عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

أرافيند أديغا: محطة مدفعية السلطان

بقلم: أرافيند أديغا

ترجمة: صالح الرزوق

***

تعتبر محطة بطارية مدفع السلطان، التي تراها في الطريق المتجه إلى قرية سولت ماركيت "سوق الملح"، واحدة من أضخم العلامات السياحية في كيتور. أسرع نحو قبة المقام البيضاء، وتحت أحد إبطيه كرسي خشبي قابل للطي، وتحت الثاني حقيبة حمراء يحفظ بها ألبوم صوره، وسبع زجاجات تمتلئ بحبوب بيض. حينما بلغ المقام، مشى على طول الجدار، ولم يبذل أي انتباه لطابور المتسولين الطويل المحاذي للجدار: المجذومون الجالسون على رقع، الرجال الذين بترت أذرعهم وسيقانهم، الرجال المقعدون في الكراسي المتحركة، والرجال الذين ضمدوا عيونهم، ومخلوق بعضدين بنيين صغيرين، مثل زعانف الفقمة، كانا في مكان ذراعيه، ساق عادية متبقية، وكتلة طرية بنية مكان ساقه الثانية، كأنه حيوان مصعوق بالكهرباء، مع عينين مسمرتين وسوداوين تناسبان وضعه وكان يهتف: "الله، الللله، الله، الللله". تجاوز هذا الموكب البشري المؤسف، ومر من خلف المقام. ثم تابع من بين الباعة الجوالين الجالسين القرفصاء على الأرض بطابور طويل يبلغ نصف ميل. مر على صفوف بضائع تتراوح بين أحذية الأطفال، وحمالات الصدر، والقمصان الخفيفة التي تحمل شعار "نيويورك المدينة العابثة"، ونظارات شمسية مقلدة من ماركة راي بان، وأحذية نايك مقلدة، وأحذية أديداس مقلدة، وأكوام من صحف الأوردو والمالايالام. لمح فتحة بين بائعين غشاشين، بائع أحذية وآخر بائع حمالات صدر متجول. وهناك فتح طاولته، ومد عليها قطعة ورق أسود لماع ذات حروف مذهبة براقة. والكلمات المذهبة هي: راتناكارا شيتي، الدعوة خاصة، المؤتمر الآسيوي الرابع عن السيكسولوجي، فندق قصر نيو هيل توب، نيدلهي، نيسان 12-14، 1987. بدأ الشباب الذين جاؤوا إلى الصلاة في المقام، أو لأكل كباب لحم الخرفان في أحد المطاعم الإسلامية، أو ببساطة لمشاهدة البحر، بالتحلق في نصف دائرة حول راتنا، ومراقبته وهو يضع على الطاولة ألبوم صور بلون أصفر داكن، وزجاجات الحبوب البيض السبعة. وباستعراض بطيء، أعاد ترتيب الزجاجات، كما لو أنه يتوجب عليها أن تكون بأوضاع منضبطة ليبدأ عمله. والحقيقة أنه كان ينتظر المزيد من المشاهدين. ثم جاؤوا. ووقفوا بأزواج أو منفردين، وأصبح حشد الشباب يبدو مثل ستون هنج بشري، بعضهم وضع يديه على كتف صديقه، وبعضم وقف وحيدا، والقليل منهم أقعى على الأرض، مثل صخور متساقطة. وفجأة بدأ راتنا بالكلام. جاء الشباب مسرعين، وتضاعف الزحام، إلى أن أصبح كل اثنين أو ثلاثة أشخاص وراء بعضهم البعض، وتوجب على من هم في الخلف أن يقفوا على رؤوس أصابعهم ليكسبوا لمحة من طرف عالم الجنس الذي فتح ألبومه، وسمح للشباب برؤية الصور المحفوظة في الجيوب البلاستيكية. شهق المشاهدون. أشار راتنا إلى صوره وتكلم عن الشذوذ والدعارة. ووصف عواقب الخطيئة: وأشار إلى خط حركة الجراثيم الجنسية في الجسم، وهو يلمس حلمتيه، وعينيه، ثم منخريه، وفي الختام أغلق عينيه. تسلقت الشمس السماء، وأصبحت قبة المقام البيضاء أنصع. تقارب الشباب حول نصف الدائرة، وبذلوا جهدهم للاقتراب من الصور الفوتوغرافية. ثم أقدم راتنا على فعلته: أغلق الدفتر، ورفع بكلتا يديه زجاجة الحبوب البيضاء، وشرع بهز الحبوب وهو يقول: "مع كل زجاجة من الحبوب تتلقى شهادة اعتماد من حكيم بهاغوانداس من دارياغانج بدلهي. وهذا الرجل طبيب متمرس، تعلم في مصر، ووظف علومه لصناعة حبوب بيض عظيمة تشفي كل أوجاعكم. كلفة كل زجاجة أربع روبيات وخمسون بيسة فقط!. نعم هذا كل ما تدفعه لغسل ذنوبك وكسب فرصة ثانية في هذه الحياة. أربع روبيات وخمسون بيسة".

