عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

ماري جيكتسيل: كن شاهدا

قصة: ماري جيكتسيل

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

كانت تُدعى الآنسة بيترا كراستينسكي، أو ببساطة الآنسة كراستي بيتر. لكنها كانت لطيفة في ذلك الوقت. كانت أول سيدة أعجبت بها رغم أنها لم تكن جميلةً حقًا، لكنني مع ذلك أحببتها. كان لديها شعرًا داكنًا، خشنًا، لامعًا يتطاير لأعلى، وفكٌ بارزٌ كفك كلبٍ مقاتل، مع بعض البثور الصغيرة عليه التي بدَتْ لطيفةً، لا أعرف لماذا. لم يكن صدرها كبيرًا، لكنه كان بارزًا كالمخروط، وكان يجعلك ترغب في لمسه - انظر، حتى الآن أرفع يدي عندما أتحدث عنه، حتى الآن أتذكر خطوط حمالة صدرها وكيف بدَتْ تلك الحمالات مُزخرفةً بالدانتيل.

وكان لديها ساقان جميلتان. في الطقس الدافئ، كانت تظهر ساقيها عاريتين. كانت المدرسة مبنية بالطوب الأحمر، ولم يكن هناك مكيف هواء، فقط مراوح صاخبة، وكان الهواء كثيفًا كالشراب. أثناء وقت القراءة، عندما كنا نجلس على الأرض وتقرأ لنا من كتاب، كانت ترفع كاحلها ببطء على ركبتها لتفصل بين ساقيها الملتصقتين، وإذا جلستَ في المكان المناسب، كان بإمكانك أن ترى سروالها الداخلي. أحد الكتب كان عن رجل مع كلابه في الغابة ليلًا في الشتاء، وكانوا محاطين بالذئاب؛ كانت هناك ذئبةٌ واحدة، خدعت الكلاب واحدًا تلو الآخر لتأتي وتلعب معهم ، ثم قتلتهم جميعًا بمساعدة الذئاب. كان كل ذلك يمتزج: سروالها الداخلي، وصوتها، وعيناها البنيتان، وهي ترفع نظرها إلى أعيننا كلما ذهب كلبٌ إلى الذئبة وهي تضرب بكفّيها الأرض. كنت أكره الكتب، لكنني أحببت الكتب عندما كانت تقرأها. وعندما كانت تمشي بين مقاعدنا لتتأكد أننا ننجز عملنا، كنت تشعر بجسدها الناعم وتشم رائحتها الشخصية. أحيانًا كانت تتوقف عند مقعدي وتضع يدها على كتفي. كانت يدها دافئة على قميصي، وأفكر في ساقيها وسروالها الداخلي. كانت تقول: "عمل جيد، مارك"، وتُبتسم لي.

أستطيع أن أقول إنها كانت تحبني. على الرغم من أنني كنت أقع في المشاكل كثيرًا. كنت متأخرًا دراسيًا، لذا كنت في التاسعة بينما كان الجميع في الثامنة، وكنت أكبر حجمًا أيضًا. مما يعني أنني كنت أستطيع ضربهم في الملعب، خاصة ذلك الطفل الصغير. اضطرت أن تعاقبني وترسلني إلى المدير. لكن حتى في تلك اللحظات، كنت أرى أنها تحبني وأن إرسالي كان يحزنها. أعتقد أنني حتى سمعتها تقول مرة: "أشعر بالأسف عليه حقًا". لكنني لا أتذكر لمن قالتها. أو حتى إذا كانت تعنيني أنا. لكني أعتقد أنها كانت تعنيني.

لربما لم أكن لأتذكر أيًّا من هذا لولا ما حدث لاحقًا. عندما كنت في الثالثة عشرة وانتسبت إلى صفوف التربية الخاصة، أصبحت هي معلمتي مرة أخرى. كان ذلك مفاجأة سارة لأنها كانت في منطقة تعليمية مختلفة ونظام تعليمي مختلف، لذا لم أكن أتوقع رؤيتها. ولكنها كانت أيضًا مفاجأة سيئة لأنها أصبحت قاسية جدًا.

