في عام 1999، خرجت من مكتبة صغيرة في الموصل وأنا أحمل شيئا يشبه المخاطرة أكثر مما يشبه الكتاب. كانت مجموعتي الشعرية الأولى قد خرجت للتو من المطبعة، على نفقتي الخاصة، في بلد كان يعيش حصارا دوليا وحشيا، حتى إن أبسط الأشياء كانت تبدو وكأنها تحتاج إلى إذن كي توجد. لم أكن أعرف آنذاك ماذا سيحدث للكتاب، ولا كم نسخة ستجد طريقها إلى القراء، ولا حتى إن كنت سأظل أتعامل مع الشعر بالطريقة نفسها بعد سنوات.
كنت أعرف شيئا واحدا فقط: أن الكتاب يحمل زمنا كاملا في داخله.
من الصعب أن يكتب المرء في العراق آنذاك من دون أن يدخل الحصار إلى النص، حتى لو لم يذكره. يتسلل إلى النفس، وإلى العلاقات، وإلى الأشياء الصغيرة، وإلى الخوف من الغد، وإلى تلك القدرة الغريبة التي يكتسبها الإنسان حين يعيش طويلا وسط النقص. لذلك جاءت المجموعة محملة، من حيث مناخها النفسي والإنساني، بذلك الزمن. واليوم، حين أعود إلى قصائدها، أشعر أنني أرى كاتبها القديم من مكان آخر. لقد تجاوزت تلك المرحلة في فهم الشعر، لغة وأسلوبا ورؤية، كما يتجاوز المرء غرفة عاش فيها طويلا، ثم يكتشف، بعد سنوات، أنها كانت أضيق مما كان يظن.
لكن هناك شيئا في ذلك الكتاب لم أتجاوزه. كان على الغلاف رُسِم باللون الأسود، وفي الداخل تخطيطات سوداء أخرى، كلها من عمل لوثر إيشو. وحين أفكر في المجموعة الآن، لا أجد أن أكثر ما يشدني فيها هو ما كتبته أنا، بل ما رسمه هو.
أقول ذلك لا انتقاصا من النصوص الشعرية، وإنما لأن السنوات أعادت ترتيب الأشياء في الذاكرة. تغيرت علاقتي بالنصوص، أما خطوط إيشو فبقيت بالنسبة إلي كما هي: شهادة على فنان يعرف أن الخط ليس مجرد أثر على الورق، وأن اللون الأسود يمكن أن يكون أكثر من لون.
كان إيشو يرسم بقلم الروترنك، ويستطيع بهذه الأداة البسيطة أن يصنع عالما شديد التعقيد. خط دقيق يقود إلى خط آخر، وكثافة تتجاور مع فراغ، ومساحات تبدو ساكنة فيما هي، في الحقيقة، مشحونة بحركة خفية. لم تكن أعماله الداخلية شروحات بصرية للقصائد، ولم يحاول أن يرسم ما تقوله الكلمات. كان يفعل شيئا أصعب: يدخل في حوار معها.
سلمته المخطوط وأنا أشعر بشيء من القلق. فأنا أعرفه جيدا بما يكفي لأعرف أن الثقافة وحدها يمكن أن تجعل الفنان أكثر قسوة على ما يقرأ، لا أكثر تساهلا معه. كان إيشو مثقفا في الفن، صاحب معرفة واسعة، ويمتلك رؤية نقدية لا تسمح له بأن ينجز عملا لمجرد أنه طلب منه. كان يستطيع، بأدب نادر، أن يقول لك إنه غير مقتنع بما تريد، ثم ينهي الحديث من دون أن يجرحك.
لهذا لم أكن واثقا من أن المخطوط سيعجبه. أعطيته الكتاب، وذهبت.
بعد أسبوع التقينا. لم يقل لي شيئا طويلا. سلمني لوحة الغلاف، ثم وضع بين يدي بقية التخطيطات الداخلية. أخذتها، ونظرت إليها واحدة واحدة. لم أسأله: هل أعجبك النص؟ ولم يكن السؤال ضروريا أصلا. كانت اللوحات قد أجابت. فأنا أعرف إيشو جيدا، لو لم يجد في القصائد ما يستحق، لما جلس إلى الورق، ولما أمضى وقته في بناء ذلك العالم الأسود الذي بدا كأنه نشأ بالتدريج من صمت طويل.
هكذا بدأ أحد أغرب الفصول في علاقتي بذلك الكتاب. لم أكن، في ذلك الوقت، أفكر في أن السنوات ستجعلني أنظر إليه بهذه الطريقة. كان كتابا أول، ومغامرة أولى، وربما شيئا كنت أحتاج إلى القيام به أكثر مما كنت أعرف ماذا أفعل به بعد أن أنجزته.
ثم ضاعت النسخة الأصلية من المخطوط أثناء نزوحـي من الموصل إلى أربيل. وبين الأشياء التي تفرقت في الطريق، ضاع المخطوط الذي كانت تتجاور فيه القصائد مع رسوم إيشو الأصلية. بقيت لي الذكرى، لكن الذكرى، مهما كانت دقيقة، لا تعوض الورق حين يكون الورق جزءا من التاريخ.
سنوات مرت....
