أقلام ثقافية
عبد السلام فاروق: متحف فاروق حسني.. سيرة بالألوان.. كنز الزمالك الفني!
"المتحف الصغير".. هكذا ارتأى الفنان فاروق حسني، بكل ما تحمله الكلمة من دلالات التواضع والحميمية والتركيز على الجوهر، أن يسمي أجمل وأغلى ما يملك. حول حلمًا ظل يراود مخيلته طويلاً، ويتراءى له في لحظات الصفاء والإبداع، إلى مشروع ثقافي يروي قصة عمر بأكمله، عمر قضى شطرًا كبيرًا منه في دهاليز السياسة وإدارات الثقافة، لكن قلبه ظل معلقًا بين ريشة وألوان ولوحة.
وعلى الرغم من صغر مساحته، إلا أن هذا المشروع أمسى يمثل نقطة ضوء تشع إبداعًا وجمالا بالألوان. يضم بين جنباته تأثيرات متراكمة، طبقات فوق طبقات من الخبرة الجمالية والتجريب الفني، يستشعر قوتها ووقعها كل من تطأ قدماه تلك المساحة الوديعة الرحبة.
وكتأثير أجنحة فراشة تحرك الهواء بلطف، قد يبدو خفيًا للوهلة الأولى لكن عواقبه تمتد عبر المسافات، تستطيع هذه المساحة المتحفية أن تبعث في الروح شغفًا بالألوان والأشكال والفراغات والخطوط، تلك المكونات الأولية والأساسية لعالم البصر والإبصار.
منذ أن فتح المتحف أبوابه في حي الزمالك العريق، ذي الشوارع الوارفة الظلال والعمارات العتيقة التي تحكي تاريخًا، باتت مساحته الهادئة دليلاً قاطعًا، في زمن مزدحم بالاستعراض والزحام والصخب اللفظي والبصري، على أن الفن والإبداع لا يحتاجان إلى ضجيج بقدر حاجتهما إلى الصدق، ولا إلى الضخامة بقدر احتياجهما إلى العمق، ولا إلى التعقيد بقدر توقهما إلى البساطة الموحية. وبهذا المتحف الصغير ذي التأثير العميق، ستظل تجربة الفنان فاروق حسني واحدة من أبرز وأهم التجارب المؤثرة في تاريخ الفن التشكيلي المصري المعاصر، شاهدة على إرث ثقافي متماسك، ومشروع جمالي متواصل.
قصة الوفاء.. بين الوعد والتحقيق
عند أحد أركانه وقف فاروق حسني، يستقبل محبيه وأصدقاءه، وهم كثر، من مختلف الأجيال والاتجاهات. وبابتسامة انتصار خفيفة تعلو وجهه، قدم لهم جوهرة عمره، لوحاته، وخزانة ألوانه، وما تحمله من رؤيته التجريدية عن الفن والحياة والطبيعة والكون. إنه متحفه الصغير، الذي يحمل تجربته مع الحياة في أكثر من مائة عمل مفعم بالألوان، تتفجر داخلها كافة المشاعر الإنسانية بقوة لا هوادة فيها، من الفرح الأقصى إلى الحزن الأعمق، ومن الثورة الصاخبة إلى التأمل الساكن. من لون البحر الشديد الزرقة، ذلك اللون المتغلغل في ذاكرته الإسكندرانية، وما يمثله من مشاعر تمرد وغضب وعمق لا ساحل له، إلى لون الخضرة اليانعة وما تحاكيه من هدوء وسكينة وطمأنينة ترتوي بها النفس، وحتى لون الأصفر المتوهج وما يمثله من مشاعر إنسانية صارخة أو حتى مشاعر دفينة، كامنة في الأعماق، داخل كل واحد منا.
الكل جاء ليلتقي به وبمنجز حياته، يتأمل مقتنياته ولوحاته وإصراره العنيد على مواصلة التواجد بقوة وسط زخم الحياة الإبداعية والفنية والثقافية، رافضًا أن يكون وزيرًا سابقًا فحسب، مصرًا على أن يكون فنانًا دائم الحضور.
