أقلام ثقافية
عبد السلام فاروق: سعيد السريحي.. خارج الأقواس!
الحقيقة أنني لم أكن أعرف الدكتور سعيد السريحي شخصياً. لا أدري لماذا يشعر المرء بالحاجة إلى توثيق هذه المقدمة بهذا الشكل، وكأنه يعتذر عن شيء. ربما لأننا تعودنا ألا نكتب عن أحد إلا إذا جلسنا معه على مقهى، أو تبادلنا أطراف الحديث في مؤتمر، أو كانت لدينا صورة تجمعنا به في مكان ما. ربما لأن ثقافتنا العربية تحب الشهادة الحية أكثر مما تحب القراءة المتأنية.
لكن الحقيقة الأخرى هي أنني قرأت له. وهذا في النهاية هو السبيل الوحيد الذي يجعل كاتباً ميتاً قادراً على مصافحة كاتب حي. القراءة. هي الجسر الوحيد الذي لا تهدمه الوفاة.
***
«الحياة خارج الأقواس».
هذا العنوان وحده كان كافياً.
تذكرت وأنا أقرأ السيرة التي كتبها، تلك المقولة التي لا أعرف إن كان قالها هو أم قالها غيره، لكنها عالقة في ذهني: «لا تكتب سيرتك الذاتية لتعترف، بل لتفهم». وهكذا كان. لم يكتب الراحل الدكتور سعيد السريحي سيرته كما يكتبها غيره، لم يجمع التواريخ ويصف الأمكنة ويعدد الأسماء. كان يحفر في نفسه كما يحفر عالم آثار في تل قديم، لا يبحث عن القطع الأثرية المصقولة، بل عن الكسرات التي تروي حكاية أعمق.
هذا هو الاختلاف الجوهري.
هذا النوع من الكتابة لا يشبه السيرة الذاتية التقليدية. إنه أقرب إلى التشريح، لكن بأدوات جراح لا يخشى الدم. كنت تقرأ الفصل فتتوقف لحظة، تضع الكتاب جانباً، وتتساءل: هل يقول عني هذا أيضاً؟.
لا أدري لماذا يشعر القارئ أحياناً بأن الكاتب يتسلل إلى رأسه ليلاً. ربما لأن التجربة الإنسانية، رغم تنوعها، تشترك في نقاط التماس ذاتها: الخوف من الفشل، الهاجس بالزمن الضائع، الوحشة وسط الزحام، والشك الدائم في أننا جميعاً نؤدي دوراً لا نرغب فيه.
(السريحي) تجرأ وكتب عن ذلك. خرج من تحت الأقواس المذهبية والمنهجية والاجتماعية، ووقف في العراء. والعراء مكان مرعب.
***
ثم «حجاب العادة».
عنوان يستفزك منذ الغلاف.
الرجل لا يكتب عن الكرم كفضيلة بديهية. هذا ممل. هذا ما يفعله خطباء الجمعة وأعمدة المجلات النسائية. (السريحي) يطرح السؤال الأكثر خطورة من الذي قرر أن هذا كرم وذاك بخل؟ كيف تحولت العادات إلى أخلاق، ثم تحولت الأخلاق إلى مسلمات، ثم تحولت المسلمات إلى سجن؟
الحقيقة أنه كان يمتلك تلك العين السينمائية التي ترى ما لا يراه الآخرون. عندما ينظر إلى مشهد عادي- ضيوف يصلون، مضيف يجهز القهوة، مجاملات تتطاير في الهواء - كان يرى طبقات من الخطاب المطوي. يرى السلطة وهي تختبئ خلف الكرم، يرى التراتبية الاجتماعية تحت مسمى «تقدير الضيف»، يرى الرقابة الذاتية التي تمارسها الجماعة على الفرد عبر مدح فضيلة العطاء.
هذا النوع من القراءة لا يدرس في الجامعات.
يمكنك أن تدرس طالباً عشرين عاماً قواعد النقد ومناهج التحليل، لكنك لا تستطيع أن تمنحه هذه النظرة. إما أن تكون لديه، وإما أن تظل كتاباته صحيحة نحوياً وميتة روحياً.
(السريحي) كانت لديه.
***
«غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم».
الحقيقة المؤكدة هي أننا نمر على مئات الأشياء يومياً دون أن نراها.
تمر القهوة في أيدينا صباحاً ومساء، نتجرعها في الاجتماعات المملة، نقدمها للضيوف بآلية تخلو من التفكير، نفرح بفناجينها المزخرفة، نشتم رائحتها فنستيقظ. لكن (السريحي) نظر إلى فنجان القهوة فرأى فيه عالماً.
كان مهتماً بالخطاب. بالتحريم والإباحة. بالتسمية والسلطة.
ليس مهماً أن تختلف مع تفاصيل تحليله. المهم أنك بعد أن تقرأه، لن تنظر إلى القهوة بالطريقة ذاتها. وربما، وهذا هو الأهم، لن تنظر إلى أي شيء بالطريقة ذاتها. هذه هي المعضلة الحقيقية مع كتاب كهذا: يفسدون عليك متعة الاستهلاك الساذج. يضعون في رأسك أسئلة لا تنام.
***
ثم هنالك الجرأة.
