حدّثنا ماجدُ بنُ وسّامٍ قال: مُرِّغْتُ بحربٍ وهُدْنَة، ونعيمٍ مُغَلَّفٍ بالمِحْنَة. وآثرتُ البَوْحَ بيُسْرِ الحال. وتقلّبتُ في الخَلْقِ بين خاطِبٍ ودَلّال. وقد كان لي شيخٌ خَشِنُ العُود، بادي الجُود، حافظٌ للحُدود، مُولَعٌ بالقُدود. قد لاكَ العِلمَ وابتلَعَهْ، وقَطّعَ الأَدبَ ووَزَّعَهْ، ولَمَّعَ الفَنَّ وأَوْزَعَهْ، وعَجَنَ الحِسابَ ورَقَّعَهْ.
وأنا في حالي أذكُرُ أيّامي في مَرْتَعِ صِبايَ وصِباه، وأتساءَلُ مُبِينًا عن دُنيايَ ودُنياه. فقد بُلينا بانقِطاعِ الزّاد، وانقِطاعِ المِعاد. وضَجّتِ الأسواقُ، وحُدِّقَتِ الأعالي، واتّخَذَ النّاسُ خُلْسَةً في اللّيالي، واكْتَرى مَنِ اكْتَرى خِلْعَةً مِنَ المَعالي، واقْتَرَضَ مَن تَقَطّعَتْ حِبالُهُ سَلْفَةً مِنَ الأعالي. وذُعِرَتِ المَخابِزُ والمَفارِز، واكْتُنِزَتِ الأموالُ والمَحارِز. وقالوا: لَعَنَ اللهُ أيّامَ هالِكِ بنِ حارِز، وأيّامًا ضَجّتْ بالعَويلِ والجَنائِز، حيثُ الدِّماءُ والهَوابِز، والأناشيدُ والأراجِز. وحيثُ يُكَرَّمُ الخاسِرُ كالفائِز.
وبينَما أنا في هذا الشُّرود، أُفَكِّرُ في الحُشود، تاقَتْ نَفسي إلى حِزبِ الجَماعَة، حيثُ تُصانُ الكَرامَةُ بالشَّجاعَة، ويَلوذُ الذّائِدُ بهِم مِنَ المَجاعَة. فلمّا عَرَّجْتُ إليهِم، وجَدتُ فيهِم حَسناءَ تَجمَعُ بالقَوم، قد لَمَعَ مِنَ الذَّهَبِ طَرَفُ إزارِها، ورُصِّعَ بالماسِ جيدُها وخِمارُها. وقيلَ: هذه جُلْنار شمسُ النّهار، ورَبّةُ الحُسنِ في زَمَنِ الضِّرار.
تَتبَعُ صاحِبًا أنْسَتْنيهِ الأيّام، ودِرْعًا شَدَدْتُهُ في الحُروبِ الضِّرام، وحُجَّةً قد لَطَّخَتْ جَبينَ الإسلامِ، ذلكَ رَفيقي سالِمُ بنُ سَلام. فلمّا وَرَدَ البُقعَة، وأطفَأَ الشَّمعَة، وقَضى الرَّكعَة ولَفَّ الجَمعَة، وصَلّى الجُمُعَة، رَكَنَ إلى المِنَصَّة وانتَهَزَ الفُرصَة، وهَلَّلَ واستَمال، وسَبَّحَ وحَمِدَ واستَقال. ثمّ رَجَزَ وقال:
يا خِلّانَ الصَّفا، ويا دُروعَ الهَيْجا، ويا وَهَجَ الدُّجى،
آثَرْتُمُ الكَرامَةَ بِصَونِ الإدامَة، ومُنادَمَةِ الحُطامَة
واختيارَ المُواجَهَةِ، ومُغالَبَةَ الخُضوعِ ومُناكَبَةَ المَوضوع.