***

أخيرًا تم اختيار مويرا م. لتكون ضمن مجموعة المحلفين. كانت قد نجحت في تجنب واجب المحلفين حتى بلغت الخامسة والخمسين من عمرها. لم تشارك في التصويت حتى الواحدة والثلاثين، عندما استيقظت كما لو كانت في غفوة لتدرك أن الرئيس كان أحمق فاسدًا، وأن الشيء الوحيد الذي يمكنها فعله حيال ذلك هو التصويت. وهكذا صوتت، لكن ذلك لم يغير شيئًا؛ أعيد انتخاب الأحمق، وتم استدعاء مويرا لأداء واجب المحلفين. لم تكن تدرك أن هذا قد يكون نتيجة للتصويت، فاستشاطت غضبًا. أجلت أداء الواجب لأطول فترة ممكنة بحجج اعتلال صحتها وصعوبة العمل الحر (كانت تعمل كمصممة جرافيك مستقلة بالإضافة إلى عملها كنادلة)، لكن أخيرًا، بعد عامين من التصويت، لم تستطع التهرب من الأمر. أخبرها أحدهم أنه إذا بدَت غير مستقرة أو صعبة المراس بأي شكل، أو حتى عبّرت عن آراء غريبة، فقد يتم استبعادها مبكرًا. فصبغت شعرها وحواجبها باللون الأزرق، وأعلنت بصوت عالٍ اعتقادها بأنه يجب تقنين المخدرات، وقالت إن الناس يرتكبون الجرائم بسبب التحكم الذهني من قبل الحكومة، وزعمت أنها تعرضت للاضطهاد من قبل السود واللاتينيين. تم استبعادها بعد ثلاثة أيام، ولم تصوت مرة أخرى حتى أصبح شخص آخر تكرهه رئيسًا.

وهكذا، في الخامسة والخمسين، أدركها النظام. قال لها صديقها المقرب: "لماذا لا تنهي الأمر فحسب؟ ستؤديه ولن يتم استدعاؤك مرة أخرى لعشر سنوات أو ما شابه. قد يكون الأمر مثيرًا للاهتمام حتى!"

على الأقل، تم اختيارها في "هيئة المحلفين الكبرى"، مما يعني أنها لم تكن مضطرة للحضور يوميًا، لكنها كانت مجبرة على الاتصال كل صباح لمعرفة ما إذا كان عليها الحضور أم لا. في ذلك الوقت، لم يكن لديها هي وشريكها إدي سوى سيارة واحدة، وبينما كان بإمكانه أن يوصلها إلى عملها الجديد قبل الذهاب إلى عمله (كان يعمل بعقود، وكان مشروعه الحالي يبعده ساعة عن المنزل)، إلا أنه لم يستطع قطع الطريق كله إلى مقر المحكمة في مركز المقاطعة لإيصالها إلى ذلك المبنى الكئيب ثم يعود لاصطحابها مرة أخرى في المساء. لحسن الحظ، وجدت مويرا من يقلها مع محلفة أخرى.

في متجر البقالة، صادفت المرأة التي تدير منظمة خيرية للأطفال، والتي كانت مويرا قد شاركت معها في العام السابق (مشروع فني للأطفال في مخيم للمحرومين والمرضى نفسيًا)، واكتشفت أن ابنة أخت تلك المرأة قد تم استدعاؤها للواجب في نفس الوقت والمكان تمامًا. قالت السيدة الخيرية: "ستكون سعيدة بأن تقلك معها!" وقبلت مويرا — التي كانت تفضّل الاعتماد على نفسها عادةً — العرض بغير ارتياح.

في الواقع، جاءت ابنة الأخت اللطيفة (آنا) إلى منزل مويرا لاصطحابها؛ حتى أنها أحضرت القهوة والمعجنات لتتشاركها معها في السيارة. تحدثت مويرا مع آنا عن العمل الذي قامت به مع خالتها؛ تضمن المشروع عنصرًا مثاليًا يتمثل في جلب أطفال محرومين من المدينة لقضاء وقت مع أطفال محليين من ذوي الاضطرابات النفسية في نفس المعسكر. قالت مويرا: "لقد كان الأمر ساحرًا. لا أحظى بقضاء الكثير من الوقت مع الأطفال، ولم أدرك كم كنت بحاجة إلى ذلك." ربما كان هذا القول غير صادق إلى حد ما، إذ وجدت مويرا التجربة مبهجة ومزعجة بنفس القدر، لكن ذلك لم يهم؛ لقد كانت طريقة للتواصل. كانت آنا عزباء، وعلى الرغم من أنها لم تقل ذلك صراحة، إلا أن مويرا تخيلت أنها تبحث عن زوج؛ فهي شابة جميلة في الثانية والثلاثين من عمرها، وكانت تعبّر بحرية عن رغبتها في تكوين أسرة.

