجية تعتبر الوجود معقولا، ومشروع ثقافي يهدف إلى إدماج العقل البرهاني في صميم الخطاب الشرعي. وهذه الدعائم تجعل من البرهان أكثر من مجرد أداة استدلال، بل تجعله مبدأً ناظما للمعرفة ومعيارا للحقيقة وأفقا لإعادة ترتيب العلاقة بين الفلسفة والدين.
وفي هذا الأفق يمكن فهم إصراره على أن الفلسفة واجبة شرعا على من كان من أهلها، لأن النظر البرهاني في الموجودات يقود إلى معرفة الصانع. فليس ثمة تعارض بين أن يكون البرهان صناعة عقلية دقيقة، وأن يكون في الوقت ذاته سبيلا إلى تعميق الإيمان. وهنا تتجلى خصوصية المشروع الرشدي فهو لا يفصل بين المعقول والمقدس، بل يرى أن القداسة الحقّة لا تناقض المعقولية، بل تتأسس عليها.
إن هذا التصور بما ينطوي عليه من ثقة في قدرة العقل على إدراك نظام الوجود، وبما يستبطنه من تمييز بين مراتب الخطاب، يشكل لحظة مفصلية في تاريخ الفكر الإسلامي. فقد أعاد ابن رشد تعريف شروط القول الفلسفي داخل حضارة كانت تشهد توترا بين التيارات العقلانية والنصية، وقدم نموذجا للبرهان بوصفه أداة للتحقيق المعرفي، لا مجرد زخرف جدلي.
إن مفهوم البرهان عند ابن رشد ليس مجرد امتداد للصرامة الأرسطية، بل هو إعادة صياغة لهذه الصرامة في سياق إسلامي، بحيث يصبح البرهان عنصرا تأسيسيا في بناء معقولية جديدة تستند إلى وحدة الحقيقة، وتقر بتعدد طرق التعبير عنها، وتضع العقل في مكانه اللائق داخل نظام الشريعة. وفي هذا المسار يتجلى ابن رشد لا بوصفه تابعا لأرسطو، بل بوصفه مفكرا يؤسس داخل أفقه الحضاري، لمصالحة عميقة بين العقل والشرع، على قاعدة البرهان.
إن البرهان عند ابن رشد لا ينفصل عن نظرية العلم كما تلقاها من أرسطو، لكنه يعيد تأويلها ضمن سياق مغاير. فالعلم البرهاني بحسب التصور الأرسطي هو معرفة بالشيء من حيث علته، أي إدراك الضرورة التي بها يكون الشيء على ما هو عليه. غير أن ابن رشد يضيف إلى هذا التحديد بعدا حاسما يتمثل في ربط العلية بالنظام الكوني الذي هو أثر الحكمة الإلهية. فالعلل ليست مجرد انتظامات طبيعية صماء، بل هي مظاهر لحكمة الخالق. وهنا يبرز الفرق بين قراءة طبيعية خالصة للعلية، وقراءة ترى في انتظام العالم برهانا على انتظام العقل الإلهي. إن البرهان هنا يصير طريقا إلى معرفة الله عبر معرفة العالم، لا بمعنى الاستدلال الكلامي القائم على الحدوث والإمكان، بل بمعنى إدراك الضرورة التي تحكم الموجودات.
ومن هنا نفهم نقده الحاد لنزعة نفي السببية التي دافع عنها بعض المتكلمين، وفي مقدمتهم أبو حامد الغزالي. فالغزالي في معرض دفاعه عن القدرة الإلهية المطلقة، ذهب إلى أن الاقتران بين الأسباب والمسببات ليس ضروريا، بل هو مجرد عادة أجراها الله. غير أن ابن رشد رأى في هذا التصور تهديدا لبنية البرهان ذاتها؛ إذ كيف يمكن تأسيس علم يقيني إذا كانت الروابط العلية غير ضرورية؟ إن نفي الضرورة يفضي في نظره إلى نفي إمكان العلم البرهاني. ولذلك اعتبر أن القول بالعادات لا ينسجم مع ظاهر الشرع ولا مع مقتضى العقل، لأن النصوص نفسها تشير إلى سنن ثابتة في الكون. إن الدفاع عن العلية هو في العمق دفاع عن إمكان البرهان، ودفاع عن معقولية العالم.