جاءوا والفضول يملأ قلوبهم عما يحويه هذا المتحف الصغير الذي طال انتظاره. سنوات وسنوات مرت وهو يردد في مناسبات شتى، وبإصرار لا يلين، أنه سيترك أعماله ومقتنياته وبيته ليكون متحفًا يتبع الدولة المصرية ووزارة الثقافة، هبة منه للأجيال القادمة.
تبدلت الظروف وتغيرت الأحوال، ومرت الأيام وتحولت المواقف، وظل هو على فكرته راسخًا كالجبل، ووعده ثابتًا كالقطب. حتى جاء اليوم المنشود، فأوفى بوعده، وحول مرسمه الصغير وحديقته البسيطة التي كانت ملاذه الخاص، إلى متحف يحمل اسمه "المتحف الصغير لفاروق حسني". لم يكن تحويل المكان مجرد فعل إداري أو معماري، بل كان تحويلاً للروح، تحويلاً للذات من حيز الخصوصية إلى فضاء العمومية، بكل ما في ذلك من كرم وتضحية.
طبيعة المكان وروحه..
"أول متحف للفن التجريدي في مصر".. هكذا تحدث عنه الفنان فاروق حسني نفسه، وزير الثقافة الأسبق، الذي أطلق عليه اسم "المتحف الصغير" نظرًا لمساحته المحدودة الممتدة داخل دور أرضي لإحدى عمارات حي الزمالك ذات الطراز المعماري المميز، العتيق والأنيق. إلا أن هذا الصغر الظاهري، وهذا التواضع المتعمد في التسمية، لا ينفي أبدًا أن هذا المكان يمثل قراءة شخصية شاملة وعميقة لمسيرة الفنان الإبداعية الطويلة. كل ركن من أركانه، كل زاوية من زواياه، يحمل جزءًا من تاريخه وتجاربه الفردية، رسوماته التي هي سيرة حياته المرئية، صوره الشخصية التي تلتقط لحظات من عمر طويل، أدوات رسمه وألوانه وفرشه الخاصة وهي امتداد لأصابعه وروحه، مكتبه وكرسيه المفضل حيث جلس يفكر ويخطط ويحلم، حتى مكتبته الخاصة المليئة بأمهات كتب الفن والإبداع والمقطوعات الموسيقية أيضًا، والتي كانت تغذي عقله ووجدانه.
كما يضم المتحف أعمالاً فنية لرواد الفن التشكيلي في مصر والعالم، مما يجعله سجلًا لعلاقات فنية وإنسانية امتدت لعقود. فالمتحف الصغير يعتبر مساحة دائمة للحوار الحر بين فاروق حسني الفنان، وفاروق حسني الجامع لمقتنيات فنية، وبين مختلف الفنون والاتجاهات، مع تركيز خاص على الفن التجريدي المعاصر. وهو بهذا يحمل تأثيرًا عميقًا ومحتملاً في حركة الفن التشكيلي المصري، ويمثل إضافة جديدة ومهمة، بل وثمينة، لسجل المتاحف الفنية المصرية التي تزداد ثراء بهذا الصرح الجمالي المتواضع في شكله، العظيم في مضمونه.
رسالة للأجيال القادمة..
"إليهم أترك متحفي الصغير كي يقوموا بإثرائه بأفكارهم ورؤاهم.. هم نخبة من الشخصيات ذات الفكر والثقافة والإبداع".. هكذا تحدث عن المتحف الصغير، بمنطق الأب الروحي الذي يودع أبناءه الفكريين إرثه، واثقًا في قدرتهم على الحفاظ عليه وتنميته. وقد قرر أن يكون هذا المتحف جزءًا من مؤسسة فاروق حسني للفن والثقافة، مما يضمن له الاستمرارية والحيوية. وهو، حسب رؤيته، يسعى لاحتضان شباب المبدعين والفنانين، ويوجه لهم دعوة صريحة وقلبية يرددها "المتحف مفتوح لكل من يرغب من الشباب.. أنتم مرحب بكم في كل وقت..".
هنا، داخل هذه المساحة، يجد الزائر الشاب أو الباحث مكتبة متخصصة في تاريخ الفن والتصميم والعمارة، وأخرى مكتبة موسيقية لكل من يريد أن يبحث ويستزيد وينهل من منابع المعرفة الجمالية. كما يشعر المرء بأن هناك تزاوجًا عبقريًا بين الأعمال واللوحات من جهة، والفراغ والعمارة المحيطة من جهة أخرى، في تناغم بصري أخاذ يريح النفس ويثري العين.
