أقلام فكرية

سامي البدري: الدوافع والافتراضات داخل غرفة الفلسفة (1)

(ماذا كان عليه ذلك الشيء الذي قمت به طيلة حياتي؟)... جيل دولوز

ما هي مهمة الفلسفة؟ يبدو سؤالاً بمنتهى السذاجة، بعد عمر الفلسفة الذي يناهز الآن ألفين وخمسمئة عام تقريباً. ولكن حقاً ما هي مهمة الفلسفة؟ عبر قراءة تاريخ الفلسفة نخلص إلى أن كل فيلسوف (تقريباً) كان قد وضع مهمة تخص رؤيته لها. وبداية من معرفة المبادئ الأولى إلى رؤية (جيل دولوز) التي حصر بموجبها مهمة الفلسفة بكونها صناعة المفاهيم (إن الفلسفة بتدقيق كبير هي الحقل المعرفي القائم على إبداع المفاهيم)، ولكن ماذا عما بعد إبداع أو صناعة المفاهيم؟ ألسنا بحاجة لأداة لاستخدام المفاهيم من أجل تحويلها إلى إجابات عن الأسئلة المعلقة التي قامت الفلسفة من أجل الإجابة عليها؟ ألم تنشأ الفلسفة من أجل تحقيق غاية وهي الإجابة على مجموعة من الأسئلة؟ وإذا ما تجاوزنا البحوث التجريدية (وهي أكثر ما يصادفنا في غرفة الفلسفة) حول معمار أو كيان الفلسفة الخارجي، ألن نخلص إلى كون الفلسفة أداة معرفية مهمتها الإجابة على مجموع الأسئلة (التي حيرت الإنسان وما تزال) حول منشئه والغاية من وجوده والنهاية التي يؤل إليها؟

في تقديري، ولأن الأسئلة التي قامت الفلسفة من أجل الإجابة عليها، مازالت معلقة ودون إجابات حقيقية، انصرف أغلب الفلاسفة (المحدثين) إلى الاشتغال حول الفلسفة (جسدها أو معمارها الخارجي) لا فيها، على أمل أن تقودهم هذه الاشتغالات (في يوم ما!) وبطريقة ما (مازال يجهلها أو يعجز أغلبهم عن تحديدها) إلى الإجابات التي ينتظرها الجميع، ولعلي لا أغالي إذا ما قلت، على أحر من الجمر.

وإذا ما تجاوزنا مرحلة التأسيس (التفسيرات الأساسية) اليونانية، سنجد كماً هائلاً من الكيانات والأجساد الفلسفية التي ملأت غرفة الفلسفة بكم هائل من المفاهيم (الساحرة واللاصفة)، ولكن من دون أن تقدم أي إجابات على الأسئلة التي قامت من أجلها الفلسفة، بل إن أغلب تلك المفاهيم قد تحول إلى ما يشبه أدوات اللهو التي حولت اهتمام الفلاسفة إلى العناية بها وإلى توليدها وتفخيمها، حتى بدت كأنها عملية تهرب من مواجهة الأسئلة الوجودية التي صارت أكثر إلحاحاً بحكم تعقد الحياة المادية والمعيشية. في حين ما كان ومازال، ينتظره أغلب البشر هو إخراجهم من نفق الأسئلة المظلم إلى حقول ومراحات الإجابات الفسيحة والمفعمة بالضوء والأنوار.

لنعد إلى أحد أهم الدوافع التي أوجزها (جيل دولوز) بقوله (ماذا كان عليه ذلك الشيء الذي قمت به طيلة حياتي؟). حقاً ماذا كان؟ درت بين عبوديتيّ العمل والشيء اليومي، فبماذا خرجت منهما، مادام الموت سينفيني إلى حفرة عميقة خارج المدينة التي يعيش فيها الذين بقوا أحياء؟ وهذا يقودنا إلى الدافع الثاني، وهو أحد الفرضيات التي تمد قدمها في كل موضع (جدل فلسفي)، ولسانها في وجوه الفلاسفة وفي كل حين، وهو سؤال: ما هو الشيء الذي يستحق أن يقوم بفعله الإنسان؟ هل هو أن يكون جزءاً صغيراً من آلة فعل الخير النهائي، كما قال هيجل، أي عبداً للعمل الغبي ولقوانين الدولة التي تقود المجموع الاجتماعي في بقعة من الأرض، والتي تسمي نفسها دولة؟

الجواب يأتينا من الروائي الروسي، فيودور ديستويفسكي، بقوله (الإنسان يجب أن يكون إنساناً، لا جزءاً من أجزاء الآلة). وطبعاً أول شروط إنسانية الإنسان هي حريته المطلقة في أن يكون ما يشاء ويفعل ما يريد، على مساحة من عراء الطبيعة، يخصه وحده (كمأوى) ويمارس فيه ما يراه من نشاط ابداعي، بحس رؤيته الشخصية وغير الموجهة من أي مجموع ومهما كانت تسميته.

وطبعاً هذا يوصلنا إلى وجه آخر من وجوه هذه القضية، ذات الوجوه التي تعددت وتفرعت بعدد وجوه نشاط الدولة ومؤسساتها، ألا وهو قضية محدودية الوعي عند القسم الأعظم من البشر، بقيمة الحرية وحقهم الذي لا يجب أن يمس فيها. وللأسف فإن هذا القسم الأعظم من البشر هو المتصالح مع قبول الحياة والعالم كما هما، أو كما سُوقت له هذه الفكرة على إنها (عالم الله) الذي يجب أن يحترم، بل ويقدس وإلى الأبد، وهذه الفكرة هي التي أنشأت القطيع الذي قامت عليه فكرة الدولة، فيما بعد.