في المساء صعد في حافلة 43B وهو ميت من التعب، ومعه حقيبته الحمراء، وطاولته المطوية. كانت الحافلة مزدحمة في هذه الساعة. تمسك بحزام يتدلى من السقف وكان يتنفس ببطء. عد حتى الرقم 10، لاستعادة قوته، ثم دس إحدى يديه في الحقيبة الحمراء، وأخرج أربع بروشورات خضراء، وعلى غلاف كل منها صورة ثلاث جرذان كبيرة. رفع البروشورات عاليا بيد واحدة، بأسلوب مقامر يرفع بطاقاته، وتكلم بأعلى صوت ممكن يقول: "سيداتي وسادتي!. كلكم يعلم أننا نعيش في سباق جرذان، الوظائف قليلة، واستمارات التوظيف المقدمة كثيرة. كيف سيعيش أبناؤكم، وكيف سيؤمنون وظائف مثل التي تنعمون بها أنتم؟. فالحياة في هذا اليوم وهذا العمر سباق جرذان حقيقي. في هذا الدفتر فقط ستجدون الآلاف من المعلومات العامة المفيدة، مرتبة بشكل سؤال وجواب، ويحتاجها أبناؤكم وبناتكم ليعبروا امتحان الوظائف المدنية، امتحان المصارف، وامتحان الشرطة، وغيرها من الوظائف التي تحتاج للنجاح في سباق الجرذان. على سبيل المثال..". التقط أنفاسه بسرعة وتابع: "لإمبراطورية المغول عاصمتان: كانت دلهي إحداهما. ما هي الأخرى؟. أربع مدن رئيسية شيدت في أوروبا على ضفاف نهر واحد. ما اسم ذلك النهر. من كان أول ملك حكم ألمانيا؟. ما هي عملة أنغولا؟ مدينة أوروبية واحدة كانت عاصمة ثلاث إمبراطوريات مختلفة. ما اسم المدينة؟. تورط رجلان في اغتيال المهاتما غاندي. أحدهما ناثورام غودسي. ما اسم الرجل الآخر. ما ارتفاع برج إيفل بالمتر؟". وهو يرفع الكتيبات بيمناه، ترنح إلى الأمام، وتمالك نفسه حينما قفزت الحافلة من فوق حفرة في الطريق. طلب راكب واحد الكتيب، ومد يده بروبية. تراجع راتنا، وانتظر بجانب باب الخروج، وعندما أبطأت الحافلة حركتها، خفض رأسه للمفتش بعلامة شكر صامتة، وغادر. ذهب إلى بيته، علق قميصه على خطاف بجوار الباب، ركل الباب ليفتحه، ودخل وهو يحك إبطه وشعر صدره. جلس على كرسي، زفر بقوة وصاح: "يا كريشنا، يا كريشنا"، ثم مد ساقيه، ومع أن بناته كن في المطبخ، أدركن فورا أنه جاء - فقد اندلعت في البيت رائحة قدمين عطنة وخانقة مثل طلقة مدفع للتحذير. أفلتن مجلاتهم النسائية، وأسرعن لأداء عملهن. وكانت الزوجة تقرقع بالأطباق والقدور. بعد أن دخن لفافة تندو ثانية، وارتاح جسده بشكل واضح، وجدت الشجاعة لتقترب منه وهي تقول: "قال المنجم إنه سيأتي في التاسعة".