غير أن ابن رشد لا يختزل البرهان في بعده الطبيعي، بل يمده إلى مجال الإلهيات. وهنا تظهر جرأته الفلسفية؛ إذ يذهب إلى أن مسائل الإلهيات يمكن أن تُبحث برهانيا، شريطة الالتزام بشروط البرهان الصارمة. فهو يميز بين ما هو برهاني حقا، وما هو جدلي أو خطابي، حتى داخل الخطاب الفلسفي ذاته. وليس كل ما قاله الفلاسفة في الإلهيات برهانيا عنده. هذه الروح النقدية تكشف أن انتماءه إلى التقليد الأرسطي لم يكن انتماءً تبعيا، بل كان انتماءً تمحيصيا.
وفي سياق حديثه عن النفس والعقل، يطرح ابن رشد تصورا معقدا للعقل الفعال والعقل المنفعل، مستعيدا إشكاليات أرسطو ومفسريه. إن العقل الفعال في تأويله ليس مجرد مبدأ معرفي، بل هو شرط إمكان المعقولية ذاتها. ومن خلال هذا التصور يسعى إلى تفسير كيف يمكن للإنسان أن يبلغ العلم الكلي الضروري. فالمعقولات ليست نتاجا فرديا صرفا، بل هي اتصال بنظام كلي. هذا البعد الكوني للمعقولية يعزز فكرة أن البرهان ليس نشاطا ذاتيا معزولا، بل هو انخراط في نظام عقلي أوسع.
ولا يمكن فهم مشروع البرهان عند ابن رشد بمعزل عن رهانه السياسي الضمني. فإعلاء شأن البرهان يترتب عليه إعادة توزيع السلطة الرمزية داخل المجتمع. إذ يصبح الفيلسوف بوصفه صاحب النظر البرهاني، مؤهلا للبت في قضايا الحقيقة النظرية، بينما يحتفظ الفقيه أو المتكلم بمجاله الخاص. هذا لا يعني إقصاء أحد، بل يعني تنظيم العلاقة بين التخصصات. إن التداخل غير المنضبط بين الجدل والبرهان في نظره، يؤدي إلى اضطراب المعايير، وإلى انتشار الشبهات بين العامة. ومن هنا كان حرصه على أن يظل الخطاب البرهاني محصورا في أهله، وأن يُصان الجمهور من تأويلات قد لا يحتملها.
إن هذه الرؤية الهرمية للخطاب قد تُفهم اليوم بوصفها نزعة نُخبوية، لكنها في سياقها التاريخي كانت محاولة لحماية المعقولية من الانهيار تحت ضغط السجالات الكلامية. فقد شهد القرن السادس الهجري توترا حادا بين الفلاسفة والفقهاء والمتكلمين، وكان خطر التكفير حاضرا بقوة. في هذا المناخ، لم يكن الدفاع عن البرهان مسألة نظرية خالصة، بل كان أيضا دفاعا عن مشروعية التفلسف داخل الحضارة الإسلامية.
وإذا انتقلنا إلى البعد المنهجي، وجدنا أن ابن رشد يؤكد على ضرورة البدء من المحسوسات والانتقال منها إلى الكليات، في انسجام مع المنهج الأرسطي. غير أنه يضيف أن النظر في الموجودات هو ضرب من العبادة العقلية، لأن فيه امتثالا لأمر الشرع بالتفكر. وهنا يبلغ مشروعه ذروته: إذ يصبح البرهان بما هو نظر في العلل، ممارسة تجمع بين العقل والدين. ليست الفلسفة خصما للشريعة، بل هي تحقق لمقاصدها العليا في معرفة الحق.
إن إعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية عند ابن رشد تتجلى كذلك في طريقته في قراءة النصوص. فهو يميز بين الظاهر والباطن، وبين ما يجب حمله على ظاهره وما يجب تأويله. غير أن معيار التأويل ليس الهوى ولا الرغبة في التوفيق الاعتباطي بل هو البرهان اليقيني. فإذا قام البرهان على أمر ما وكان ظاهر النص مخالفا له، وجب صرف النص إلى معنى يوافق البرهان، لأن الحق لا يضاد الحق. هذا المبدأ يعكس ثقة عميقة في انسجام النظامين: نظام العقل ونظام الوحي.
ومن اللافت أن هذا التصور سيجد صدى واسعا في الفلسفة اللاتينية الوسيطة، حيث تلقى مفكرون مثل توما الأكويني شروح ابن رشد لأرسطو، وإن اختلفوا معه في بعض النتائج. لقد أصبح “الشارح” مرجعا في فهم أرسطو، وأسهمت قراءته في تشكيل النقاشات حول العلاقة بين العقل والإيمان في أوروبا. وهذا الامتداد يكشف أن مفهوم البرهان عنده لم يكن حبيس سياقه المحلي، بل كان جزءا من تاريخ عالمي للمعقولية.