صالِحٌ بَعدَ صالِح، كَريمٌ بَعدَ كَريم. فكَمْ لَئيمٍ سَطرَ بِتّارُكُم في الوَغى؟ وكَمْ جَبانٍ رَدَمَ رَشاشُكُم في الرِّغى؟وكَمْ مَأجورٍ شَتَمَهُ صَوتُكُم في اللُّغى؟
فالأمْنُ مِن هذهِ الدَّعوَةِ قُوَّةٌ وإيمان، والتَّكذيبُ في أصلِها خُضوعٌ وكُفران.
أيُّها النّاسُ، اعْلَموا أنَّ الكَرامَةَ حِصنٌ لِلنُّفوس، وتاجٌ لِكُلِّ عَجوزٍ وعَروس. فخُذوا مِن سيرَةِ الأجاوِدِ الكَواسِر، مِمَّن قارَعوا الأباطِر، ونادَوا في الوَغى: ألا مِن ناصِر؟ أولئكَ حِزبُ عليِّ بنِ أبي ناصِر، قَومٌ حَرَّروا المَفارِز، وقارَعوا طُغيانَ هالِكِ بنِ حارِز. فأصابوا مِن حَظِّهِم إحرازَ الجَوائِز، وتَقَشَّفوا فيما غَنِموا مِنَ المَحارِز. واصْبِروا تُنصَروا، وكَبِّروا تُكبَروا، فإنَّ كُلَّنا لِلنَّصرِ حارِز، ولِلكَرامَةِ في صَونِ المالِ والعِرضِ حائِز. ذلكَ وَعدُ اللهِ لِكُلِّ فائِز.
فلمّا اشتَعَلَ الجَمعُ واستَقام، وفاضَ كَيلُ الحَقِّ بالباطِلِ وهام، هَتَفَ الجَمعُ رافِضًا لِلسَّلام، وتَحَلَّقوا ورَجَزوا مَعَ سالِمِ بنِ سَلام. فلمّا أُنهِكَتِ الأرواحُ، واستُبيحَ السِّلاح، وأُتعِبَ القَوم، وخَلَدوا مِن رُقادِ بَصيرَتِهِم إلى النَّوم، أخَذَ سالِمٌ المَقسومَ، وفَرَّ بهِ مَعَ جُلنارَ خَلفَ السِّتار.
فلمّا أفَلَ النّهارُ وانقَضى ما دار، تَبِعتُهُم فَوَجَدتُ حِرزَ النّور، والسِّرَّ المَستور، وشُعلَةً ثارَتْ على الباطِلِ والجُور. قد تَعاظَمَ مِنَ الطَّعامِ لغدهُ، ولَمَعَ مِنَ النَّعيمِ جَبهَتُهُ وزَنْدُه. ما غَيَّرَتِ الأيّامُ فيه، وما لاكَ يَومًا بالباطِلِ لَحمَ أخيه. فقُلتُ: هذا واللهِ حُجَّةُ الإسلام، والبَطَلُ الضِّرغام. عليُّ بنُ أبي ناصِر الرَّسّام.
فلمّا سَألْتُهُ عَن أمسِهِ وأُنسِه، وعَن مُدامِهِ ودَوامِه وفَرَحِهِ وكَرَبِه، وعَن حَربِهِ وحِزبِه، كَشَّرَ مُنثَنِيًا على هَودَجِهِ مَعَهُم وراح، وأنكَرَ خِلًّا شارَكَهُ الرّاح. فأنشَدتُ أقول:
لا تُوحِشَنَّكَ خَيبَةُ الأمَلِ
خَطَأُ الطَّبيبِ إصابَةُ الأجَلِ
فَلِكُلِّ فائِتَةٍ وحاصِلَةٍ
سَبَبٌ يَدِقُّ على ذَوي الحِيَلِ
تَخفى عَلَينا الموجِباتُ لَها
فَنَسوقُ ظاهِرَها إلى العِلَلِ
وأقولُ قَولًا في جَوانِبِهِ
رَمَزَ الحَقيقَةِ وهوَ كالمَثَلِ
لَولا المَرارَةُ في المَذاقِ لَما
عَرَفَ المَذاقُ حَلاوَةَ العَسَلِ
***
أمين صباح كُبّة