كان الحوار بينهما خياليًا وحزينًا بينما كانتا تسيران بسرعة على الطريق الخلفي المتفرع من الطريق 30، متجاوزتين مطاعم مهجورة وحانات متداعية ومراكز لياقة مشبوهة. كان متجر " كابينتس تو جو"، - حيث اشترت هي وزوجها السابق ذات يوم خزانة جميلة بأرفف وأدراج، كل منها مطلية بلون مختلف - ما زال يعمل في نفس الأرض الترابية، وخز منظره مويرا بأمل مفاجئ غريزي كان أشبه بذكرى أكثر منه شعورًا حقيقيًا. كانا قد اشتريا تلك الخزانة قبل ثلاثين عامًا تقريبًا عندما انتقلا إلى أول منزل يستأجرانه (بدلًا من شقة)، مليئين بخطط للشراء في النهاية. وقد اشتريا. وخسرا.

فقدا تانيا قبل أن تبلغ عامها الثاني؛ وجهها الصغير ذو الشفتين الدقيقتين، الذي كان يومًا ما حيًّا بوضوح في ذاكرة مويرا، أصبح الآن ضبابًا من الحلاوة والألم، لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر، إلى درجة أن مويرا لم تعد قادرة على فصل ذكرى طفلتها عمّا جرى لها. كان عقلها ينحرف ببساطة مبتعدًا عن تلك البقعة... ثم التقت بإيدي في منزل السيدة بوتشي، وانهار زواجها تمامًا.على الأقل، بقي لها شيء من المال من بيع المنزل.

لكم ظل هذا الطريق القديم؛ على حاله عبر السنين: الملمس الخشن، واللافتات البالية ("احتفظوا بيسوع في الميلاد")، والخضرة الكثيفة التي تندفع عبر كل بقعة خالية، والشعور الملموس بوجود الحيواناتكم صمد هذا المكان أمام الزمن! ربما، فكرت مويرا، ستكون هذه التجربة مفيدة. لعل التركيز على مشاكل الآخرين، كتغيير، سيكون أمرًا مُثريًا.

***

كان التعليم الخاص مقززًا، ولم أكن حتى جزءًا منه معظم الوقت، فقط في بعض الأحيان كانوا يسحبونني من الصف العادي ويلقون بي في عالم المعاقين. كانت الغرفة ضيقة جدًا، ولم تكن مخصصة لتلاميذ الصف السادس فقط - بل كانوا يضعون تلاميذ الرابع والخامس والسادس معًا - وكانت فوضى مطلقة.

كلن لدى المعلمة مساعدة، مما يعني أنك لا تستطيع فعل أي شيء، وباقي الأطفال كانوا متخلفين وقبيحين ما عدا كريس، تلك الطفلة من الصف الخامس بأنف دهني كبير وابتسامة وسخة وقوام مثير. وهناك أيضًا تايرون، ذلك الفتى الرائع. كان أكبر مني سنًا وأضخم من الجميع، وأخوه أحرق لسانه بحمض وهو صغير فبدا ممزقًا ومروعًا.

لم أعرفها في البداية. كانت مختلفة: أكثر شراسة، أكثر قسوة. لا تزال لديها ثديان مخروطيَّان، لكن انسى موضوع الدانتيل، وكانت تبدو وكأنها ستضربك لو لمستهما. كان ذلك مثيرًا وقتها، لكن ساقيها لم تكونا عاريتين. بدت وكأنها ترتدي سروالًا داخليًا مصنوعًا من خيمة عسكرية. تظاهرت بعدم رؤيتي، ربما لأنها فعلًا لم ترني.

طلبت منا أن نختار حيواننا المفضل: كلاب، قطط، خيول، أو هامستر.

قال تايرون:

- ثعابين .

سألت إذا كان أيٌّ منا يحب الثعابين، فرفعت يدي، لكن إحدى البنات قالت إنها خائفة من الثعابين، فقررت كرستي ألا يكون هناك ثعابين ذلك اليوم.

جعلتنا نتجمع في مجموعات حسب الحيوانات التي اخترناها. وكأننا تلاميذ صف ثالث!

الذكور اختاروا 'الكلاب'، والبنات اخترن 'الخيول' أو 'القطط'.

قالت:

- أترون؟ لدينا جميعًا شيء مشترك.

كان الأمر غبيًا، لكن على الأقل حظيت بفرصة التحدث مع تايرون عن الكلاب. في النهاية، اقتربت منها وذكّرتها بالكتاب الذي قرأته لنا عن الذئاب التي تخدع الكلاب. نظرت إليّ وكأن مخاطًا يسيل من أنفي. ثم فجأة ابتسمت وبدت كما كانت في الماضي.قالت:

- مارك! مارك كارتر من جانجويش! هذا صحيح، تقصد الناب الأبيض! كم هو رائع أنك ما زلت تتذكر ذلك!

(أقولها بصوت أخرق لأن هكذا نطقتها هي).