غير أن المفارقة تكمن في أن المشروع الرشدي لم يحظ في السياق الإسلامي اللاحق بالامتداد نفسه الذي عرفه في الغرب اللاتيني. فقد تراجع الحضور الفلسفي لصالح أنماط أخرى من التفكير، وبقي البرهان في صورته الرشدية لحظة مكثفة لم يكتب لها أن تتحول إلى تقليد مؤسسي دائم. ومع ذلك فإن قيمته لا تقاس بمدى استمراره المؤسسي، بل بعمق الأسئلة التي طرحها، وبالنموذج الذي قدمه لإمكان التعايش بين الصرامة العقلية والانتماء الديني.
إن مفهوم البرهان عند ابن رشد يضعنا أمام تصور للحقيقة بوصفها واحدة في ذاتها، متعددة في طرق الوصول إليها. هذا التصور يرفض النسبية المطلقة كما يرفض الانغلاق الحرفي. فالحقيقة ليست رهينة أذواق أو سياقات، لكنها في الوقت ذاته تتجلى للناس بحسب استعداداتهم. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مراتب الخطاب، لا بوصفه تمييزا قيميا بين الناس، بل بوصفه اعترافا بتنوع القدرات.
إن البرهان عند ابن رشد هو حجر الزاوية في مشروعه الفلسفي. فهو الأداة التي بها يدافع عن الفلسفة، والمعيار الذي به ينتقد المتكلمين، والجسر الذي به يصل بين العقل والشرع. وإذا كانت الصرامة الأرسطية قد منحته الإطار المنهجي، فإن انتماءه الإسلامي منحه الأفق القيمي والروحي الذي أعاد فيه إدماج البرهان في نسيج الثقافة الإسلامية.
إن التأمل في مفهوم البرهان عند ابن رشد يكشف عن مشروع يتجاوز حدود الجدل التاريخي بين الفلاسفة والمتكلمين، ليطرح سؤالا دائما عن شروط المعقولية في أي ثقافة. فالبرهان في جوهره ليس مجرد تقنية منطقية، بل هو التزام أخلاقي تجاه الحقيقة، وحرص على أن يكون القول مؤسسا على ما يقتضيه العقل من ضرورة. ومن هنا يمكن النظر إلى المشروع الرشدي بوصفه دفاعا عن كرامة العقل، وعن حقه في أن يكون شريكا في فهم النصوص وفي تنظيم الحياة الفكرية.
لقد أدرك ابن رشد أن الحضارة التي تفقد ثقتها في البرهان تفقد قدرتها على إنتاج العلم، وتصبح عرضة للتنازع الخطابي الذي لا يحتكم إلى معيار. ولذلك كان دفاعه عن العلية وعن إمكان العلم البرهاني دفاعا عن استقرار النظام المعرفي برمته. وإذا كانت معركته قد اتخذت شكل رد على الغزالي، فإن رهانها كان أوسع من شخص أو كتاب؛ كان رهانا على مستقبل العقل في الإسلام.
إن إعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية التي أنجزها ابن رشد لم تكن دعوة إلى استنساخ أرسطو، بل كانت محاولة لإدماج الصرامة المنطقية في سياق ديني من غير أن يُضحى بأي من الطرفين. فالعقل عنده لا يستغني عن الوحي، والوحي لا يناقض العقل. والبرهان هو المساحة التي يلتقيان فيها، لأن كليهما صادر عن الحق.
وفي زمن تتجدد فيه الأسئلة حول العلاقة بين الدين والعقل، وحول مكانة البرهان في الخطاب العمومي، يظل النموذج الرشدي مصدر إلهام. فهو يذكرنا بأن المعقولية ليست ترفا فكريا، بل شرطا لسلامة التفكير، وأن الصرامة لا تناقض الإيمان، بل قد تكون تعبيرا عن عمقه. وإذا كان التاريخ قد عرف تحولات جعلت صوت البرهان يخفت في بعض المراحل، فإن إمكان استعادته يظل قائما ما دام السؤال عن الحقيقة حيا.
هكذا يتبدى مفهوم البرهان عند ابن رشد لحظة مضيئة في تاريخ الفكر، لحظة تلاقت فيها الصرامة الأرسطية مع الروح الإسلامية في تركيب فريد، أسس لمعقولية قادرة على أن تستوعب الاختلاف، وأن تحتكم إلى معيار، وأن تفتح أفقا للحوار بين العقول. وفي هذا الأفق يظل ابن رشد شاهدا على أن الفلسفة حين تتجذر في ثقافتها، لا تكون غريبة عنها، بل تكون أحد أعمق تعبيراتها عن ذاتها العاقلة.
***
د. حمزة مولخنيف