ويضيف الفنان شارحًا فلسفته قائلاً: "المتحف قد يحمل اسمي، لكنني لم أحب أن أستأثر به لأعمالي وحدي.. فضلت أن يحتضن مقتنياتي من أعمال كبار الفن، حتى يشعر الزائر بالسخاء الفني والتنوع الجمالي..". فالمتحف، في النهاية، ما هو إلا احتفاء بوجود كل المحبين والفنانين والمبدعين، واحتضان لهم، كي يؤثروا بدورهم في المجتمع ككل. إنه هدية يقدمها بكل الحب والتقدير، لأن "هم أولى به، وهو أولى بهم"، على حد تعبيره الدافئ، الذي يجمع بين الامتنان والمسئولية.
بين الإدارة والإبداع..
عرف المصريون فاروق حسني وزيرًا للثقافة لأمد طويل، ونصيرًا للفن والإبداع على مدار أكثر من أربعين عامًا. وكان طوال تجربته الحكومية رجل دولة بامتياز، نجح في الحفاظ على مكانته السياسية باحتراف، وتمكن من جمع الوسط الثقافي والفكري بفضل رؤيته وسعة صدره. وبالرغم من دوره السياسي والإداري البارز، الذي قد يبتلع أي فنان، كان يطل سنويًا بمعرض فني جديد يحمل بعضًا من رؤاه وأفكاره الجديدة، لينال حفاوة وتقديرًا مستحقًا من الوسط الثقافي والفني الذي رأى فيه دائمًا الفنان الحقيقي قبل الوزير.
واليوم، في هذه المرحلة المتألقة من عمره، يعود مرة أخرى ليقدم تجربته الحياتية والفنية مجسدة في مكان، ويقوم بحكايتها بنفسه داخل مرسمه الخاص المتحول إلى متحف، متحولًا من وزير إلى راو لفنه، من مسئول إلى حكاء، من مدير إلى مبدع يعرض خلاصة رحلته. إنها تحولات عميقة في الأدوار، لكنها تحولات تظل متماسكة بخيط جوهري واحد هو حب الفن والتفاني في خدمة الجمال.
لغة اللون والخطوط..
يفتح المتحف أبوابه للناس جميعًا، للعارفين والمبتدئين، للنقاد والجمهور العادي، ليشاركوه ألوانه وأحلامه وأفكاره دون حاجز أو وسيط أو تكلف. فهو مساحة حميمية بامتياز، اختارها لتكون بمثابة اعتراف شخصي منه كفنان، اعتراف متاحًا أمام الجمهور بكل شفافية. هناك، يستطيع المتأمل أن يرى تفاصيل عالمه التجريدي الخاص، حيث يصبح اللون هو البطل بلا منازع، هو المحرك والباعث والمعنى. لا نجد في لوحاته حكاية مباشرة ذات تفاصيل وسرد واقعي، إنما عالمًا مليئًا بالإحساس المفعم والخيال الجامح، يحمل رؤية تعيد تشكيل المساحة وتقدم بعض الذكريات المجردة والمشاعر المكثفة، تاركة مهمة استكمال التفاصيل وإدراك المعنى لكل من يراها، لكل عين تتأمل وكل قلب يفتح.
كل ركن في المتحف يشبه صفحة من سيرة غير مكتوبة، تتجاوز تجربة الفنان فاروق حسني الفردية لتمتد إلى تجارب فنانين آخرين، بعضهم من الشباب الواعد الذي يرى في المتحف منارة، والبعض الآخر من رواد الفن المصري العظام الذين رافقوه في الرحلة. حيث يستقبل الزوار عند العتبة تمثال "المحارب" للفنان العظيم آدم حنين، وكأنه يقف شامخًا ليدافع عن صديق عمره وحلمه. وداخل المتحف، ثمة جدار أشبه بجدار التكريم، يضم عددًا من أعمال أهم الفنانين الذين أثروا الحياة الفنية المصرية، منهم أدهم وسيف وانلي، ومنير كنعان، وحامد ندا، ومن قبلهم محمود سعيد. كأننا أمام خريطة علاقات إنسانية وثقافية حية، صنعتها سنوات الفن والإبداع والمودة عبر أكثر من قرن من الزمان.