***

لم تكن الأيام الأولى لهيئة المحلفين الكبرى مُثمرة بشكل خاص. شاهدوا فيلمًا تعليميًا، ثم انتظروا بضع ساعات قبل استدعائهم إلى القاعة – غرفة عادية بلا نوافذ، تفوح منها روائح بشرية عالقة في الأثاث القديم المُتآكل. قيل لهم بأنه يجب عليهم الجلوس في المقاعد نفسها كل يوم دون تبديل.

كان الرجل الذي جلس بجانب آنا في الستينيات من عمره، ضخمًا وجذابًا، وهو النوع الذي تفضله مويرا تحديدًا لأنه كان مثيرًا رغم قبحه. بطنه الكبير كان ينطق بـ"الشهية"، وفمه العريض الراضي كان يهمس بـ"الاكتفاء"، أما عيناه فكانتا تقولان بوضوح: "أنا أراك". حين جلست آنا، ألقى عليها نظرة خاطفة كرجل نبيل، ورأت مويرا الشابة تُمسك ببطنها وتجلس بشكلٍ أكثر استقامة. فكرت مويرا: "يا للهول!" "ها نحن ذا!"

لكن ليس على الفور، بالطبع.

قضوا الصباح في إصدار قرارات اتهام ضد سائقين ثملين (أحدهم خرج من سيارته وهرب إلى الغابة، وتمكن من الإفلات مؤقتًا عندما أسقط الشرطي مصباحه وتعثر في منحدرٍ التوى كاحله)، وتجار مخدرات في مواقف السيارات، ومشاجرة في حانة تضمنت إطلاق نار. الحادثة الأخيرة وقعت في أثرى بلدة في المقاطعة – البلدة التي اعتادت عائلة مويرا زيارتها أيام الأحد لمجرد التفرج على المنازل الفاخرة. كان والدها يقول: "أستطيع العيش هنا، ماذا عنكم؟" لم يعتقدوا يومًا أنهم سيسكنون هناك حقًا، لكن ذلك لم يقلل من استمتاعهم أبدًا. كانوا يتأملون المنازل، وربما يزورون أقدم مدينة ملاهي في الولاية، ثم يتناولون الآيس كريم في مطعم البيتزا قبل العودة إلى المنزل. لم تستطع مويرا تخيل حدوث إطلاق نار هناك، وفي ليلة الحادث، لم يُصب أحد. فقد تشاجر رجلان في منتصف العمر حول السياسة، وتدحرجا على الأرض يلكمان بعضهما حتى طُردا، ثم أطلق أحدهما رصاصة تجاه الآخر بالخطأ.

ضحك الجميع عندما وصف المدعي العام المشهد، وقال الرجل الجذاب:

- يا للهول! يا لهما من أحمقين!

لكنهم مع ذلك قرروا اتهام مطلق النار.

بعد ذلك، ذهبت مويرا وآنا لتناول الغداء في مقهى يقع في ساحة صغيرة قرب محطة قطارات مهجورة. تحدثتا عن مشاجرة الحانة السخيفة، وكأنه من الطبيعي أن يكون "المحافظ" هو من أطلق النار وليس "الليبرالي". تذكرت مويرا كيف كانت البلدة مختلفة أيام زياراتهم القديمة، حين كان بإمكانك الجلوس على مقعد خارج مطعم البيتزا لخمس دقائق كاملة دون أن تمر سيارة واحدة، أما الآن بالكاد تستطيع عبور الشارع رغم إضاءة التقاطع الجديدة.

***

لم تكن المشاجرة مشكلة بهذا السوء. "الأولاد يتشاجرون!" كانت أمي تقول إن الأولاد أفضل من البنات لأنهم يتعاركون ثم يصبحون أصدقاء بعد ذلك، أما البنات فهنَّ حقودات يطعنّ بعضهن في الظهر. لكني كنت أيضًا أتجول في الفصل أثناء الاستراحة وأسرق وجبات الأطفال الخفيفة. كنت أصرخ وأعدو في الأرجاء.

حدث شيء ما في الحمام مع فتاة، لكنني لا أتذكر ذلك جيدًا؛ كانت فتاة تقف وحدها في الملعب. كانت هناك أيضًا صفعة للمعلمة، وكان ذلك خطأها هي. أمسكت بي بينما كنت أعبث أمام الجميع، وجذبتني بقوة حتى التصقت بها، ثم صفعت مؤخرتي، فالتففت وصفعت مؤخرتها بدوري. ضحك الفصل كله بشدة، فاستمررت في فعل ذلك، وتشبثت بها حين حاولت دفعي بعيدًا. كنت في عمر يكفي لأن يصبح لدي انتصاب، وشعرت بلذة شديدة حتى اضطرت أن تسحب شعري وتصفعني على وجهي كي أفلتها. لو حدث هذا الآن لفقدت وظيفتها، لكن في ذلك الوقت لم يكن مسموحًا للأطفال بالإفلات من عقاب مثل هذه التصرفات، ولا ينبغي لهم ذلك.