-"آه".

شغل المذياع، ثم وضعه على فخذه، وربت براحته على فخذه الثاني، متتبعا اللحن الموسيقي، وهو يدمدم بشكل متواصل، وينشد الكلمات التي يتعرف عليها.

همست: "إنه هنا". أشعل المذياع، حالما دخل المنجم إلى الغرفة، وطوى راحتيه بالتحية الهندية. جلس على الكرسي، والتقط قميصه، الذي علقته زوجته لأجله على خطاف بجوار قميصه السابق نفسه. انتظرت زوجته والبنات في المطبخ، فعرض المنجم على راتنا صور الصبيان. فتح ألبومه، والذي يحتوي على صور بالأبيض والأسود، وتأمل الوجوه صبيا بعد آخر، وكانوا يبادلونه النظر من بورتريهات عابسة وموتورة. لمس راتنا إحداها بإبهامه. فسحبها الفلكي من الألبوم.

قال راتنا بعد لحظة صمت: "هذا الولد يبدو مناسبا. كيف يكسب الأب قوت يومه؟".

- "يمتلك متجرا للألعاب النارية في شارع كار. تجارته ناجحة جدا. والولد وريثه".

تعجب راتنا برضا صادق وقال: "تجارته مجرد خطوة إلى الأمام في سباق الجرذان. وأن تكون بائعا يعني أنك في طريق مسدود".

أسقطت زوجته شيئا في المطبخ، ثم سعلت، ثم أسقطت شيئا آخر.

صاح: "ماذا يجري؟".

قال صوت ضعيف شيئا عن "المنظار".

رد راتنا: "اخرسي". ومد الصورة نحو المطبخ قائلا: "لدي ثلاث بنات للزواج وهذه العاهرة الملعونة تعتقد أن بوسعي أن أختار؟". وألقى الصورة في حضن المنجم.

رسم المنجم شارة x خلف الصورة. وقال: "يتوقع والدا الصبي شيئا. إشارة".

- "الدوطة". ذكر راتنا الكلمة الشريرة باسمها الصحيح وبصوت ناعم. وأردف: "رائع. وفرت النقود لأجل هذه البنت".

ثم زفر وأضاف: "ولكن الله وحده يعلم كيف سأتدبر دوطة لأجل الاثنتين المتبقيتين".

صر على أسنانه بحنق، والتفت نحو المطبخ وأطلق صرخة عظيمة.

