عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

رمزي ميركاني: ىطقوس المبدعين بين الغرابة والجنون

ليست الكتابة مجرد رصٍّ للكلمات أو تدوينٍ للأفكار، بل هي كما وصفها الأديب الجزائري (مرزاق بقطاش): «قفزة في الظلام». هذا الظلام الذي يكتنف عقل المبدع قبل ولادة النص، يتطلب أحياناً تمائم خاصة أو سلوكيات غريبة لتبديد عتمته. إن عالم الأدباء العباقرة مليء بالغرائب التي قد تبدو للرجل العادي نوعاً من الهذيان أو مساً من الجنون، لكنها بالنسبة للمبدع هي الجسر الضروري للعبور من الواقع الرتيب إلى فضاء الوجدان الخالص.

العزلة القسرية والتحرر من قيود الثياب

ولعل أحد أشهر هذه الطقوس ما كان يمارسه الروائي الفرنسي الكبير (فيكتور هوغو)، فلكي يضمن عدم مغادرة منزله والانشغال بالحياة الاجتماعية أثناء كتابة "أحدب نوتردام"، كان يأمر خادمه بإخفاء ملابسه تماماً، ليجد نفسه مضطراً للبقاء عارياً أو ملتحفاً بشال بسيط، محاصراً بين جدران غرفته ومحبراً لوضع اللمسات الأخيرة على روائعه. لم يكن هوغو الوحيد في هذا المضمار، فقد شاركه (د. هـ. لورانس) هذا الطقس، حيث كان لا يجد إلهامه إلا وهو في حالة عري تام، كأنما يتخفف من أعباء الحضارة ليتحد مع فطرته الأدبية.

الموت كمنبع للحياة: التوابيت والتفاح الفاسد

في جانب أكثر سوداوية، نجد الكاتبة (إديث سيتويل)، التي كانت تشحذ خيالها بالاستلقاء داخل تابوت مفتوح قبل البدء في الكتابة، وكأنها تستحضر رهبة الموت لتمنح نصوصها حياة أبدية. أما الشاعر الألماني (فريدريش شيلر)، فقد كان يحتفظ بتفاح متعفن في درج مكتبه؛ إذ كان يدعي أن رائحة العفن القوية هي التي تحفز طاقته الإبداعية وتدفعه للغوص في أتون الفكرة. هذه الروائح والأجواء الجنائزية لم تكن ترفاً، بل كانت ضرورة بيولوجية ونفسية لاستنهاض شياطين الكتابة لديهم.

هندسة الجسد والمكان: الكتابة بالمقلوب ووقوفاً

تعد وضعية الجسد أثناء الكتابة طقساً مقدساً لدى البعض؛ فالروائي الأمريكي (دان براون) يعتمد "العلاج بالمقلوب"، حيث يعلق قدميه ويتدلى برأسه إلى الأسفل لاستجماع أفكاره، معتبراً أن هذه الوضعية تساعده على كسر الجمود الفكري ورؤية العالم من زوايا مغايرة. وبالمقابل، نجد (إرنست همينغواي وجيمس جويس وألبير كامو) يشتركون في طقس "الكتابة واقفاً"، بل إن (همينغواي) كان ينتعل حذاءً أكبر من مقاسه ليضيف لمسة من التوتر الجسدي المحفز. أما (مارك توين ونابوكوف)، فقد فضلا السرير كمهد للإبداع، حيث كان (نابوكوف) يدون أفكاره على بطاقات صغيرة يضعها تحت وسادته حتى لا تضيع منه فكرة في منامه.

الماء.. رفيق الجريمة والإلهام

رائدة أدب الجريمة (أجاثا كريستي) كانت ترفض المكاتب الفخمة، وتفضل غمر جسدها في حوض الاستحمام (البانيو) لساعات، تتناول التفاح وتفكر في حبكاتها المعقدة؛ فالماء بالنسبة لها كان يغسل الواقع ليظهر مكانه مسرح الجريمة بوضوح. أما (جيمس جويس)، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ لم يكن يكتب إلا على متن سفينة تجنح أو تشرف على الغرق، وكان يدفع المال للقباطنة ليضعوه في تلك الحالة النفسية المتوترة التي تسبق الكارثة، ليستخرج من رحم الخطر أعمق نصوصه.

كيمياء التركيز: القهوة والألوان والحيوانات

لا يمكن الحديث عن طقوس الكتابة دون ذكر "ماراثونات القهوة"؛ فـ(أونوريه دي بلزاك وفولتير) كانا يستهلكان كميات جنونية تصل إلى 50 فنجاناً يومياً للحفاظ على يقظة ذهنية متقدة. وبجانب الكيمياء، هناك اللون؛ إذ كان (ألكسندر دوماس الابن) يخصص لكل جنس أدبي لوناً (الأزرق للرواية، الوردي للمقالات، والأصفر للشعر). أما (إدغار آلان بو)، فكان لا يكتب إلا وقطته تستقر على كتفه، وكأنها وسيط روحي ينقل له الكلمات من عالم مجهول.

الغرابة السريالية: قفص فيرجينيا وولف

ربما يكون أغرب ما ذُكر هو ما نُسب للكاتبة (فيرجينيا وولف)، التي قيل إنها لم تكن تكتب إلا وأمامها قفص فيه رجل يتوسل إليها للخروج، وهي تقابله بالرفض الصارم لتفرغ شحناتها النفسية وهواجسها في ورقها. وسواء كانت هذه الرواية دقيقة أو مبالغاً فيها، فإنها تعكس الحالة النفسية المعقدة التي يمر بها المبدع، حيث يصبح العالم الخارجي مجرد أداة لخدمة النص الداخلي.

خاتمة: جنون المبدع أم ذكاؤه؟

إن هذه الطقوس، من مواجهة الحائط لدى (فرانسين بروس)، إلى الصمت المطبق في غرفة فندق خالية لدى (مايا أنجيلو)، تؤكد أن عملية الإبداع ليست سلوكاً منطقياً. إنها حالة من اللاوعي المنظم تخرج المبدع من سجن الواقع لتقذفه في فضاء الخيال. قد يصدم القارئ العادي حين يسمع عن كاتب يغسل قلمه بالماء كـ(عبد الرحمن الظاهر)، أو آخر يكتب وهو يرتدي ملابس الميكانيكي كـ(ماركيز)، لكن الحقيقة تظل أن هذه الغرابة هي الثمن الذي يدفعه العباقرة مقابل تلك "القفزة في الظلام" التي تأتي إلينا بنتاج أدبي يخلد أسماءهم ويغير وجه التاريخ. فخلف كل نص عظيم، ثمة طقس غريب، وربما قليل من الجنون الجميل.

***

رمزي ميركاني

في المثقف اليوم