كنا نذهب كثيرًا إلى مكتب المدير، وكان والدي يقول عند مغادرتنا:

- حسنًا يا بطل!

على أية حال، بحلول الثالثة عشرة أصبحت رسميًا "مشاكسًا خطيرًا". لكنني لم أكن كذلك في الحقيقة. كان تايرون هو من يفعل الأشياء السيئة حقًا، أما أنا فكنت فقط برفقته.

أدركت جيني - أعني بيتريسنسكي - ذلك. قالت للمدير: "إنه تابع وليس محرضًا"، وكنت ترى أن والدي لم يعجبه ذلك. لكنه كان صحيحًا. حتى أنني كنت لطيفًا مع ذلك الصبي الذي كنا نؤذيه. ذات مرة لم أكن على وفاق مع تايرون، فغادرت المدرسة من الباب الخلفي بالقرب من البوابة الصغيرة، ورأيت ذلك الصبي يمشي وحده إلى المنزل. حاول أن يهرب مني، لكنني أمسكته وكنت لطيفًا معه حقًا. رأيت مدى خوفه، وشعرت برغبة في التصرف بشكل مختلف. مشيت معه وتحدثنا عن سيارات "هوت ويلز" و"وولفرين".

لكن ذلك جعل الأمر أسوأ عندما أجبره تايرون وطفل آخر على خلع حذائه ووضع حصى بداخله ثم الركض في الملعب. كان ينظر إليّ كما لو كان يتوقع مني المساعدة، ولم أكن فقط لم أساعده، بل ضحكت عليه وناديته "هوت ويلز".

كانت بيتريسنسكي دائمًا تقول: "لا أعرف لماذا تتصرف بهذه الطريقة، أنت طفل طيب". كان هناك شيء ما في طريقة قولها ذلك: صوتها يشبه موسيقى الأفلام التي تخبرك أن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث بقطع النظر عما تفعله. كان ذلك بطريقة ما أسوأ من صراخها في الفصل (توقف عن فعل هذا، توقف عن فعل ذاك)، وهي تكمش فمها كأنه حفرة مليئة بالكراهية.

لكنها بعد ذلك أوصت بي للعمل مع والدها. أو ربما لم توصِ بي، لكنها لم تخبره بعدم توظيفي. حدث ذلك بعد سنوات من تخرجي، ربما خمس سنوات. دخلت المكتب في منتصف حديثي مع والدها، وتوقفت فجأة. مرت سنوات لكنها تذكرتني تلك المرة. اتسعت عيناها وابتسمت وقالت: "مارك، هل هذا أنت؟" في اليوم التالي اتصل بي والدها وأخبرني أنني حصلت على الوظيفة.

***

كانت بقية أيام الأسبوع في المحكمة تدور حول قضايا قيادة تحت تأثير الكحول، واقتحام منزل، وحادثة اعتداء وسرقة ارتكبها مراهقان ضد رجل أبيض مسن، وأجبراه خلالها على ترديد عبارة "القوة للبيض!" دار نقاش حول ما إذا كان ينبغي تصنيف الحادثة كجريمة كراهية أم لا. رأى العضوان الأسودان في هيئة المحلفين أنها لا تُعد كذلك، بحجة صغر سن الجناة. أما آنا فلم تكن متأكدة. أما مويرا فقالت:

- فكّري في الأمر. لو كان العكس هو الحاصل—أولاد بيض يضربون رجلاً أسود ويجبرونه على قول 'القوة للسود'—هل كان سيتردد في بالك أي شك؟

هزّ الرجل العجوز الجذاب رأسه موافقًا بإعجاب. وفي النهاية، صوّتت آنا مع الأغلبية، على أن الحادثة بالفعل تُعد جريمة كراهية.

***

لقد حذروني من مارك كارتر حتى قبل أن أقابله، حين علمت أنه سيكون في صف الثالث الابتدائي الذي أدرّسه. كان قد لكم معلمته في الصف الثاني في بطنها بقوة أخرجت أنفاسها، أي طفل في السابعة يفعل ذلك؟

أخذوه إلى مكتب المدير، وهناك تفوه بألفاظ لا تتوقعها إلا من مراهق بذيء. اضطروا لتهديده باستدعاء الشرطة، وأظن أن هذا أخافه؛ قالوا إنه بكى وتوسل إليهم ألا يفعلوا. ومع ذلك، كنت أشك. كان طفلاً ضخم الجسد، ناعم الملامح، بعينين عميقتين وفم متكلف مليء بالدهاء، كأنه ولد أكبر سنًا.

