عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عماد خالد رحمة: التشكيل الكولاجي في الثقافة العربية

من فسيفساء المعنى إلى جمالية التراكب

ليس “الكولاج” في جوهره مجرّد تقنيةٍ فنيةٍ وافدة، بل هو، في عمقه الأنطولوجي، منطقُ تركيبٍ ينهض على تجاور المتغاير، وتآلف المتنافر، وتوليد المعنى من شظايا تبدو للوهلة الأولى متباعدةً أو متنافرة. وإذا كان المصطلح قد استقرّ في النقد الغربي بوصفه إجراءً بصرياً حديثاً، فإنّ الثقافة العربية في بنيتها العميقة قد مارست هذا “التشكيل الكولاجي” منذ قرون، ولكن بأدواتها الخاصة: اللغة، والنص، والزخرفة، والذاكرة.

١. الكولاج بوصفه نحواً ثقافياً

في العربية، لا يقتصر “التأليف” على جمع الكلمات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء علاقات دلالية مركّبة، حيث تُستدعى طبقاتٌ من المعاني في نسقٍ واحد. إنّ ظواهر مثل التضمين والاقتباس والتناص تمثّل، في حقيقتها، أشكالاً مبكرةً من الكولاج النصّي؛ إذ يتداخل النص مع نصوصٍ أخرى، فيُنتج معنىً ثالثاً، لا هو الأصل ولا هو الفرع، بل هو التركيب.

يقول الجاحظ في البيان والتبيين ما يُلمّح إلى هذا التداخل حين يصف البلاغة بأنها “أخذٌ من كلّ فنٍّ بطرف”، وكأنّه يقرّ بأن النص البليغ هو نسيجٌ من اقتباساتٍ واعية، وتوليفاتٍ ذكية.

٢. في الشعر: فسيفساء الأصوات والصور

الشعر العربي قديمه وحديثه فضاءٌ رحبٌ للكولاج الدلالي. ففي القصيدة الجاهلية، تتجاور الأطلال مع الرحلة مع المديح، في بنيةٍ تبدو مفكّكةً ظاهرياً، لكنها تؤسّس لوحدةٍ أعمق قوامها تعدّد المشاهد.

انظر إلى قول امرؤ القيس:

قِفا نَبكِ من ذِكرى حبيبٍ ومنزلِ

بسِقطِ اللِوى بينَ الدَخولِ فَحَومَلِ

ثم لا يلبث أن ينتقل إلى وصف الليل والفرس والرحلة. هذه الانتقالات ليست قطيعةً، بل مقاطع كولاجية تُعيد تشكيل التجربة الإنسانية في صورٍ متراكبة.

وفي الشعر الحديث، يتجلّى الكولاج بوضوحٍ أكبر، كما عند الشاعر السوري أدونيس، حيث تتجاور الأسطورة مع التاريخ، والدين مع الفلسفة، في بنيةٍ نصّيةٍ تُشبه اللوحة المركّبة:

“أجمعُ وجوهَ الأزمنةِ في قناعٍ واحد،

وأمزجُ صوتَ اللهِ بأنينِ الإنسان.”

هنا، لا يُكتب النصّ من مادةٍ واحدة، بل من أطيافٍ معرفيةٍ متداخلة.

٣. في السرد: تعدّد الأصوات وتفكيك المركز

السرد العربي، خصوصاً في “ألف ليلة وليلة”، يُعدّ نموذجاً مبكراً للكولاج الحكائي؛ إذ تتداخل الحكايات، وتتوالد داخل بعضها البعض، في بنيةٍ لولبية. فكلّ قصةٍ هي جزءٌ من كلٍّ أكبر، وكلّ صوتٍ هو صدى لأصواتٍ أخرى.

هذا النمط من السرد يقوم على تفكيك المركز، واستبداله بشبكةٍ من الحكايات، حيث لا وجود لحقيقةٍ واحدة، بل لحقائق متجاورة، تُنتج معناها من تفاعلها.

٤. في الفن البصري: من الزخرفة إلى الحروفية

الزخرفة الإسلامية تمثّل كولاجاً بصرياً بامتياز؛ فهي تقوم على تكرار وحداتٍ هندسيةٍ ونباتيةٍ، تُعاد صياغتها في أنماطٍ لا نهائية. إنّها لغة بصرية تُؤلّف بين التماثل والاختلاف، بين الوحدة والتعدّد.

وفي الفن الحروفي الحديث، تُستعاد الحروف العربية لا بوصفها أدوات كتابة، بل بوصفها عناصر تشكيلية، تُدمج في لوحاتٍ معاصرة، حيث تتجاور النصوص الدينية مع الرموز الحديثة، في كولاجٍ بصريٍّ يُعيد تعريف الهوية.

٥. الكولاج كذاكرةٍ ثقافية

الثقافة العربية، في مجملها، تقوم على الذاكرة المركّبة: القرآن، والحديث، والشعر، والحكايات الشعبية، كلّها تتداخل في الوعي الجمعي، فتُنتج خطاباً لا يمكن فهمه إلا بوصفه كولاجاً معرفياً.

فحين يقول المتنبي:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني

والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

فإنه لا يكتفي بوصف ذاته، بل يجمع عوالم متباينة الحرب والكتابة، الصحراء والمدينة في صورةٍ واحدة، تُجسّد هويةً مركّبة.

خاتمة: من التبعثر إلى المعنى

إنّ “التشكيل الكولاجي” في الثقافة العربية ليس طارئاً، بل هو مكوّنٌ بنيويٌّ في طرائق التعبير والتفكير. إنه يعكس رؤيةً للعالم لا تقوم على الوحدة الصلبة، بل على التعدّد المتآلف، حيث يُصاغ المعنى من شظايا، ويُبنى الكلّ من أجزاء.

وهكذا، يغدو الكولاج في أعمق دلالاته فلسفةً للمعرفة:

أن نفهم العالم، لا بوصفه نصاً واحداً، بل بوصفه نصوصاً تتجاور، تتصادم، ثم تتصالح في أفق المعنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين