عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

صابر الحميدي: غرناطة.. سيرة وطنٍ يُهزم بالسيف ويقاوم بالذاكرة

في رواية غرناطة للكاتبة رضوى عاشور، لا تبدأ الحكاية يوم سقطت غرناطة، بل يوم ظنّ المنتصر أن السقوط قد اكتمل. فالهزيمة العسكرية كانت حدثًا عابرًا في الزمن، أمّا معركة الروح والهوية فكانت أطول وأشدّ قسوة.

تدور الرواية في السنوات التي تلت سقوط غرناطة سنة 1492م، حين وجد المسلمون أنفسهم غرباء في الأرض التي شيّدها آباؤهم. تتبع الكاتبة حياة أسرة أندلسية بسيطة، يتصدرها الورّاق أبو جعفر الذي يشهد إحراق الكتب العربية، فيدرك أن النار لا تلتهم الورق فقط، بل تحاول التهام الذاكرة نفسها. ومن هنا يبدأ الصراع الحقيقي: صراع البقاء الثقافي والإنساني في وجه محوٍ ممنهج للغة والدين والعادات.

يتنقل السرد بين أفراد الأسرة وأجيالها، كاشفًا كيف تسللت المأساة إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالحب أصبح مهددًا، والعبادة تُمارس سرًا، والكلمات العربية تُهمس خوفًا من العقاب. ومع ذلك، يظل الناس متمسكين بما تبقى من ذواتهم، وكأنهم يقاومون النسيان أكثر مما يقاومون السلطة.

ليست غرناطة رواية عن الحروب الكبرى بقدر ما هي رواية عن الإنسان العادي الذي يحاول أن يعيش في زمنٍ يريد اقتلاعه من جذوره. وهي تكشف أن الاحتلال الحقيقي لا يبدأ بالسيطرة على الأرض، بل بمحاولة السيطرة على الذاكرة.

وفي جوهرها الفلسفي، تقول الرواية إن الأوطان لا تسقط دفعة واحدة؛ إنها تتآكل كلما فُقدت كلمة، أو أُحرقت صفحة، أو خاف إنسان من أن يكون نفسه. لكنّها تؤكد أيضًا أن الذاكرة قادرة على أن تكون شكلًا من أشكال المقاومة، وأن الشعوب قد تُهزم سياسيًا، لكنها تبقى حيّة ما دامت تحفظ حكايتها.

هكذا تبدو غرناطة مرثيةً لحضارةٍ آفلة، وفي الوقت نفسه نشيدًا للإنسان الذي يرفض أن يتحول إلى مجرد ظلٍّ لتاريخه، فيجعل من الذكرى وطنًا حين يُسلب منه الوطن.

***

بقلم د. صابر الحميدي