قبل عام، حدث ما يشبه المصادفة التي لا تبدو مصادفة تماما. عثرت على نسخة من المجموعة عند أحد الأصدقاء، وهي النسخة التي أهديتها له قبل زمن طويل. أخذتها منه، وفتحتها، وفجأة شعرت أنني لا أستعيد كتابا قديما، بل أستعيد غرفة كاملة من الماضي. وقفت عند الرسوم طويلا. في تلك اللحظة أدركت كم كان إيشو قد وصل، قبل أكثر من ربع قرن، إلى مستوى من التقنية لا يفسره التمرين وحده. ثمة عقل وراءها يراقب نفسه، وفنان لا يرضى بأن يكرر ما وصل إليه في المعرض السابق. وهذه، في رأيي، إحدى العلامات التي تميز الفنان الحقيقي من الحرفي الماهر. الحرفي يعرف كيف ينجز ما أتقنه. أما الفنان فيظل مشغولا بما لم ينجزه بعد.
إيشو ينظر إلى تجربته كما لو أنها مشروع لم يكتمل. كل معرض عنده يبدو محطة، لا نهاية. وكل نجاح كان يفتح أمامه مشكلة أخرى. ولهذا لم يكن رساما متمكنا من أدواته فقط؛ كان يفكر في الفن، ويشك في نتائجه، ويراجع نفسه. بمعنى آخر، كان ناقدا لتجربته.
وحين رحل عام 2011، لم يغادر المشهد التشكيلي العراقي رساما جيدا فحسب، بل غادره عقل فني كان يمكن أن يواصل إنتاج الأسئلة. ولهذا السبب، كان رحيله أكثر من غياب شخص.
ثم جاء ما حدث لناحية "قره قوش" التابعة إداريا لمحافظة نينوى حين سيطر تنظيم داعش عليها، وكانت قد أصبحت مكان إقامته بعد تدهور الأوضاع الأمنية في الموصل بعد عام 2003، تعرضت أعمال كثيرة لإيشو للنهب والفقدان. لوحات خرجت من أماكنها، وأخرى اختفت، وأعمال كانت تنتمي إلى حياة كاملة لم يعد ممكنا الوصول إليها. لكن بعض اللوحات بقيت عند الأهل والأصدقاء، كما بقي جزء من إرثه محفوظا في الأقراص الرقمية.
ولعل في هذه النهاية المفارقة ما يلائم سيرته. فالفنان الذي رفض مغادرة العراق حين كان يمكنه ذلك، انتهت بعض أعماله إلى التشتت خارج المكان.
كان أشقاؤه قد توزعوا في أكثر من بلد أوروبي منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وعرضوا عليه أن يغادر مثلهم، لكنه رفض. لم يكن الأمر بطولة معلنة. بل شديد الارتباط بالمكان الذي يمنحه معنى لهويته. كان عراقيا آشوريا، يعرف أن المكان ليس مجرد عنوان جغرافي، بل ذاكرة أيضا.
من الصعب أن نتحدث عن إيشو من دون أن نتحدث عن هذا الارتباط. فانتماؤه إلى المكان يشبه الطريقة التي ينتمي بها اللون إلى اللوحة: لا يمكن نزعه من دون أن يتغير شكل الشيء كله.
وأتذكر الآن تلك الجلسة التي أخبرني عنها بعد صدور المجموعة. قال إن نقاشا طويلا دار حول الكتاب بينه وبين عدد من أدباء قره قوش، منهم شاكر مجيد سيفو وهيثم بردى وزهير بردى.اتفقوا جميعا على أنه يستحق الانتباه. وكانت هناك مفاجأة في هذا الأمر؛ فأنا لم أكن قد نشرت قبلها نصا شعريا في الصحف، ولا كنت قد أعددت الأرض مسبقا لمثل هذه المغامرة.
شهادة إيشو، بالنسبة إلي، أكبر من مجاملة. لأني أكن إعجابا خاصا بتجربته التشكيلية، ولم يكن إعجابي منفصلا عن شخصيته. فهو رجل رفيع الأخلاق، هادئ في تعبيره، دقيق في أحكامه، ويمتلك من الوعي الفني ما يجعله يعرف الفرق بين العمل الذي يستحق الإنجاز والعمل الذي لا يستحق. لهذا بقيت كلماته في ذاكرتي.
حين أعود اليوم إلى تلك النسخة القديمة من مجموعتي الشعرية"رفات القطيعة"، لا أبحث عن الشاعر الذي كنتُ عليه عام 1999 بقدر ما أبحث عن اليد التي كانت تمسك بقلم الروترنك فوق الورق. أقرأ القصائد بعين مختلفة، لكنني أتوقف عند اللون الأسود لرسوماته، كما لو أنني أتوقف عند شاهد نجا من الحريق.
ربما لهذا السبب لم يعد الكتاب، بالنسبة إلي، مجرد أول مجموعة شعرية. إنه المكان الذي التقى فيه شاعران من نوعين مختلفين، أحدهما بالكلمات والآخر بالخط.
وحين ضاع المخطوط، بقي الكتاب.
وحين ضاعت بعض لوحات إيشو، بقيت آثارها.
وحين ابتعد الزمن، بقي الأسود.
وهذا هو الشيء الغريب في الفن: أحيانا ينسى المرء ما كتبه، لكنه لا ينسى اليد التي أعطت كتابه شكله الأخير.
***
مروان ياسين الدليمي