في يوم الاثنين التالي، ظهر فريق الصبي. واضطرت الفتاة الأصغر للتنقل بصينية تحمل أكوابا من عصير الليمون، بحضور راتنا وزوجته الجالسين في غرفة الزوار. غطى وجه روكميني طبقة بيضاء سميكة من مسحوق جونسون للأطفال، وتخلل شعرها جدائل من الياسمين، ولاحقا ضربت على أوتار فينا لتنشد أغنية دينية، وهي تنظر من النافذة إلى شيء بعيد. كان والد عريس المستقبل، تاجر المفرقعات، جالسا على فراش أمام روكميني مباشرة. كان رجلا عملاقا بقميص أبيض وسارونج قطني أبيض، وشعر غزير ينمو على أذنيه بشكل خصل لماعة وفضية. حرك رأسه مع إيقاع الأغنية التي تعزفها روكميني. واعتبر راتنا ذلك إشارة طيبة. أما حماة المستقبل، وهي مخلوقة أخرى ببشرة سمراء، فقد كانت تنظر فيما حولها، نحو السقف وزوايا البيت. وكان لعريس الأيام القادمة لون بشرة والده الخفيفة وسماته، ولكنه أصغر كثيرا من أبيه أو أمه، ويبدو أقرب إلى حيوان منزل في العائلة ولا يشبه ابنا محترما فيها. وفي منتصف الأغنية مال وهمس في أذن والده المشعرتين بكلام ما. هز التاجر رأسه. نهض الولد وانصرف. رفع الوالد أصبعه الصغيرة وعرضها على الحاضرين في الغرفة. ضحك الجميع. عاد الولد، وجلس في موضع بين أبيه البدين وأمه البدينة. جاءت البنتان الأصغر بصينية ثانية من عصير الليمون، فأخذ تاجر المفرقعات البدين وزوجته كأسين، وكما لو أنه يقلدهما أخذ الصبي كأسا ورشف منها. وحالما لمس السائل شفتيه، ربت على والده وهمس ثانية في أذنه المشعرة. في هذه المرة قطب العجوز وجهه، ولكن ركض الولد خارجا. وربما ليصرف نظر الآخرين عن ابنه، سأل بصوت رنان: "هل لديك يا صاحبي الطيب لفافة تبغ؟". بحث راتنا في المطبخ عن علبة لفافاته، وشاهد من خلال شبك النافذة العريس المنتظر يتبول بعصبية على جذع شجرة أشوكا كانت في الباحة الخلفية. فكر وهو يعبس: يا له من شاب عصابي. وأردف: ولكن هذا شيء طبيعي. وشعر بعاطفة قليلة حيال هذا الشاب الذي سيصبح جزءا من عائلته عما قريب. كل الرجال يكونون عصبيين قبل زفافهم. ويبدو أن الصبي انتهى من تبوله، فقد نفض عضوه، وابتعد عن الشجرة. ولكن بدل أن يتابع، وقف جامدا. بعد دقيقة رفع رأسه إلى الخلف وبحث عن هواء للتنفس، مثل رجل يغرق.

عاد رجل ترتيبات الزواج في المساء لينقل عن تاجر المفرقعات أنه معجب بغناء روكميني. وأخبر راتنا: "حدد الموعد فورا. خلال شهر، سيبدأ إيجار صالات الزفاف بــ". ونحى راحتيه بحركة نحو الأعلى. هز راتنا رأسه. ولكن بدا شاردا.

في الصباح التالي، ركب الحافلة إلى شارع أمبريلا، وتجاوز مستودعات الأثاث والمراوح، حتى وجد متجر المفرقعات. كان الرجل البدين ذو الإذنين المشعرتبن جالسا على مقعد مرتفع، أمام جدار تغطيه صواريخ وقنابل ورقية، كأنه وكيل رب النار والحرب. وكان عريس الغد في المتجر أيضا، ولكنه على الأرض، ويلعق أطراف أصابعه، ويقلب صفحات السجلات. ركل الرجل البدين ابنه ركلة خفيفة قائلا: "سيكون هذا الرجل حماك، ألن ترحب به؟". وابتسم لراتنا وتابع: "هذا الولد خجول". شرب راتنا الشاي، وتكلم مع الرجل البدين، ولم يرفع عينه عن الولد طيلة الوقت. ثم قال له: "تعال معي يا بني. لدي سؤال خاص لك".

مشى الاثنان على الطريق، دون أن يقولا كلمة، حتى بلغا شجرة بانيان تنمو بجوار معبد هانومان. أشار راتنا أنه عليهما أن يجلسا في ظل الشجرة. وأراد أن يمنح الصبي ظهره لحركة المرور، وكانا يتأملان المعبد. لبعض الوقت ترك راتنا الشاب يتكلم، ولم يفعل أي شيء سوى ملاحظة عينيه، وأذنيه، وأنفه، وفمه، ورقبته. وفجأة قبض على معصم الشاب وقال: "أين وجدت هذه العاهرة التي عاشرتها؟". أراد الولد أن ينهض، ولكن ضاعف راتنا الضغط على معصمه، ليشير أنه لا يوجد مجال للهرب. التفت الصبي بوجهه نحو الطريق، كأنه يطلب العون. زاد راتنا مقدار الضغط على معصمه وقال: "أين عاشرتها؟ بجانب الطريق، أم في فندق، أو خلف مبنى؟". ولف معصمه بقسوة.