والغريب أنه لم يبد مدللاً. أهله كانوا يلبسونه ملابس رثة حتى بمقاييس الفقراء، وكان خجولاً بالكاد يرفع عينيه لينظر إلى أحد. لكنه مع ذلك كان مهذباً، يعرف كيف يقول "شكراً" و"عفواً".قلت له:

- ماذا تريد يا مارك؟ هل تريد أن يكون هذا الفصل تجربة جيدة أم سيئة؟

خفض عينيه وفكر. ثم تحدث بصوت خافت بالكاد تسمعه، وكأنه يبتلع نصف الكلمات. قال:

- أريدها أن تكون جيدة .

فقلت:

- وأنا أيضاً.

فهمس بالكاد:

- شكراً، آنسة بيتريسنسكي.

لمس صوته وكلماته قلبي. بدا لي كطفل صغير، كولد حساس يحاول أن يظهر بمظهر القاسي. لم يكن ذكياً، وكان يعاني من مشاكل انضباطية. لم يستطع الجلوس ساكناً أو التركيز، كان أحياناً يقفز في مقعده ويقرع على الطاولة أو يصرخ إذا حمّسَه شيء.لم يكن متنمراً بالمعنى الكامل، لكنه كان قاسياً إذا شعر أنه لن يتحمل العواقب. ثم إذا أشرت إلى أنه آلم مشاعر أحد، كان يعتذر بسرعة بصوته الصغير الناعم.

حاولت أن أعطيه تعليقات إيجابية، لكن الأمر كان صعباً لأنه لم ينجح في أي شيء أكاديمي. ومع ذلك، كنت أثني عليه لمجرد جلوسه بهدوء ومحاولته، أو لوصوله في الوقت المحدد، أو لقيامه بعمل لطيف لأحد. لم يكن من النوع الذي يظهر رد فعل كبير، لكنه كان يستجيب. كان يرفع عينيه لينظر إلى وجهي، وحين يرى ابتسامتي، كانت عيناه تلمعان قبل أن يخفضهما مرة أخرى.

عندما أضع يدي على كتفه، كنت أشعر أن جسده يمتص اللطف كما لو كان عطشاناً حتى لهذه الكمية القليلة.كنت أشعر بالأسف عليه. حتى عندما كان يتصرف بشكل فظيع. كنت أشعر أنه طفل طيب محبوس في جسد طفل شقي.

***

بعد الجلسة، دعا "سكسي جي" مويرا وآنا إلى الغداء – بدأ حديثًا عابرًا في الممر مع مويرا أولاً، ثم دعاهما معًا عندما ظهرت آنا القادمة حديثًا من الحمام. اقترح مكانًا أكثر أناقة من المقهى الذي زاروه سابقًا – بار رياضي راق يقدم أطباقًا فاخرة مثل شوربة الجبن بالبيرة، وتمرًا محشوًا بالجبن الأزرق والمغلف باللحم المقدد، وطبقًا غريبًا يُسمى "بيض في الجحيم".

قال سكسي جي إنه سيدفع الحساب؛ فهو يحتاج إلى استراحة من تناول الطعام وحيدًا في كافتيريا المحكمة البائسة، بالإضافة إلى أنه حقق أسبوعًا مهنيا ناجحًا للغاية. ابتسمت آنا ووافقت بحركة صغيرة من كتفها مع إيماءة رأس لطيفة؛ ولاحظت مويرا للمرة الأولى كم كان عنقها جميلًا، وعظام الترقوة أيضًا.كما لاحظت كيف تستخدم يديها بإتقان بينما يتصفحون القوائم ويخرجون أدوات المائدة من المناديل السميكة، وكيف تلعب بشعرها العسلي، وكأنها تحك جانب أنفها الصغير بدقة بأظافر إصبعها الأنيق!

كان سكسي جي منجذبًا بوضوح، لكنه كان ذكيًا بما يكفي ليوزع تواصله البصري بينهما وهو يتحدث عن نجاحاته في العمل (يمتلك متجرًا للأثاث المصنوع حسب الطلب في بيتسبرج) ويشرح وجهة نظره حول قوانين جرائم الكراهية. فكرت مويرا: "ربما يتخيل أنها تغازله، لكنها في الحقيقة مجرد مهذبة وتنتظر بفارغ الصبر التمر المغلف باللحم المقدد؛ إنها تستمتع بالاهتمام، لكنه أكبر منها بكثير."