وداخل المتحف، توجد غرف صغيرة أيضًا في حجمها، لكنها عميقة التأثير في محتواها غرفة تحوي شاشة تعرض كل مقتنياته وأعماله وأفكاره بشكل رقمي. تجلس أمامها، فيأخذك الزمن الفني دون أن تشعر، تستعرض كل شيء، لوحات، إنجازات، بناء متحفي، أفكار إبداعية. هي متحف افتراضي، متحف صغير داخل المتحف الصغير، يثري التجربة ويوسع مداها. وهناك أيضًا غرفة صغيرة أخرى تحتضن جدرانها بعضًا من صوره الشخصية وبورتريهاته، التي يبدو فيها بشكل يشابه لوحاته، مليئًا بالحياة والتأمل، وتتوسطهم لوحته القديمة لمراكب شط إسكندرية، حاملة عبق الماضي وملح البحر وذكريات البدايات.
رحلة مشاعر بصرية
المتحف الصغير يأخذك في تجربة بصرية جمالية راقية وممتعة، مليئة بالألوان التي تتحاور وتتصارع وتتناغم، تنبض بكل المشاعر الإنسانية المتضاربة والصادقة في نفس الوقت. داخله، يستطيع الزائر أن يتأمل لوحات ضخمة يبدو أنها تحكي قصة تمرد أو غضب كوني، ولوحات أخرى أصغر تحمل مسًّا من الهدوء والسكينة، أو يبدو عليها شعور خفي بالرضا والامتنان للحياة. أكثر من مائة عمل فني تستعرض خلطات سرية من الألوان، تكشف عن مشاعر صادقة وأحيانًا صادمة وصارخة، لا يملك كل من يراها سوى التفاعل معها على نفس القدر من الشعور، سواء كان إعجابًا أو حيرة أو سؤالاً.
وقد يحتاج المتحف الصغير لأكثر من زيارة، حتى يتمكن محبو الفن التشكيلي من استيعاب هذا القدر الهائل من المشاعر المتفجرة بقوة، والتي أضفت خصوصية شديدة الذاتية والتميز للجملة التجريدية داخل أعماله الفنية. كل زيارة تكتشف فيها طبقة جديدة، معنى مغايرًا، حوارًا مختلفًا بين الألوان.
موسيقى لونية متمردة..
ثمة مقولة تنطبق على الفنان فاروق حسني، مفادها أن الفنان الحقيقي بطبعه متمرد، ولو لم يكن متمردًا، لظل ثابتًا في مكانه، ولتموت داخله روح الإبداع والبحث. وهو ما انطبق عليه تمامًا، حيث ظل على قناعاته التجريدية راسخًا، يبحث ويجرب ويسبر أغوار الكون من حوله، في رحلة شيقة ومتواصلة من الألوان والخطوط. انطلق من قناعة راسخة بأن التجريد هو الوسيلة المطلقة للتعبير عن المطلق نفسه، عن الجوهر المجرد من القشور. وداخل متحفه الصغير، نجح في إثبات أن التجريد ليس هروبًا من الواقع، بل هو فن راسخ وعميق، يبحث في مطلقات الأشياء والقيم والرؤى، ويمتلك القدرة على الاقتناص من الفكر المطلق والشعور الخالص، وتكثيفه في رسم ذي إيقاع موسيقي فني.
وهذا ما نراه جليًا في لوحاته؛ فهو فنان متمرد على الإيقاع التقليدي، متمرد على مساحة اللون النمطية، متمرد على الخطوط المتعارف عليها، تمردًا من أجل خلق جديد، من أجل لغة بصرية خاصة به. لوحاته تكشف عن رؤية عاطفية ووجدانية وذهنية معًا، تضع المشاعر اللونية في مجال له صيغة نص متكامل، كأنها قطعة موسيقية نراها بالعين لا بالأذن، نسمع ألوانها بإحساسنا لا بآذاننا.
***
د. عبد السلام فاروق