صاح الولد: "بجانب الطريق". ثم التفت إلى راتنا، بوجه يوشك أن ينفجر بالدموع. وتابع: "كيف عرفت؟".

أغلق راتنا عينيه. زفر. أفلت معصم الصبي وقال: "عاهرة سواق شاحنات". لطم رأس الولد، فبدأ يعول قائلا وهو يلجم عويله: -"عاشرتها مرة فقط".

-"مرة واحدة تكفي. هل يحرقك حينما تتبول".

-"نعم. يحرقني".

-"مع غثيان؟".

سأل الولد عن معنى الكلمة الإنكليزية وقال: "نعم" حينما فهمها.

-"وماذا أيضا؟".

-"أشعر بشيء كبير وصلب ككرة من المطاط الصلب ببن ساقي طيلة الوقت. ثم النعاس وأحيانا الدوار".

-"هل تنتصب؟".

-"نعم. لا".

-"أخبرني كيف يبدو عضوك. هل هو أسود؟. هل هو أحمر؟ هل تورمت شفتا عضوك".

بعد نصف ساعة، كان الرجلان تحت شجرة البانيان، بمواجهة المعبد.

طوى الشاب راحتيه قائلا: "أتوسل إليك.. أتوسل إليك". هز راتنا رأسه قائلا: "يجب أن ألغي الزفاف، ماذا يمكنني غير ذلك الآن؟. كيف يسعني أن أسمح لابنتي أن تصاب بهذا المرض أيضا؟".

حدق الصبي بالأرض ولم يرفع عينه عنها، كأنه فقد ببساطة كل وسائل الرجاء. لمعت قطرة رطوبة على أرنبة أنفه كالفضة وقال بهدوء: "سأنتقم منك". مسح راتنا يدين بقفا سارونجه وسأل: "كيف؟".

-"سأقول إن البنت نامت مع شخص ما. وسأقول إنها ليست عذراء. ولذلك توجب عليك إلغاء الزفاف". بحركة سريعة، قبض راتنا على رأس الولد، ودفعه نحو الخلف، وتركه هكذا مدة دقيقة، ثم لطمه بالشجرة. ونهض وبصق على الولد قائلا: "أقسم بالإله الجالس في المعبد أمامنا، سأقتلك بيدي لو فعلت ذلك".

مرت ثلاثة شهور أو ما قارب ذلك. في صباح أحد الأيام كان عائدا إلى مكانه وراء القبة البيضاء، وهو يصبح برجال قلقين واقفين مثل صخور ستون هنج، رأى وجها جعل قلبه يتوقف. بعد ذلك بعد أن انتهى من كلامه، شاهد الوجه ثانية، أمامه.

فح بصوته: "ماذا تريد؟ تأخر الوقت جدا. بناتي متزوجات الآن. لماذا أتيت إلى هنا؟".

طوى راتنا طاولته تحت ذراعه، وألقى أدويته في حقيبته الحمراء، وتحرك بسرعة. تبعته خطوات متعجلة. لهث الصبي - ابن تاجر المفرقعات - وهو يتكلم قائلا: "الأمور تسوء كل يوم. لا أستطيع التبول بدون أن يحرقني عضوي بشدة. عليك أن تنجدني بشيء ما. عليك أن تعطيني حبوبك".

شحذ راتنا أسنانه قائلا: "لقد ارتكبت الخطيئة أيها القذر. وجالست عاهرة. والآن تدفع ثمن ذلك".