قال سكسي جي:

- أنا لست عنصريًا، لكن...

فردت آنا بصوت يحمل نبرة استعلاء خفيفة:

- هذا ما يقوله الجميع. 'أنا لست عنصريًا، لكن...

قالت مويرا في محاولة لتغيير الموضوع:

- واو، هذا يبدو رائعًا!

بينما وُضعت الأطباق أمامهم: التمر باللحم المقدد، وشطيرة السلمون باللحم المقدد والخس والطماطم، وكتلة حارة من البيض والفلفل الحار.

قال سكسي جي وهو يستعيد توازنه:

- أجل.

التقط منديله ووضعه داخل قميصه قبل أن يواصل الحديث:

- أعرف ما تقصدينه يا آنا. لكنني لست من هؤلاء، حسنًا؟

بينما كانت مويرا تستمتع بطبقها الحار، انصرف انتباهها عن المحادثة وتجول في أرجاء المكان. من الناحية البصرية، كان يمكن أن تكون في أي مكان راقٍ من ماضيها، قبل عشرين أو حتى ثلاثين عامًا: الخشب الداكن الثقيل يحيط بالنوافذ الكبيرة التي تضبب زجاجها بسبب الصابون الممسوح بشكل سيئ؛ سيدة كبيرة في السن تجلس بجوارهم تضع نظارتها لقراءة القائمة؛ أمام مويرا مباشرة، رجل مسن يتكئ بثقة أمام امرأة شابة؛ ضحكات عالية مشوشة تأتي من مكان غير مرئي؛ البار القديم والشخصية الجريئة خلفه؛ الزبائن المنهكون أمامه؛ التلفزيون الصامت فوقه، يبث صورًا متلاحقة بلا صوت؛ الرؤوس المومئة؛ والسياسي الذي يظهر على الشاشة.

لكن هذا الرجل بالتأكيد لم يكن ليظهر على الشاشة قبل عشرين عامًا.

أطفأت مويرا حرقة فمها بمشروبها الأخضر الحلو، واخترق رأسها فجأة لحن أغنية، بصوت المغني العالي، المتحرر، والمبتهج:

"It goes on and on and on and on..."

قال سكسي جي فجأة:

- كافانو. ما رأيكما به، سيداتي؟

أجابت آنا وهي تزم شفتيها الرقيقتين:

- فظيع. متعجرف، فظ، ومغتصب في الأساس.

قالت مويرا:

- أنا لا أوافق.

استغرب جي:

- حقًا؟

سألت آنا:

- لماذا؟

ردت مويرا:

- أولًا، بقطع النظر عما حدث، كان عمره سبعة عشر عامًا. هل تريدين أن يُحكم عليكِ بشيء غبي فعلتيه في هذا العمر؟ لأنني شخصيًا لا أرى ذلك."

أبدت آنا تعبيرًا وجهيًا بما يعني "هذا غير ذي صلة"، بينما بدا جي مندهشًا فحسب. وأضافت مويرا:

- ثانيًا، لا أعتقد أنهم كانوا يحاولون اغتصابها حقًا.

سأل جي وهو ينظر إليها بتركيز للمرة الأولى، مع ميلان فكه المليء بالندوب والشعر نحوها، وعيناه البنيتان الغائرتان تنفذان فيها بنظرة حيوانية:

- ما دليلك على ذلك؟

قالت مويرا:

- انظري، كانوا اثنين مقابلها هي، وكلاهما أقوى منها. لو أرادا اغتصابها، لفعلا ذلك. ما كان بإمكانها أن 'تهرب بسهولة .

حدق جي فيها بتركيز. بينما وضعت آنا شوكتها ونظرت إلى الطاولة بجدية.

رفعت مويرا عينيها نحو التلفزيون. كانت تلك المرأة – كامالا أو أيًا كان اسمها – تهاجم كافانو. "إنها مثل تلك المعلمة في المدرسة التي تريد صفعها"، كما قال إدي ذات مرة. وهي فعلًا كانت كذلك.

قالت مويرا بعد صمت:

- أنا آسفة. هذه فقط وجهة نظري .

