أقلام فكرية

سامح مرقس: التفكير النقدي الطريق الامن للفهم والمعرفه

يهدف التفكير النقدي إلى تفسير المعلومات وتحليلها وتقييمها. وهو أداة أساسية للبحث والاستقصاء، وللفهم العميق، ولتحسين موضوعية القرارات. والمفكر النقدي المثالي هو شخص فضولي بطبيعته، واسع الاطلاع، منفتح الذهن، صادق في مواجهة تحيزاته الشخصية، حكيم في إصدار الأحكام، مجتهد في البحث عن المعلومات، ومثابر في السعي لتحقيق نتائج دقيقة. كما يتميز المفكر النقدي بالوضوح في صياغة الأسئلة؛ والقدرة على تنظيم المواضيع المعقدة؛ والمثابرة في الحصول على المعلومات الأساسية؛ والمعقولية في اختيار وتطبيق المعايير؛ والالتزام بالدقة. ويجب ان نكون علي حذر من المفكر النقدي الغير اخلاقي الذي يستخدم قدراته العقليه والتحليليه لتضليل الجمهور، او تشويش الفكر، او عرقله المشاريع .

يتطلب التفكير النقدي حريه الفكر، والموضوعيه، واستخدام كيف ولماذا في تحليل جميع الامور، وتحديد اسباب الموافقه او الرفض، واستكشاف إمكانية وجود تفسيرات بديلة. ويتجنب التفكير النقدي الاعتماد على العواطف والمشاعر، أو اختيار موقف فكري لمجرد أنه أكثر قبولاً لدى الآخرين.

إن التفكير النقدي يعيقه التفكير الثنائي من منظور أبيض وأسود، والاعتقاد بوجود حل واحد فقط، ورفض آراء الآخرين، والموافقة التلقائية على تفكير المجموعة، وآراء أصحاب السلطة دون أي دراسة، والمعتقدات الدينية، والقيم العائلية، والانتماءات القبلية. يتطلب تجاوز هذه العقبات استخدام آليات التفكير النقدي، والتي تشمل: فهم الموضوع ووصفه بموضوعية، والتمييز بين الفكرة الرئيسية والأفكار الفرعية عند دراسة أي موضوع، وترتيب جميع الأفكار المطروحة بطريقة منظمة، وتحديد أسباب دعم الفكرة الرئيسية. من الضروري أيضًا التحقق من دقة المعلومات مع تقييم مصداقية مصدرها، وما إذا كانت الأدلة تدعم الاستنتاج المطروح بشكل قاطع أم أنها مجرد دليل على مستوى عالٍ من الثقة.

ينبغي شرح نتائج التفكير النقدي بأسلوب مقنع وواضح، مع تقديم شرح وافٍ للمنهجية المستخدمة في التوصل إلى هذه النتائج والمراجع التي تم الاستناد إليها. ومن الضروري أيضاً ضمان المصداقية والحيادية التامة. علاوة على ذلك، من المهم القدرة على تعديل التفكير عند اكتشاف معلومات جديدة، أو أخطاء في المنهج التحليلي، أو إغفال معلومات مهمة.

يُعدّ التفكير النقدي ضروريًا عند التعامل مع إجابات الذكاء الاصطناعي لضمان دقتها. لذا، يجب تعزيز الرقابة العلمية والثقافية على مصادر تدريب الذكاء الاصطناعي لمنع انتشار المعلومات المضللة الناتجة عن أخطاء في أنظمة الذكاء الاصطناعي، والتي لا يمكن اكتشافها إلا من قِبل ذوي المعرفة المتعمقة بموضوع البحث، القادرين على التمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة. كما أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يضعف مهارات التفكير النقدي ويؤدي إلى تدهور مهارات البحث والتحليل، بالإضافة إلى خلق فجوة معرفية بين أولئك الذين يمتلكون أدوات الذكاء الاصطناعي وأولئك الذين تم استبعادهم منها، مما يؤدي إلى تعميق عدم المساواة المعرفية بين الدول والفئات الاجتماعية المختلفه.

يُعتبر التفكير النقدي منهجاً أساسياً في التعليم. لم تعد فلسفة التعليم الحديثة تركز على نقل المعلومات فحسب، بل على تنمية العادات الذهنية لخدمة المجتمع، والاهتمام بالصالح العام، وغرس الشعور بالمسؤولية الاجتماعية.

إن التعليم الجيد ينتج عنه المفكر النقدي النابه القادر على طرح الأسئلة بوضوح، وتنظيم المواضيع المعقدة، والمثابرة في اكتساب المعلومات على الرغم من الصعوبات، وممارسة العقلانية والدقة في اختيار وتطبيق المعايير. وقد اشار مارتن لوثر كينج المناضل الأمريكي العظيم في مجال الحقوق المدنية وانهاء التمييز العنصري ضد السّود، الي اهميه التعليم في إنقاذ الإنسان من مستنقع الدعاية، واكتساب القدره علي غربلة الأدلة وتقييمها، وتمييز الحق من الباطل، والواقع من الوهم، والحقائق من الخيال، لأن وظيفة التعليم هي تعليم المرء التفكير العميق وممارسه التفكير النقدي.

ختاماً، يُعدّ التفكير النقدي من أهم المهارات العقليه في العصر الحديث، إذ يمكّن الأفراد من التعامل مع سيل المعلومات بوعي، والتمييز بين الحقيقة والخيال، واتخاذ قرارات مدروسة بناءً على تحليل الأدلة بدلاً من الانجرار وراء العاطفة أو الضغوط الاجتماعية. وهو ضروري لمكافحة التضليل الإعلامي والمعلومات المغلوطة في وسائل الإعلام والفضاء الرقمي.

كما أنه يعزز الإبداع من خلال تمكين الأفراد من النظر إلى المشكلات من زوايا متعددة، ويرتقي بجودة الخطاب العام، وبناء ثقافة نقاشية صحية في المجتمع. علاوة على ذلك، يدعم التفكير النقدي التعلم المتعمق بدلاً من الحفظ عن ظهر قلب، مما يطور مهارات التفكير لدى الطلاب ويعزز استقلاليتهم الفكرية، ويمنعهم من الخضوع للسلطة أو الجماعة دون وعي.

من أقوال الكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي، الذي يُعتبر أحد أعظم الكتّاب وأكثرهم تأثيراً على مرّ العصور: "المفكرون الأحرار هم أولئك المستعدون لاستخدام عقولهم دون تحيّز أو خوف لفهم الأمور التي تتعارض مع عاداتهم أو امتيازاتهم أو معتقداتهم. هذه الحالة الذهنية ضرورية للتفكير النقدي.“ وكما قال نعوم تشومسكي، المفكر الأمريكي والناشط السياسي وعالم اللغويات: "لا تأخذوا الأمور كأمر مسلم به. ابدأوا بالتشكيك في أي شيء يعتبر حكمة تقليدية، وكونوا مستعدين لطرح أسئلة حول ما يعتبر أمراً مسلماً به، وحاولوا التفكير النقدي في الأمور بأنفسكم“.

اختتم المقال باقتباس من هوارد زين، المؤرخ والناقد الاجتماعي الأمريكي، حول مسؤولية المثقفين في نشر المعرفة ومنهج التفكير النقدي: "لدينا جميعًا مسؤولية هائلة تتمثل في لفت انتباه الآخرين إلى المعلومات التي لا يملكونها، والي اسلوب التفكير النقدي، وحثهم علي إعادة التفكير في التقاليد والأفكار التي طالما تمسكوا بها“.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

في المثقف اليوم