أسرع بمشيته، وزاد من سرعته، ثم اختفى وقع الخطوات، وأصبح وحيدا. لكن في الأمسية التالية، شاهد الوجه ثانية: ثم تبعته الخطوات المتعجلة طيلة الطريق، حتى موقف الحافلة. وقال له الصوت مرارا وتكرارا: "أغثني". لكن راتنا لم يلتفت. صعد على متن الحافلة. وحينما لاحت له معالم الحصن المظلم من بعيد، أبطأت الحافلة وتوقفت. فغادرها. وغادرها معه شخص ما. مشى. شخص آخر مشى وراءه. استدار راتنا وقبض على متعقبه من ياقته ليقول: "ألم أخبرك أن تتركني وحدي؟ ماذا دهاك؟". دفع الولد يد راتنا، ورتب ياقته، وهمس: "أغثني. أعتقد أنني أموت. أنقذني".

-"انظر لي. لا يمكنني. لن يشفى أي شاب بأي شيء أبيعه. ألم تفهم؟". مرت لحظة صمت، ثم همس الصبي: "ولكنك شاركت بمؤتمر الجنس.. اللافتة الإنكليزية تقول ذلك...".

رفع راتنا يده إلى السماء وهو يقول: "وجدت تلك اللافتة على الأرض".

-"ولكن حكيم بهاغوانداس في دلهي..".

"حكيم بهاغوانداس في مؤخرتي. تلك حبات سكر أبيض أشتريها بالجملة من صيدلية في كاروار، ثم تملأها لي ابنتي بالزجاجات، وتلصق عليها اللصاقات في بيتي". ولإثبات وجهة نظره، فتح الكيس الجلدي، وفتح زجاجة، ونثر الحبات على الأرض، كأنه يزرع البذور في التراب. وتابع: "إنها لا تنفع. ليس لدي شيء لك يا بني".

جلس الولد. التقط حبة بيضاء من التراب، وابتلعها. وركع على أربعته، وفتش في الوحل الأسود عن الحبوب البيض، وشرع بابتلاعها باهتياج مع أي تربة التصقت بها.

-"هل أنت أحمق؟".

ركع راتنا، وهز الولد بقوة، وكرر سؤاله عدة مرات. ثم أخيرا شاهد عيني الصبي. كان قد لحق بهما التبدل بعد آخر لقاء بينهما، كانتا دامعتين وحمراوين، وكأنهما مخلل نوع من أنواع الخضار. وكل الشعيرات الدموية جاحظة ومنتفخة. بقي راتنا مستيقظا لعدة ساعات في تلك الليلة. وهو يتلوى في سريره، حتى أقلق زوجته. وناجى الولد، الذي كان يبدو أنه في مكان ما بجوار سريره. في مساء اليوم التالي، استقل الحافلة إلى المدينة، عائدا إلى شارع أمبريلا. وعندما بلغ متجر المفرقعات وقف بعيدا، بذراعين معقودين، حتى شاهده الصبي. ترافقا بالمشي صامتين لبعض الوقت، حتى وصلا إلى منصة عصير قصب السكر. حالما دارت الآلات وتشرذم القصب الخام، قال راتنا: "اذهب إلى المستشفى. سيساعدونك".

-"لا أستطيع الذهاب إلى المستشفى. فهم يعرفونني. وسيخبرون والدي".

كان لدى راتنا وجهة نظر عن ذلك العملاق بخصلات شعره الأبيض التي تخرج من أذنيه، وهو يجلس أمام ترسانته من الألعاب النارية وقنابل الورق.

في اليوم اللاحق، بينما راتنا يطوي طاولته وحقيبته، شاهد خيالا على الأرض أمامه. دار حول الضريح، وتجاوز طابور الحجاج الطويل الذين يصلّون في الضريح، وتخطى صفوف المجذومين، ومر بالرجل ذي الساق الواحدة، وكان يستلقي على الأرض، وهو يرتعش بوركيه وينشد: "الله. االلله. الله. االلله".

