عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

حسن لمين: مرايا السرد.. مقاربات في النص السردي المغربي المعاصر

ليس من السهل، ونحن نقارب النص السردي المغربي المعاصر، أن نطمئن إلى قراءة واحدة أو زاوية نظر ثابتة؛ فالسرد هنا لا يستقر، بل يتحرك كمرآة مائلة، تعكس وتشوّه، تكشف وتحجب، وتعيد ترتيب العالم وفق منطق جمالي لا يخلو من القلق. لذلك، فإن الحديث عن “مرايا السرد” هو مدخل نقدي لفهم نصوص تكتب ذاتها وهي تكتب العالم، وتفكّر في أدواتها بقدر ما تنشغل بموضوعاتها.

لقد شهد السرد المغربي، منذ بداياته الحديثة، تحولات عميقة نقلته من وظيفة التمثيل إلى أفق المساءلة. فإذا كانت التجارب الأولى، كما عند عبد الكريم غلاب، مشدودة إلى همّ بناء خطاب سردي يواكب تشكّل الوعي الوطني، فإن أعمالًا لاحقة، مثل تلك التي أنجزها محمد شكري، دفعت بالسرد إلى تخوم الاعتراف والجرأة، حيث انكشفت الذات في عريها الاجتماعي والنفسي، بعيدًا عن أي تزيين بلاغي. ثم جاءت تجارب أكثر تركيبًا مع محمد برادة والطاهر بن جلون، لتؤسس لوعي سردي جديد، يتجاوز الحكي بوصفه نقلًا للأحداث، إلى الحكي بوصفه سؤالًا في الوجود والمعنى.

أصبح فضاءً لتقاطع الذوات، وتداخل الأزمنة، وتشظي الأصوات. لقد صار النص أقرب إلى فسيفساء، تتجاور فيها المقاطع، وتتقاطع فيها الرؤى، دون أن تنصهر في وحدة مغلقة. وهذا ما يمنح السرد المعاصر طابعه المفتوح، حيث لا نهاية حاسمة، ولا حقيقة واحدة، بل احتمالات متعددة للمعنى.

من أبرز تجليات هذا التحول، حضور الذات الساردة بوصفها كيانًا مأزومًا، لا يملك يقينًا ثابتًا، بل يعيش على حافة الشك. هذه الذات لا تروي العالم من الخارج، بل تنخرط فيه، وتنكشف عبره، وتعيد بناءه من داخل تجربتها الخاصة. لذلك، كثيرًا ما نجد في النصوص المعاصرة نوعًا من التداخل بين السيرة والتخييل، حيث يصعب الفصل بين ما هو ذاتي وما هو متخيل. إنها كتابة تقف في منطقة رمادية، تجعل من السرد فعل اعتراف، ومن الاعتراف فعل إعادة خلق.

وإذا كانت الذات تحتل هذا الموقع المركزي، فإن الزمن بدوره لم يعد خطيًا أو مستقيمًا. فالذاكرة، بما تحمله من انتقائية وتحوير، أصبحت الأداة الأساسية لإعادة بناء الماضي. وهنا، لا يعود الماضي زمنًا منقضيًا، بل مادة قابلة للتشكيل، يُعاد ترتيبها وفق حاجات الحاضر ورهاناته. إن السرد المغربي المعاصر يكتب الزمن بوعي تفكيكي، يجعل من التذكر فعلًا إبداعيًا، لا مجرد استرجاع.

أما على مستوى اللغة، فقد تحررت الكتابة السردية من كثير من القيود، وانفتحت على تعددية لسانية تعكس تعقيد الواقع المغربي. فالنص قد يبدأ بلغة فصيحة رصينة، ثم ينزلق إلى الدارجة، أو يستعير إيقاعًا شعريًا، أو يوظف تعبيرات يومية حية. هذا التعدد لا يُعدّ ضعفًا أو تشتتًا، بل هو اختيار جمالي يعكس وعيًا بأن اللغة ليست وعاءً محايدًا، بل هي جزء من التجربة ذاتها.

وفي قلب هذه التحولات، تبرز موضوعات الهوية والاغتراب والهجرة بوصفها أسئلة ملحّة. فالمغرب، بوصفه فضاءً يتقاطع فيه المحلي بالكوني، يطرح على كُتّابه تحديات تمثيل هذا التعقيد. لذلك، نجد شخصيات روائية تعيش بين عالمين، أو تعاني من انكسار الانتماء، أو تبحث عن معنى وجودها في سياقات متحولة. إن السرد هنا لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يعكس حيرة الإنسان المعاصر، ويحوّلها إلى مادة جمالية.

ولا يمكن إغفال تأثير التحولات الاجتماعية والسياسية على بنية السرد. فقد أصبح النص أكثر حساسية تجاه التفاصيل اليومية، وأكثر انشغالًا بالهامشي والمنسي. لم يعد البطل هو الشخصية الاستثنائية، بل الإنسان العادي، بتفاصيله الصغيرة وهشاشته. وهذا التحول يعكس انتقالًا من السرد البطولي إلى سرد الهشاشة، حيث تصبح التفاصيل البسيطة حاملة لدلالات عميقة.

كما أن السرد المغربي المعاصر لم يعد معزولًا عن الفنون الأخرى، بل انفتح عليها بشكل لافت. فنجد في كثير من النصوص حضورًا لتقنيات سينمائية، مثل القطع والمونتاج، أو توظيفًا للمشهد البصري، بما يمنح النص بعدًا تصويريًا. هذا التداخل يعكس وعيًا بأن السرد ليس فنًا مغلقًا، بل هو مجال تفاعلي، يتغذى من مختلف أشكال التعبير.

إن “مرايا السرد” في هذا السياق، لا تعكس فقط الواقع، بل تعكس أيضًا أزمة تمثيله. فالنص لم يعد يطمح إلى تقديم صورة مكتملة للعالم، بل يكتفي بتقديم شظايا، لقطات، ومقاطع، تترك للقارئ مهمة إعادة التركيب. وهنا، يتحول القارئ إلى شريك في إنتاج المعنى، يملأ الفراغات، ويعيد بناء النص وفق تجربته الخاصة.

ولعل هذا ما يمنح السرد المغربي المعاصر حيويته وفرادته: قدرته على طرح الأسئلة بدل تقديم الأجوبة، وعلى تحويل القلق إلى طاقة إبداعية. إنها كتابة لا تبحث عن اليقين، بل تحتفي بالاحتمال، ولا تسعى إلى الإغلاق، بل تظل مفتوحة على التأويل.

في النهاية، يمكن القول إن النص السردي المغربي المعاصر يعيش لحظة غنية، تتسم بالتجريب والانفتاح، وبالسعي إلى تجاوز الأشكال التقليدية نحو كتابة أكثر عمقًا وتعقيدًا. إنها كتابة تقف عند تخوم الأدب والفكر، وتدعو قارئها إلى أن ينظر في مراياه الخاصة، وهو يتأمل مرايا السرد.

***

حسن لمين - كاتب مغربي