نتحدث كثيراً عن الجرأة في الثقافة العربية. كل أسبوع نكتشف كاتباً جريئاً، وكل شهر ندفن كاتباً قالوا عنه إنه تجرأ أكثر مما ينبغي. لكن جرأة (السريحي) كانت من طراز خاص؛ ليست جرأة الصوت العالي ولا الصادم المجاني. إنها جرأة الرجل الذي يقرر أن يفكر بصوت مسموع، في مجتمع لا يحبذ أن يفكر أحد بصوت مسموع.
هذه الجرأة كلفته.
لا أحد يكتب «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث» في التسعينيات ثم يجد الطريق مفروشاً بالورود. لا أحد يفكك خطاب «الصحوة» ويكتب «كي لا نصحو ثانية» ثم يتوقع أن يصفق له الجميع. لكن المثير للاهتمام - وهو ما يبدو واضحاً لمن يتتبع سيرته - أنه لم يكن مهتماً كثيراً بالتصفيق. كانت لديه هذه العادة السيئة، يكتب ما يعتقده، لا ما يضمن له مقعداً في الصف الأول.
***
هذه هي المفارقة، أليس كذلك؟
نحن في الوسط الثقافي نمارس لعبة غريبة. نتباكى على فقدان الجرأة، ونبكي على من رحلوا، ونكتب مقالات التأبين الباكية، لكننا في حياتنا اليومية - وقبل رحيلهم - كنا ننظر إليهم بارتياب. نضعهم تحت المجهر. نبحث في سيرهم الذاتية عن هفوة، في كتاباتهم عن زلة، في مواقفهم عن تناقض.
(السريحي) لم يسلم من ذلك.
وبرحيله، اكتشفنا فجأة أننا فقدنا شخصاً لم نكن نحسن قراءته وهو حي.
***
الحقيقة التي أحاول الوصول إليها، بعد هذه الرحلة القصيرة في مشروعه، هي أن (سعيد السريحي) كان يمثل نموذجاً نادراً، مثقف يرفض أن يكون ديكوراً !.
في ثقافتنا كثير من الديكورات. لوحات جميلة معلقة على الحائط، لا تؤثر في حرارة الغرفة ولا في هوائها. كتاب يصدرون كتباً، يحضرون مؤتمرات، يظهرون في شاشات، يلتقطون صوراً مع الوزراء، ثم يرحلون وكأنهم لم يكونوا.
(السريحي) لم يكن ديكوراً.
كان - باستعارتي الخاصة - «ناراً تحت الرماد» . قد لا تراها مباشرة، قد تظن أن الرماد هو كل شيء، لكنك إذا اقتربت كفاية، وضعت يدك فوقه، شعرت بحرارته.
***
لا أعرف إن كان (سعيد السريحي) سعيداً حقاً.
العنوان الفرعي لسيرته يقول إنها «سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد». كلمة «المدعو» تحمل شيئاً من السخرية المريرة، من المسافة التي يضعها الكاتب بينه وبين اسمه. من لا يشعر باغترابه عن هويته لا يكتب هكذا.
ربما لم يكن سعيداً.
لكن السؤال الذي يلح علي، وأنا أكتب هذه الكلمات في ليلة من ليالي فبراير 2026، ليس هل كان سعيداً؟، بل هل كان يستحق العناء؟.
والإجابة، ببساطة، هي نعم.
كل كتاب تركه، كل سطر كتبه، كل محاضرة ألقاها، كل طالب علمه كيف يشك في البديهيات، كل قارئ فتح عينيه على عالم غير الذي كان يراه، كل هذا كان يستحق العناء.
***
يقولون إن الإنسان يموت مرتين.
الأولى حين يتوقف قلبه عن النبض.
والثانية حين يتوقف الناس عن قراءته.
(السريحي) لا يزال على قيد الحياة. أمسكت بأحد كتبه قبل أيام، كان موضوعاً على رف لم أفتحه منذ سنة. فتحت العشوائية، وبدأت أقرأ. بعد دقائق، وجدت نفسي أحدثه: «حسناً يا دكتور، هذه النقطة لا أوافقك عليها».
هذا هو الخلود الوحيد الذي يستحق الذكر.
***
قبل أن أنهي هذه الكلمات، أتذكر شيئاً قاله الروائي أحمد خالد توفيق - وهو الآخر رحل تاركاً فراغاً لا يملأه أحد - عن الموت والكتابة. لا أتذكر النص حرفياً، لكن الفكرة كانت: أننا نكتب لأننا لا نستطيع أن نعيش مرتين، فنحن نفعل ذلك على الورق.
(سعيد السريحي) عاش أكثر من مرة.
عاش في المملكة العربية السعودية حيث درس وعلم وأبدع، وعاش في القاهرة حيث ناقش وشكك وحاور، ويعيش الآن في كل مكتبة تضم كتبه، في كل قارئ يفتح «الحياة خارج الأقواس» لأول مرة، في كل باحث يعود إلى «غواية الاسم» ليستخرج منه دلالة جديدة.
ربما هذا هو ما تبقى لنا في النهاية.
ليس الموت هو النهاية، بل النسيان. و(السريحي)، بجدارة، لن ينسه أحد.
***
د. عبد السلام فاروق