نظر إلى أعلى نحو القبة البيضاء وحدق لحظة. ثم هبط إلى البحر، تبعه الظل. امتد جدار حجري حول أطراف الأرض، وضع قدمه اليمنى عليه، ونظر إلى البحر. كانت الأمواج تتدفق بعنف، وببن حين وآخر تتحطم المياه بقوة على الجدار، وترتفع رغوة سميكة في الهواء ثم تنتشر، مثل ذيل طاووس يأتي من البحر. التفت راتنا وقال: "أي خيار بيدي؟. إن لم أبع تلك الحبوب البيضاء كيف يمكنني تدبير زواج ابنتي؟".

تجنب الصبي نظراته، وحدق بالأرض، ونقل كتلته بصعوبة. لحق الرجلان بالحافلة رقم 5، وذهبا بها مسافة طويلة إلى قلب المدينة، وغادراها قرب أنجيل توكيز (مكلمي الملائكة). حمل الصبي الطاولة الخشبية، وبحث راتنا في كل الطريق الرئيسي، حتى وجد لوحة كبيرة تحمل صور زوجات وأزواج واقفين معا بثياب الزفاف وكتب عليها:

العيادة السعيدة

استشارات اختصاصية

الدكتور إم في كاماث بكالوريوس طب (ميسور)، شهادة متقدمة بالجراحة (الله آباد)، دبلوم متقدم في الجراحة (ميسور)، ماجستير عليا في الجراحة (كالكوتا)، شهادة بالمحاسبة (فاراناسي)، النتائج مضمونة.

همس راتنا في أذن الصبي: "هل ترى هذه الحروف بعد اسمه؟. هذا الرجل يناسبك. فهو السيكسولوجي الحقيقي".

في غرفة الانتظار، شاهد نصف كوكبة من الرجال القلقين والمتعبين الجالسين على الكراسي، وزوجين في إحدى الزوايا. جلس راتنا والصبي بين الرجال العازبين والزوجين. نظر راتنا للرجال بفضول. تجنب الجميع نظرته. كان هؤلاء نفس الرجال الذين تعاملوا معه - لكنهم بنسخ أكبر وأشد حزنا. رجال قضم المرض التناسلي في أعماقهم، مع أنهن رجموه بزجاجة بعد زجاجة من الحبوب البيضاء، ولكن بدون تحسن - وبلغوا الآن نهاية رحلة طويلة تقود إلى اليأس، ومن موقعه عند الضريح، وعبر خط طويل من الغشاشين، إلى عيادة هذا الطبيب، ليخبرهم بالحقيقة أخيرا. دخل الرجال المتعبون الواحد بعد الآخر إلى غرفة الطبيب، فأغلق الباب خلفهم. نظر راتنا للزوجين، وفكر - على الأقل هما غير وحيدين في هذه المحنة. على الأقل كل منهما لديه شريكه. ثم نهض الرجل ليرى الطبيب، وانتظرت المرأة في مكانها. دخلت لاحقا، بعد أن غادر الرجل. بالتأكيد هما ليس زوجا وزوجة، قال راتنا لنفسه. حينما يصاب الرجل بهذا المرض، هذا المرض الجنسي، يصبح كل رجل في هذا الكون بمفرده.

سأله الطبيب: "وما علاقتك بالمريض؟".

احتلا مقعديهما، أخيرا، أمام طاولة الاستشارة. كان على الجدار وراء الطبيب مخطط ضخم يصور مقطعا عرضيا لجهاز البول المذكر وأعضاء التناسل، نظر راتنا به لحظة، ثم قال: "عمه".

بعد فحص أعضاء الصبي، تحرك الطبيب إلى مغسلة يعلوها مرآة، جر حبلا، فبعث الحياة في أنبوب مضيء فوق المرآة. ترك الماء ينساب في المغسلة، ثم غرغر وبصق، وأغلق الضوء فوق المغسلة. أدى أعمال خدمة في عيادته - مسح زاوية المغسلة براحته، ثم أغلق غطاء نافذة، وألقى نظرة على وضع سلة النفايات الخضراء البلاستيكية. حينما لم يتبق لديه شيء يفعله، عاد إلى طاولته، ونظر إلى قدميه، وتنفس لبعض الوقت. ثم قال: "ذهبت كليتاه".

