عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

احمد عابر: أوركون.. مرثية الصمت

أسماء ليس لنا إلا ألفاظها

أما معانيها فليست تعرف

معروف الرصافي

تأتي هذه الأبيات كمدخل مؤلم لفهم المآسي الإنسانية التي تتجاوز قدرة اللغة على الاحتواء. فالكلمات مهما بلغت فصاحتها، تظل قاصرة أمام تجارب الألم العميقة؛ إذ تتحول المفاهيم الكبرى كـ"النزوح"، "الفقد"، و"النجاة" إلى ألفاظ مجردة لا تعكس الثقل الحقيقي لما يعيشه الإنسان في لحظة الانكسار.

ومن هنا يصبح الفن – لا اللغة – الوسيلة الأصدق لنقل تلك المعاني. لوحة "أوركون" هي واحدة من هذه اللحظات التي تنفلت من قيود التعبير اللغوي لترى وتحس أكثر مما تقال.2655 ahmad

تمثل لوحة "أوركون" للفنان القيرغيزي دانيار جولدوشبيكوف مرثية بصرية لواحدة من أكثر الفصول مأساوية في تاريخ آسيا الوسطى. حيث يعاد استحضار نزوح الشعب القيرغيزي عام ١٩١٦ عبر جبال تيان شان.

في قلب اللوحة تحتضن امرأة طفلها وسط الثلوج، في صورة تختزل الألم الإنساني في اصعب صوره.

الأم هنا ليست عنصر بصري فقط بل رمز للأنسانية باعمق جروحها، والطفل هو براءة تلقى في محرقة القسوة البشرية.

أما الأجساد الساقطة حولها فهي ليست مجرد عناصر درامية، بل علامات صامتة على الثمن الباهظ للبقاء في ظل احلام الامبراطوريات و رجالها و المصفقين لها .

في الخلف تمتد قافلة بشرية لا تنتهي، لتؤكد أن المأساة لم تكن فردية بل جماعية، وأن الألم كان ممتدا بامتداد الأفق.

تهيمن على اللوحة ألوان باردة يغلب عليها الأبيض والرمادي، ما يخلق إحساسا بالجمود والفراغ.

الثلج لا يستخدم كخلفية فحسب بل كعنصر ضاغط يبتلع الأجساد ويكتم الأصوات.

تتوزع الشخصيات بين السكون والحركة: في المقدمة سكون الموت أو الإنهاك؛ وفي الخلف حركة بطيئة لقافلة تسير نحو المجهول.

هذا التباين يخلق توترا بصريا يعكس صراع الحياة والموت.

تفاصيل الملابس الثقيلة والانحناءات الجسدية والوجوه المنكسرة؛ كلها تشير إلى مقاومة الإنسان في وجه بيئة لا ترحم و بشر لا يرحمون.

كما أن التلاشي التدريجي للأشكال في الضباب يمنح اللوحة بعدا زمنيا وكأن المشهد يمتد خارج حدود اللحظة.

وهنا تستدعي هذه الصورة، بكل ما فيها من عزلة وصمت ما عبر عنه دوستويفسكي على لسان أحد أبطاله حين قال:

"لم أطلب يداً تمسح دموع الفزع ولم أوقظ أحدا ليعانقني كي أهدأ... لقد عشت أسوأ اللحظات بمفردي."

 يتحول هذا الاعتراف في سياق لوحة "أوركون" من مونولوج داخلي إلى حالة بصرية.

فالأم الجاثية لا تلتفت باحثة عن معين وملامحها المطمورة بالبرد لا تحمل رجاء المساعدة.

يضاعف الفنان هذا الإحساس بالعزلة عبر تكوين يطوق الشخصية بمساحات شاسعة من البياض فلا يظهر في محيطها القريب سوى السكون أو الأجساد الهامدة.

بهذا تصبح اللوحة تجسيدا لقدر مجابه وحيدا.

 ليس فقط لأن من حولها قد سقطوا بل لأن حجم الكارثة يفوق طاقة الكلمات أو إيماءات المواساة.

وعلى الجانب الآخر من المشهد، حيث تمتد القافلة البشرية كخط متعرج يخترق بياض الثلج يمكننا أن نستعين بكلمات فيكتور هوغو لنقترب من فهم ما يجري:

 "بعض الأفكار صلوات! هناك لحظات تكون فيها النفس جاثية على ركبتيها مهما كان وضع الجسد."

في لوحة "أوركون" نلاحظ فعلا هذا التطابق بين هيئة الجسد وهيئة الروح. فأجساد النازحين المثقلة بالبرد والجوع تمضي إلى الأمام منحنية تحت وطأة الطبيعة لكن وضعية هذا الانحناء تتجاوز كونها مجرد تعب عضلي لتصبح أقرب إلى هيئة المتضرع.

لقد حول جولدوشبيكوف المسيرة الجماعية إلى ما يشبه طقسا صامتا. كل شخص في القافلة البعيدة رغم حركته الظاهرية يبدو في حالة ركوع داخلي.

التلاشي التدريجي للأشكال في ضباب الأفق لا ينفي وجودهم، بل يمنحهم حضورا يتجاوز اللحظة التاريخية المحددة. هنا لا تطلب النفوس الخلاص من عدو مرئي بل تتجه بصمتها نحو كون صامت.

ينتمي دانيار جولدوشبيكوف إلى تيار فني يجمع بين الواقعية التعبيرية واستلهام الذاكرة التاريخية. لا يكتفي بنقل الحدث كما هو، بل يعيد تشكيله من خلال حس إنساني عميق يجعل من اللوحة تجربة شعورية لا مجرد توثيق بصري.

تتسم أعماله بالتركيز على الإنسان في لحظات الانكسار مع استخدام مدروس للضوء واللون لإبراز الحالة النفسية. يمكن القول إن فنه يقف عند تقاطع بين التوثيق والتأمل حيث تتحول اللوحة إلى مساحة للتفكير في التاريخ لا مجرد استعادته. إن "أوركون" ليست فقط عملا فنيا بل حقا اللوحة موقف أخلاقي من الذاكرة ومحاولة لإعطاء صوت لمن صمتوا و فقدوا بين الثلج.

نعود إلى معروف الرصافي الذي بدأنا به:

أسماء ليس لنا إلا ألفاظها

أما معانيها فليست تعرف.

 تقف لوحة "أوركون" شاهدا على صدق هذه الرؤية الشعرية. فمهما أمعنا في وصف النزوح و الفقد تظل هذه الألفاظ قاصرة عن ملامسة جوهر ذلك الرضيع الذي تيبست أطرافه في حضن أمه أو تلك الأنفاس الأخيرة التي اختلطت بذرات الثلج. الفن هنا لا ينقل المعنى فحسب بل يمنحه نبضا ويجعلنا شركاء في الوجع لا مجرد متفرجين على مشهد.

بعد هذه الرحلة في تفاصيل الوجع البصري يبقى السؤال معلقا:

هل نكتفي بترديد الأسماء المجردة للمآسي، أم أن نظرة صادقة إلى لوحة مثل "أوركون" قد تعيد للكلمات ما فقدته من ثقل المعنى؟

***

د احمد عابر