أقلام ثقافية

احمد عابر: النفس الإنسانية بين النداء العلوي والأهواء المفترسة

تأمل في الكوميديا الالهية

وجود المرء غابة لا تؤتمن

فيها من الاهواء وحش يفتتن،

في الصدر الف ذئب كامن

وخنزير شهوة لا يستكن،

فاحذر نفسك كل حين

فيها الصلاح وفيها الفتن.

المصدر: مولانا جلال الدين البلخي الرومي، المثنوي

المعنوي، الدفتر الثاني. ترجمة من الفارسية.2449 William Blake

لا ينظر الرومي الى الانسان بوصفه جوهرا اخلاقيا مستقرا، بل باعتباره حيزا للصراع. فالوجود الانساني عنده ليس طريقا مستقيما، بل غابة كثيفة متداخلة، يسهل الضياع في مسالكها. في هذه الغابة تعيش قوى متناقضة؛ ذئاب ترمز الى العنف والافتراس، وخنازير تشير الى الشهوة والانغماس. ومع ذلك، لا يخلو هذا الوجود من الصلاح والخير. التحذير هنا ليس من الشر الخارجي، بل من التراخي امام تعقيد الداخل. فالرومي لا يدعو الى قتل الذئاب، بل الى معرفتها، ولا الى انكار الغابة، بل الى اليقظة داخلها.

تقدم لوحة وليام بليك مشهد الافتتاح الشهير من الكوميديا الالهية لدانتي، حيث يصور الشاعر تائها في غابة مظلمة تمثل الضلال الوجودي، يحاول تسلق تل تشرق عليه الشمس رمز الخلاص، لكن طريقه تعترضه ثلاثة وحوش. الفهد يرمز الى الشهوة والملذات الدنيوية، والاسد يرمز الى الكبرياء والعنف، والذئبة ترمز الى الجشع والطمع الذي لا يشبع. في الافق تظهر هيئة نورانية، يمكن قراءتها بوصفها تجسيدا للنعمة الالهية، وهي الحالة الروحية التي ستتجلى لاحقا في صورة بياتريس، ملهمة دانتي ومصدر نداء الخلاص. وقد ارسلت هذه النعمة الشاعر الروماني فيرجيل في مشاهد اخرى.

فيرجيل رمز العقل والحكمة الانسانية، ارسل ليقود دانتي في رحلته عبر العوالم الثلاثة.

ما يميز قراءة بليك لهذا المشهد ان الوحوش لا تبدو مرعبة بالقدر المتوقع. وليس ذلك لعجز في التصوير، بل لاختيار واع، فبليك بخلاف دانتي لا يجعل الجحيم مكانا نهائيا، بل حالة داخلية. الصراع هنا لا يدور بين الانسان والشيطان، بل بين الانسان ونفسه. هذا المشهد البليكي يعيدنا الى غابة الرومي ذاتها، حيث الوحوش الداخلية والنداء العلوي يتجليان في آن. وليام بليك، احد ابرز شعراء ورسامي المدرسة الرومانسية في انجلترا، ينتمي الى حركة فنية وادبية ظهرت كرد فعل على عقلانية عصر التنوير وجفاف الثورة الصناعية. رفع الرومانسيون قيمة الخيال والعاطفة والروحانية، وراى بليك ان العالم المادي ليس سوى انعكاس للعالم الروحي، وان الخيال هو بوابة الحقيقة المطلقة. وكانت رؤاه منذ طفولته مصدر الهامه الفني والفكري.

يقول ابو حامد الغزالي في كتابه احياء علوم الدين، في باب شرح عجائب القلب، ان النفس الانسانية مجمع صفات متضادة، وان تهذيبها لا يكون بالغائها بل بتربيتها. ويقول في معنى كلامه: ان من لم يعرف جنود نفسه لم يعرف طريق تزكيتها. فالغزالي يرى ان معرفة هذه القوى الداخلية شرط اساسي للسير في طريق التزكية، وان الصراع الداخلي ليس عائقا، بل هو ميدان العمل الروحي الحقيقي.

اما محيي الدين ابن عربي فيذهب ابعد من ذلك في فصوص الحكم، اذ يرى ان الانسان مرآة جامعة، يظهر فيها الحق والخلق معا، وان الصراع ليس خطأ في التكوين، بل شرطه. فالكمال لا يتحقق بالسلام الداخلي الساذج، بل بالقدرة على حمل التناقض دون انكار. يقول ابن عربي: "فان الحق تجلى لآدم في مرآة اسمه الجامع، فخلق الانسان على صورته، فكان هو العين الجامعة للحضرات كلها". فالانسان عنده هو البرزخ الجامع بين النور والظلمة، وبين الملائكي والحيواني، وهذا الجمع هو سر خلقه.

هنا نعود الى الرومي، لا بوصفه واعظا، بل شاهدا على هذه الحقيقة الوجودية. الغابة لا تغادر، والذئاب لا تختفي، لكن الانسان مدعو الى الا يسلم القيادة لاي منها. الرومي، وبليك، والغزالي، وابن عربي، جميعهم يلتقون عند فكرة واحدة: الانسان ليس معركة تحسم، بل معركة تدار. وإذا كان الصراع هو بنية الوجود الانساني لا عرضا فيه، فهل يكون الخلاص في الانتصار على النفس، ام في ان تصغي الى الغابة دون ان تتحول الى احد وحوشها؟!!!!

***

د. احمد عابر

في المثقف اليوم