-"ذهبت؟".

كرر الطبيب: "ذهبت".

والتفت إلى الصبي، وكان يرتعش بكل قوته، حتى أن مقعده بدأ يتحرك. وسأله: "هل أنت مثلي جنسيا؟".

غطى الولد وجهه بيديه. رد راتنا بالنيابة عنه: "انظر. أصيب بالمرض من عاهرة، ولا توجد خطيئة بذلك. هو ليس شابا غير طبيعي. هو فقط غير خبير بهذا العالم الذي نعيش فيه".

هز الطبيب رأسه. التفت، نحو صورة جهاز التناسل الذكري التي وراءه، ووضع أصبعه على الكليتين، وقال: "ذهبتا".

في اليوم التالي عاد راتنا والصبي معا في السادسة صباحا إلى محطة الحافلات، لركوب الحافلة إلى مانيبال، ليريا إن كان هناك في كلية الطب طبيب جيد يمكنه مساعدتهما. كان رجل بسارونج أزرق يجلس على المقعد في المحطة، وأخبرهما أن حافلة مانيبال تتأخر دوما لدقائق، ربما 15 دقيقة، ربما 30، وربما أكثر. قال الرجل: "كل شيء ينهار في هذا البلد منذ مقتل السيدة غاندي"، وركل الهواء بساقيه بشكل مرح وتابع: "الحافلات تتأخر. القطارات تتأخر. كل شيء عرضة للانهيار. علينا تسليم هذا البلد للبريطانيين أو المسلمين أو الروس أو أي شعب آخر، ها أنا أقولها لك. ليس من خصالنا أن نكون سادة نقرر مصيرنا. ها أنا أقولها لك".

وتأخر أيضا في طريق العودة. وتوجب على كليهما الوقوف وسط الزحام الشديد العائد إلى كيتور لما يزيد على ساعة، حتى شغر مقعدان متجاوران بقربهما. انزلق راتنا على مقعد النافذة وأشار للصبي ليجلس بجواره وقال مبتسما: "نحن محظوظان بالنظر لامتلاء الحافلة". وبرفق فصل يده عن يد الصبي. فهم الصبي أيضا. هز رأسه. وأخرج محفظته، وألقى في حضن راتنا خمس روبيات ورقية، الواحد بعد الآخر.

-"ما هذه؟".

-"قلت إنك تريد شيئا مقابل مساعدتي".

دس راتنا النقود الورقية في جيب قميص الصبي قائلا: "لا تأخذ موقفا الآن. حتى الآن أنا أساعدك، ولكن ماذا كسبت من ذلك؟. هذه معونة عامة خالصة من ناحيتي، تذكر ذلك. نحن لسنا أقارب: وليس بيننا رابطة دم".

لم يرد الولد.

فقال: "انظر!. لا يمكنني أن أرافقك وأنت تنتقل من طبيب إلى آخر. لدي بناتي للزواج. ولا أعلم من أين أجمع لهن الدوطات".

التفت الولد، ودفن وجهه في عظم ترقوة راتنا وانخرط بالنواح. لمست شفتاه ترقوة راتنا، فالتصق بها. حدق بهما الركاب، واحتار راتنا جدا ولم ينطق بحرف. استغرقا ساعة قبل أن تظهر في الأفق معالم الحصن الأسود. غادر الرجل والصبي الحافلة معا. شاهد راتنا وراء الحصن المضلع الأسود القبة البيضاء، وبلغ مسامعه سياط الكائنات المبتورة الأطراف وهي تنشد بأشواق محزنة. وضع لفافة في فمه، وضرب عود ثقاب وأخذ نفسا عميقا وقال للصبي: "هيا بنا. إنه مشوار طويل من هنا إلى بيتي".

***

..................

* أرافيند أديغا Aravind Adiga: كاتب هندي. يعمل بالصحافة في مومباي. حاز على البوكر عن روايته الأولى "النمر الأبيض". القصة مترجمة من كتابه "بين اغتيالين".

في نصوص اليوم