منذ سنوات، لا تزال كلمةٌ عالقة في ذهني قالها الكاتب غيث البطيخي: إن كنت أذكر اسمه جيدًا – خلال دورة عن القراءة على منصة إدراك. قال ما معناه: عندما تقرأ، قد تجد بين صفحات الكتب حياتك. وربما تجد فيها ما يعينك على فهم نفسك، أو يخفف عنك حيرتك، أو يرشدك إلى كيفية التعامل مع مواقف الحياة.
ومنذ أن اتسعت القراءة في حياتي، أدركت أن بعض الكتّاب يكتبون بصدقٍ عجيب، حتى يخيل إليك أنهم اطلعوا على أعماق نفسك. ترى أفكارك، وتساؤلاتك، ومخاوفك، وانفعالاتك، وكأنها سكنت صفحات كتبهم قبل أن تسكن قلبك.
وربما تكون رحلة التغيير طويلة، ولكن أليس السير بخطوات صغيرة خيرًا من البقاء في المكان نفسه؟ أنا لا أقصد التغيير الاقتصادي أو الاجتماعي، بل ذلك التغيير الأعمق: تغير الإنسان في داخله.
من أنت عندما تخلو بنفسك؟ كيف تفكر؟ كيف تتعامل مع انفعالاتك؟ إلى أي حد تتعاطف مع ذاتك، ومع الآخرين؟ وكيف تصنع أفكارك صورتك عن العالم؟
ومنذ أيام، بينما كنت أقرأ بعض كتب سمية الناصر، استوقفتني فكرة عبّرت عن أمر قد نمارسه دون أن ننتبه إليه؛ أننا قد ندور في الدائرة نفسها لأننا ألفنا متعة الألم. نعتاد دور الضحية، وننتظر من ينتشلنا من الحزن أو الملل أو رتابة الأيام، بينما يمر العمر من حولنا.
وفي غمرة هذا الانتظار، قد نفوّت على أنفسنا دهشة الحياة؛ منظر غروب، أو نسمة صباح، أو شجرة تهتز مع الريح، أو كتاب يفتح نافذة جديدة في أرواحنا.
بل إن أجمل متعة قد نهملها هي أن نجعل من أفكارنا حديقةً داخلية؛ نغرس فيها ما ينفع، ونسقيها بالمعرفة، ونشذب أغصانها، ونقتلع منها كل ما يعيق نموها.
ولعل هذا المعنى يلتقي مع هدي النبي ﷺ حين قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». فما دام في الإنسان نفسٌ يتردد، فثمة غرسٌ يستحق أن يُغرس، سواء في الأرض أو في القلب.
فشتان بين من يعيش أسير متعة الألم، ومن يختار أن يتذوق متعة الأمل؛ فالأولى تستنزف العمر، أما الثانية فتزرع في الروح حياةً جديدة، ولو بدأت بخطوة صغيرة.
***
نجمة الدرويش








