يتجدد بين الحين والآخر السؤال التالي "هل يحق للفنان ممارسة الكتابة النقدية"؟ مع كل تجربة فنية جديدة: هل يستطيع الفنان أن يكون ناقداً في الوقت نفسه، أم أن اقترابه من العمل الإبداعي يجعله أسيراً لذائقته الخاصة وغير قادر على إصدار أحكام موضوعية؟
إن العلاقة بين الفن التشكيلي والنقد ليست علاقة تناقض، بل علاقة تكامل معرفي وجمالي. فالفنان لا ينتج عمله في فراغ، وإنما يستند إلى ثقافة بصرية وتجارب وأسئلة فكرية تجعله أقرب الناس إلى فهم آليات العمل الفني. لذلك فإن ممارسة الفنان للكتابة النقدية تمنحه فرصة للكشف عن خفايا التجربة الإبداعية، وتوضيح الأساليب التقنية والرؤى الفكرية التي قد تغيب عن المتلقي العادي. وكثير من التحولات الكبرى في تاريخ الفن الحديث ارتبطت بفنانين كتبوا عن تجاربهم وعن مفاهيم الفن والجمال، فأسهموا في تأسيس تيارات ومدارس جديدة في العراق. أو أشاعوا الوعي الفني لدى الجمهور.
نذكر منهم على سبيل المثال: نوري الراوي، شاكر حسن آل سعيد، جبرا إبراهيم جبرا، جميل حمودي، محمود صبري، ضياء العزاوي، شوكت الربيعي، يحيى الشيخ، علي النجار، موسى الخميسي، عادل كامل، خالد خضير الصالحي. وآخرون.
لكن في المقابل، يواجه الفنان ـ الناقد إشكالية أساسية تتعلق بالحياد. فالفنان غالباً ما يكون منحازاً إلى أسلوبه أو جيله أو رؤيته الخاصة، مما يدفعه إلى تمجيد تجارب تشبهه وإقصاء تجارب أخرى تختلف عنه. ومن هنا تظهر أهمية التوازن بين الحس الإبداعي والمعرفة النقدية. إذ لا يكفي أن يكون الإنسان فناناً كي يصبح ناقداً، بل يحتاج أيضاً إلى أدوات تحليلية وثقافة فلسفية وتاريخية تساعده على تجاوز الانطباع الشخصي نحو قراءة أعمق وأكثر اتساعاً.
كما أن النقد الفني ليس مجرد إصدار أحكام بالمدح أو الذم، بل هو عملية تفسير وتأويل وكشف للعلاقات الجمالية والفكرية داخل العمل الفني. والفنان الذي يكتب نقداً يمتلك ميزة إضافية تتمثل في معرفته الدقيقة بتقنيات الإنتاج الفني، الأمر الذي يسمح له بقراءة التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها الناقد الأكاديمي البعيد عن الممارسة العملية. ولهذا يمكن للفنان أن يقدم نوعاً من "النقد من الداخل"، أي النقد الذي ينبع من التجربة الحية لا من التنظير المجرد.
وفي المشهد الثقافي العربي، كثيراً ما أسهم الفنانون التشكيليون والشعراء والروائيون في إثراء الحركة النقدية، لأن الإبداع الحقيقي يولّد بالضرورة أسئلة فكرية وجمالية. فالفنان عندما يكتب عن الفن لا يدافع فقط عن تجربته الشخصية، بل يشارك في صياغة الوعي الثقافي العام، ويساعد على بناء ذائقة جديدة لدى المتلقي.
يبدو الأمر مألوفاً في تاريخ الفن الأوربي، فالفنانون أنفسهم هم الذين أسسوا للنقد والكتابة التشكيلية، وكانوا المنظّرين للتيارات والمدارس التي أبدعوها. حتى نكاد لا نجد فناناً لا تضم المكتبة النقدية إحدى إصداراته. للفنان "فازاريللي" مكتبة عن الفن البصري لا تقل أهمية عن خصوبة انتاجه في الرسم. كذلك هو شأن "بول كلي" و "كاندينسكي". أما بيكاسو وبراك فقد وضعا أسس التكعيبية، كذلك فرناند ليجيه، وهنري ماتيس. بينما يختلف الأمر بالنسبة إلى فناني البلدان العربية، تعاف أنفسهم الكتابة، يترفعون عنها بدعوى أن هناك حدوداً بين النشاطين العملي والنظري، بدعوى أيضاً أنها لا تخلو من النرجسية ومغازلة الأنا والذات المبدعة قد يبدو هذا القول معقولًا، غير أنه يخفي سؤالًا صارخًا يمكن صياغته كالتالي: إلى أي حدّ يمكن للتشكيلي الناقد أن ينسلخ عن أحادية تجربته الشخصية، ومن ثم عن نرجسيته الفنية، كي يقوّم تجارب الآخرين؟ فالممارسة النقدية مهما كانت "موضوعيتها" الموهومة هي تجربة ذاتية.
قد يقول قائل إنه ليس ثمة أفضل من التشكيلي، دارس الفن التشكيلي الحديث، ومعرفته في تاريخ الفن، وممارسته له، من أن يتصدى لتجربته الإبداعية. بيد أن أغلب من يجمعون بين ممارسة الإبداع التشكيلي والنقدي يدعوننا، ضمناً ومن باب المقارنة، إلى تقويم علاقة إبداعهم بكتابتهم النقدية. من ثمّ، نحن نجد من بينهم من يقدّم لنا في المجالين معًا تجربة إبداعية ونقدية متواضعة، وهؤلاء هم الغالبون في الساحة النقدية العربية ومن يكتسحون صفحات الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية. وأغلبهم ممارسون للصحافة الفنية. ومنهم من يقدّم لنا تجربة تشكيلية رصينة، وبالمقابل ممارسة نقدية خصبة، وما أقل هذا الصنف..
إن حق الفنان في ممارسة الكتابة النقدية لا ينبغي أن يكون موضع شك، لأن الإبداع والنقد وجهان لعملية ثقافية واحدة. غير أن نجاح الفنان كناقد يتوقف على قدرته في التحرر من الذاتية الضيقة، والانفتاح على التجارب المختلفة، واعتماد رؤية معرفية تتجاوز المجاملة والانفعال. وعندما يتحقق هذا التوازن يصبح الفنان الناقد صوتاً مهماً يربط بين التجربة الجمالية والتأمل الفكري، ويمنح الثقافة الفنية عمقاً وحيوية أكبر.
***
د. جمال العتّابي








