أقلام ثقافية

صابر الحميدي: بِجرّةِ قلم

حين أمسكتُ القلمَ أوّل مرّة، لم أرَ في يدي أداةً صامتة، بل شعرتُ أنّني أقبض على مفتاحٍ سريّ، يفتح أبواب عوالم لم تكن قد خُلِقت بعد إلا في خيالي، عوالم لا تُرى بالعين ولا تُلمَس باليد، بل تُستحضَر بالدهشة وحدها. لم أمدّ يدي نحو نجمةٍ بعيدة، بل أمسكتُ قلمًا، وبجرّةٍ منه رسمتُ سماءً كاملة، تتدلّى فيها النجوم كحروفٍ مضيئة، كلّ نجمةٍ حرف، وكلّ حرف نافذة تُطلّ على صمتٍ عميق، وعلى أسئلةٍ مؤجَّلة تنتظر شجاعتها لتُقال.

هناك، في تلك اللحظة الأولى، أدركتُ أن الكتابة ليست مرآةً تعكس الواقع فحسب، بل فعلُ خلقٍ خفيّ، وانتزاعُ معنى من الفراغ، ومحاولةٌ إنسانيّة لترتيب الفوضى الداخلية بالكلمات. أدركتُ أن القلم، بين أصابعي الصغيرة، كان أكبر من خشبٍ أو معدن، كان جسرًا هشًّا ومتينًا في آنٍ واحد، أعبر به نحو ذاتي، وأحاور عبره ما لم أجرؤ يومًا على النطق به، وأمنح للصمت مكانًا آمنًا قبل أن يتحوّل إلى كلام.

ومنذ تلك الجرّة الأولى، لم يعد الورق الأبيض صفحةً فارغة، بل صار بوابةً مفتوحة على احتمالات لا تنتهي، أرضًا بكرًا تنتظر أثر الخطوة الأولى. صار كل سطر أكتبه حياةً وُلدت من صمتٍ طويل، وكل نقطة توقّف لحظةَ تأمّلٍ لا تقلّ عمقًا عن الكلام، وكل كلمة خطوةً معلّقة في السماء التي رسمتها يومًا بقلمٍ صغير، ولم أزل أوسّعها كلما كبرتُ، كلما فهمتُ أكثر، وكلما آمنتُ أن الكتابة ليست هروبًا من العالم، بل طريقة أخرى للانتماء إليه.

***

د. صابر الحميدي

 

في المثقف اليوم