عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

ناجي ظاهر: نهر الموسيقى

اعادني نبأ الرحيل الابدي الاخير للشاعر العربي اللبناني الجنوبي، المتميز الياس لحود، يوم السبت، التاسع عشر من نيسان العام الماضي ٢٠٢٥، إلى أكثر مما لا يقل عن نصف القرن من الزمان، وذكرني باللحظات الأولى التي وصل فيها عدد من مجموعاته الشعرية الحداثية الهادرة، لا سيما عندما اوصلها إلى أيدينا، اقصد الصديق الشاعر سيمون عيلوطي امد الله في عمره وانا كاتب هذه السطور، الشاعر الكاتب الراحل الصديق ادمون شحادة، إبان عمله في إدارة مكتبته الحديثة في الناصرة. وما زلت اتذكر جيدا، وقد زاد في ثراء تلك الفترة الشعرية المحددة، تعرفنا على شاعر مبدع اخر هو محمد علي شمس الدين، الذي يعتبر ايضا، من شعراء الجنوب اللبناني المبدعين، ومعروف أن لحود واحد من أبرزهم.

كان أكثر ما جذبنا وشدنا إلى هذين الشاعرين، اولا وقبل كل شيء، ذلك الدفق الموسيقي الشعري، الذي حمل الينا آنذاك، تلك المقولة التي طالما ترددت على السنة العديد من النقاد والشعراء، ومفادها أن الشعر ما هو إلا دفق موسيقي، يحتضن التجربة الإنسانية الرؤيوية لصاحبها، ويقدمها في حالتها تلك إلى قارئ، تعود على الانجذاب إلى ايقاعات موسيقية، نعتها جبران خليل جبران في مواكبه الجميلة، بصفة سر الوجود، أما الكاتب جان ماري جويو، فقد أكد في كتابه الجميل عن" مسائل الفن المعاصر"، على أهمية تلك الخلفية الرؤيوية الموسيقية في الحالة الإبداعية الشعرية.  أو كينوتها المبهرة الساحرة.

لقد دفعتنا تلك التجربة الشعرية الفريدة، بعد تعرفنا على الشاعرين المذكورين، الشاعر الفقيد خاصة، لأن نبحث عن أشعاره، ولأن نقراها ونطلع عليها، لا سيما في تلك المجلة الأدبية التي أسسها الياس لحود،( اقصد مجلة "كتابات معاصرة")، مكرسا اياها لتشجيع المتحول الحداثوي في عالم الشعر العربي المعاصر، فقرأناها بمزيد من الاهتمام، وكان ما يلفت كاتب هذه السطور في تجربة لحود تحديدا، هو ذلك التصاعد المضطرد بانتظام فيها، فصاحبها لا يكرر نفسه ولا ينشر، الا في القليل النادر، ما سبق وتردد من اسعاره في الماضي، تجلى ذلك في كل قصيدة جديدة له، بالضبط مثلما تجلى في مجموعاتها المتتالية، ابتداء من مجموعته الاولى فصاعدا، حتى الأخيرة. لن اذكر مجموعاتها الشعرية، واكتفي بالقول إنها سبق واصدرت، قبل أكثر من عقد من الزمان، في أربعة مجلدات. ما عدا هذا فيما بتعلق بالإنتاج الغزير لشاعرنا الراحل بإمكاني احالة الاخوة القراء على الشبكة الإلكترونية العنكبوتية "غوغل" ، ففيها عنها ما يزيد عن الغاية ويفيض.

من المعروف المشهور عن الشاعر الياس لحود، أنه نشأ في كنف والد يعمل ميكانيكيا، إلا أنه يقرض الشعر المحكي خاصة، ويهوى العزف الموسيقى. هذه النشأة دفعت صاحبها الطفل لان يقبل على كتابة الشعر وهو لما يزل في العاشرة من عمره، وهو ما دل في أهم ما دل عليه أن "الديك الفصيح من البيضة يصيح" ، كما يقول المثل السائر. لقد صدرت مجموعة الياس لحود الشعرية الاولى عندما كان في العشرين من عمره، أما في السادسة والعشرين فقد حصل على اللقب الجامعي الاول في اللغة العربية وآدابها، وهو ما أهله لأن يعمل في مجالين ثقافيين عامين، أحدهما التربية والتعليم، والآخر التحرير الثقافي الادبي، في العديد من المجلات، خاصة مجلته المذكورة آنفا "كتابات معاصرة".

تقول السيرة الأدبية لإلياس لحود، أنه كتب الشعر في مختلف اجناسه وانواعه، وذلك ابتداء من القصيدة العمودية، العربية الاصيلة، مرورا بالقصيدة المحكية، وقد أصدر في مجالها اربع مجموعات، انتهاء بالقصيدة التفعيلية، (من تفعيلة) ، على طريقة المدرسة العراقية لدى الشاعرين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وسواهما من الشعراء.. وقد كتب قصيدة النثر ايضا. ولعلي اشير هنا إلى أن كتابة شاعرنا لقصيدة التفعيلة، كان أكثر ما جذبنا، في فترة تعرفنا الاول على إبداعه الشعري المتدفق. وقد صرح شاعرنا الراحل، في أكثر من مناسبة وكتابة أيضا، أنه حرص في كل ما كتبه من انواع، أجناس وضروب شعرية، على العمق الإبداعي الذي انبهر به منذ بدايته الأولى مع الابداع الشعري.

كل هذا قربنا أكثر فأكثر من شاعرنا المبدع الراحل، وكان اكثر ما شدنا إليه، هو تلك الهموم التي تجلت في مواقفه وإبداعاته الشعرية، في مقدمتها القضايا العربية وهمومها المتتابعة، وفي صلبها القضية الفلسطينية ومعاناة أهلها الجارحة.

***

ناجي ظاهر

......................

* الياس لحود ولد في بلدة مرج عيون اللبنانية الجنوبية عام ١٩٤٢. تأثر بالاجواء المتوترة حوله وتفاعل معها عاكسا إياها بمقدرة فنية ملموسة، فيما كتبه ونشره من أعمال شعرية استحقت الاهتمام بجدارة. ورحل يوم الأحد ٢٩-٤-٢٠٢٥. مخلفا وراءه إرثا أدبيا شعريا واسعا. وذكرا يستحق البقاء والخلود.