وبتقادم سلطة الدولة وتوالد أوجه سطوتها على هذا القطيع، تحت مسمى القوانين والأمن العام ومصلحة وأمن المجتمعات وحمايتها من الأفكار الهدامة و… و...، تم تحريم وتجريم نشاط العقل النقدي والتفكير الحر وخنق (الإرادة الحرة التي لا تربكها حيرات العقل) بحسب توصيف نيتشه، أي حصر العقل وتفكيره تحت سقف حظيرة الدولة، كي يكون الرادع المنطقي، الذي لا يرقى الشك إلى نتائجه وقرارته، للإرادة الحرة التي ولد بها الإنسان. وتكبيل هذه الإرادة هو ما قاد الدولة والتجمعات الاجتماعية لمصادرة حرية الإنسان وتحويله عن فطرته إلى صيغة الحيوان الاجتماعي، الذي لا يحق له سماع صوته وحفيف تهويمات إرادته، خارج حدود معلفه.

فمنذ ظهور مؤسسة الدولة ومفاهيم الأخلاق العامة ومحدداتها، لم يعد الإنسان ملكاً لنفسه، بل لم يعد له الحق في رفض ما تقبله الدولة والمجموع الاجتماعي لنفسيهما. فلم يعد من حق الإنسان الفرد أن يجاهر بكراهية المجتمع أو كراهية الدولة أو رفض أي قرار من قراراتهما. وأيضاً لم يعد للفرد المجاهرة برفض أو الكفر بدين الدولة والمجموع الاجتماعي. بل، وهذا هو الأدهى، كل من يجرؤ على تقديم أي اعتراض لهاتين الجهتين، لا ينظر إليه إلا على أنه بقرة مسعورة (في فترة التزاوج)، ترفع ذيلها وتدور على غير هدى لتنطح أي باب وأي جدار يصادفها، بكل غباء ورعونة. وطبعاً، ووفق حكمة وصلاحيات الدولة، يكون القرار بزج هذه البقرة تحت ثور أكثر سعاراً، لتهدأ... وإلا فمصيرها الذبح.

وهذا هو أول وأخطر أمراض ما يدرج تحت يافطة النظام وبكافة أشكاله وأوجه تمظهره وفاعليته، لأنه يمثل الحرب على (نظام) الفطرة التي يولد عليها الجميع ويجب أن يمارسوا الحياة وفق سننها. فوفقاً لسنن الفطرة، من حق الإنسان، بل ويجب عليه، أن يعيش ويتصرف وفق دوافعه الفطرية لا وفق أساليب وطرق (قوانين ومحددات) تفرض عليه من خارج حاجاته وقناعاته الذاتية الفطرية. وهذا ما أكده المسيح، كما يروي الإنجيل، (وهو يشرح ولادة الفضيلة من الحرية) بقوله (أخبركم بأنه لا يمكن أن توجد فضيلة إذا لم نعص هذه الوصايا العشر)، وكما يعلق الشاعر، وليم بليك على هذا، فهو يفسره بالقول (لقد كان المسيح يمثل الفضيلة ذاتها، ولهذا فهو عمل وحث على العمل وفق دوافعه، لا على ضوء القواعد والوصايا).

الغريب أننا لا نجد قبولاً لهذا القول أو الحكمة اليوم، حتى بين أتباع المسيح ذاته، وخاصة بين أتباعه الأوربيين، صناع نظام الدولة والحضارة الحديثتين، ببساطة لأن مثل هذه الحكمة تأتي على الضد من نزعة السيطرة التي تحكم زعماء دول هذه القارة، رغم أنهم يعرفون أن هذا يأتي على الضد من حرية الإنسان في التعبير عن ذاته، وهو أول مظاهر حريته الفردية. والجدير بالذكر هنا هو أن حرمان الإنسان من التعبير عن حيويته الطبيعية وحريته في الاختيار وتجسيد هذا الاختيار وإشباع الحاجة للتعبير عن الذات واستقلاليتها من خلاله، هو أحد أول وأهم الأسباب التي تدفعه باتجاه الجريمة للتعبير عنهما. وهذا ما عبر عنه كولن ولسن بقوله (إذا لم يستطع الإنسان أن يعبر عن ذاته، راحت حيويته تبحث عن مخرج لنفسها في الجريمة أو العنف)، وهذا ما يدلل على صحة مقولة، جان بول سارتر (الإنسان محكوم بالحرية).

ولعل الشاعر (وليم بليك) كان الأكثر جرأة والأطول باعاً في التعبير والحث على قضية التمسك بحرية الإنسان والتعبير عنها (التعبير الذاتي أو التعبير عن الذات)، في مواجهة سلطة الدولة وما تفرض من قوانين وبروتوكولات، تحت يافطة النظام العام والأخلاق والسلم الاجتماعي و... بقوله، الذي لا أظن قصده حرفياً بقدر ما قصد منه الحث على التمسك بالحرية وحق التعبير عن الذات (اقتل طفلاً في مهده، فذلك أفضل من كبت رغبة غير محققة)!

***

د. سامي البدري

 

في المثقف اليوم