الهايكو قصيدة يابانية شديدة التكثيف، خرجت من الهوكّو، المقطع الافتتاحي في الشعر الياباني المترابط. وكان الهوكّو، قبل أن يستقلّ بنفسه، يفتح الباب لقصيدة يشارك في بنائها أكثر من شاعر. ومع ماتسو باشو، في القرن السابع عشر، بلغ هذا الفن من الصفاء والعمق ما جعله أكبر من مجرّد استهلالٍ لقصيدة، وصار قادراً على أن يحمل، في ومضة قصيرة، عالماً كاملاً من النظر والإصغاء والدهشة.
أما اسم الهايكو بصورته الحديثة، فقد ترسّخ في أواخر القرن التاسع عشر مع الشاعر والناقد الياباني ماساوكا شيكي، الذي أسهم في تحرير هذا الفن وتجديد النظر إليه.
لكنني لا أريد أن أدخل إلى الهايكو من باب تاريخه وحده، ولا من باب قوانينه وعدد وحداته الصوتية. فالقصيدة، حين تسافر من لغة إلى أخرى، لا تحمل معها المسطرة ذاتها.
ما يعنيني فيه شيء أبسط.
أن ترى.
أن تصغي.
أن تترك للحظة حقَّها في أن تكون لحظة، قبل أن يفسدها التفسير.
وربما يحتاج قارئ الهايكو إلى أن يستعيد شيئاً من طفولته، من البراءة التي كانت تجعل الأشياء أكبر من أسمائها، ومن الدهشة التي تسمح للقمر بأن يكون وجهاً، وللشجرة بأن تكون ذاكرةً، وللثلج بأن يسقط خارج النافذة وفي داخلنا معاً.
لا تبحث دائماً عن المعنى.
فالمعنى أحياناً يأتي متأخراً، بعد أن تكون الصورة قد عبرت.
وبين مقطعٍ وآخر، أحب أن أتخيّل ضربةً واحدةً من وتر الكوتو الياباني. رنّةً قصيرةً، صافيةً، ثم صمتاً.
فربما كان الصمت، في هذا النوع من الشعر، سطراً رابعاً لا يُكتب.
هذه النصوص لا تدّعي أنها هايكو ياباني خالص، ولا تريد ذلك. بعضها يقترب منه، وبعضها يبتعد عنه نحو السخرية أو الحلم أو الحكمة أو المفارقة.
إنها تقف فقط...
على تخوم الهايكو
كيف يكون لهذا القمر
شمسانِ صغيرتانِ
تتدلّيان من أذنيه؟
*
لا طريقَ واضحاً
يوصلني
إلى حيث أقف.
*
مستسلمون لخَدَر النسيان اللذيذ...
تلمسنا الأرائك كما نلمسها،
وتحسُّ بنا كما نحسُّ بها.
*
شجرةُ التوت خضراءُ في الذاكرة...
خلف النافذة
يتساقط الثلج.
*
الزوجةُ الكبرى تمشي بعكّاز...
الوسطى والتي تليها تفسحان لها الطريق،
والرابعة، أصغرهنّ، تضحك.
*
هرمتِ السنديانةُ
التي كبرتِ المدينة حولها...
شاع الخبر في الشتاء، بين طالبي الحطب.
*
قطيفة، قطّي العجوز، فقد ذاكرته...
وعلى الحائط ساعةٌ كقلب المسيح المفتوح،
نسيت دقّات الوقت.
*
عزفوا ألحاناً رائعةً من بعيد...
رقص الفقراء على الأنغام.
فالفرح لا يطلب مليماً.
*
الرجل العجوز يخطو على مهل،
ثم يجلس على صخرةٍ حيث يروقه...
منذ أن نسيته العيون، صار كلُّ مكانٍ مقعداً له.
*
الحكومة تراقب المدينة...
اختفت المدينة.
ظلّت عيون العسس مفتوحة.
*
الذباب فوق القمامة...
يحتشد على صفحات الجريدة.
أخبار الأمس... وليمة اليوم.
*
يطلع الفجر...
تذوب ألوان الليل.
الحاضر وحده يضيء.
*
على المسرح يتقن كلَّ الأدوار...
يعود إلى البيت،
فينسى دورَ نفسه.
*
وشاحٌ أبيض...
يستر قداسةَ اللوحة
قبل أن ترتكب الفرشاة أول حماقة.
*
تنجرف مع تيّار الشلّال
نحو الهاوية...
فناءٌ يفتن غفوةَ الصخور.
*
بمفاتيحَ صدئة...
يفتح الناس
أبوابَ الحاضر.
*
حكمةٌ عن الرضا
في ورقة حلوى صينية...
الصغار جياع، والشمس تميل إلى الغروب.
***
فؤاد ميرزا بغدادي
....................
* الصورة: آلة الكوتو اليابانية.