ثم توقفت قليلاً وأضافت بمزحة جافة:

- لن نصل إلى حد العراك بالأيدي، أليس كذلك؟

***

مرت أربع سنوات قبل أن يظهر في صفي للتعليم الخاص. لقد حصلت أخيرًا على الاعتماد لتدريس ذلك، والسخرية أن ذلك كان بسبب خبرتي مع أطفال مثل مارك. أقول "سخرية" لأنني عندما رأيت مارك، لم أعرفه. كانت المدرسة في مدينة أخرى، ولم أكن أعرف أن عائلته انتقلت إلى هناك، واسم "مارك كارتر" شائع جدًا لدرجة أنني لم أعتقد أنه هو. كما أنني لم أميزه لأنه كان مختلفًا جدًا حتى مع مرور السنوات. كان ما يزال ضخم الجثة، لكن هالة النعومة الطفولية قد اختفت. في سن الثالثة عشرة، كان لديه بالفعل شعر على وجهه، وكان هناك شيء غير متوقع في جسده، شيء مظلم وموحل. سلوكه القاسي أصبح أكثر صلابة، مثل قناع يلتصق بالجلد. كان ما يزال ينظر إلى الأرض، لكن مع ذلك، كانت عيناه تلتهم كل فتاة في الغرفة، بقلق ويأس، مجرد يأس. نظرت إليه مرة ولم يعجبني؛ كان مشكلة واضحة — هو وذلك الغليظ الأشقر الكبير المسمى تايرون الذي اقترن به على الفور. يا إلهي، كان هذان الولدان قبيحين معًا، متنمرين حقيقيين، رغم أن تايرون كان بالتأكيد أسوأ بكثير.

لكن مارك كان ما يزال قابلاً للسيطرة ومتاحا. كان الأمر خفيًا لكنه واضح لي، الطريقة التي كان يجلس بها منتصبًا ويبدو جادًا عندما أتحدث عن مواضيع معينة — خاصة الحيوانات أو قصص المغامرات. لا أتذكر السبب، لكن ذات مرة أخبرتهم قصة حقيقية عن رجل مريض عقليًا ذهب ليعيش مع الدببة في إقليم يوكون. لقد تقبلته الدببة لدرجة أنه كان يستطيع الزحف بينها والاقتراب من صغارها، لكن بالطبع انتهت القصة بشكل مأساوي؛ أكل دب شرس الرجل المسكين بينما حاولت صديقته المرعوبة صدّه بمقلاة. عندما سألتهم عن رأيهم في القصة، قال تايرون: "كان غبيًا". فقلت شيئًا مثل: "ليس غبيًا، بل مريضا عقليًا. وأيضًا كان مستعدًا لأن يذهب إلى النهاية من أجل ما يؤمن به، وكان يؤمن بهذه الحيوانات الجميلة. وصديقته أيضًا كانت مستعدة لأن تذهب إلى النهاية من أجل شخص أحبته". انحنى تايرون على مؤخرته وابتسم بسخرية، لكن مارك جلس منتصبًا ونظر إليّ، منصتًا. حتى أنه لم يلاحظ عندما حاول تايرون لفت انتباهه.

بسبب لحظات مثل هذه، كنت أبذل جهدًا معه. كانت مقالاته فظيعة، غير مترابطة، مكتوبة بخط متقطع وعنيف بالكاد يتبع السطور على الورق. وكان يرسم في الهوامش، رسومات تقليدية في الغالب، لأبطال خارقين ورجال ضخام العضلات يرفعون أوزانًا — إلا أن رسوماته كانت أنيقة ودقيقة، يصعب ربطها بخطه الرديء. كانت هناك ورقة واحدة طُلِب منهم فيها الكتابة عن شخص مميز في حياتهم. كان من المفترض أن يصفوا سبب تميز ذلك الشخص. هو كتب عن خمسة أشخاص، وجمل مشوشة عنهم جميعًا: والده ("إنه ممتع وقوي، لكمهم عندما أتوا على الباب")؛ تايرون ("تايرون رائع، لسانه به حمض")؛ وشخص آخر غامض جدًا لم أستطع تمييزه؛ وكلب له يبدو أنه لقي نهاية سيئة. أنهى الورقة برسم جميل ودقيق لوجه كلب، وبأحرف كبيرة ثلاثية الأبعاد غير متقنة، كلمات "الناب الأبيض". كان ذلك مفجعًا.

وهكذا حاولتُ. أكثر من مرة أخذته جانبًا وأعطيته فرصةً لمراجعة مقال سيء بشكل خاص كي لا يرسب. أعطيته مهمة خاصة تتضمن الرسم، مثل كتاب مصور. أدى ذلك بشكل مقبول، لكنه شعر بأنه مضطهد بسببها. لم يبدُ أنه فهم أنني كنت في الواقع أمنحه تسهيلات. كان مقال "الشخص المميز" آخر مرة حاولت فيها. كانت مراجعته سيئة جدًا لدرجة أنني لم أستطع قبولها. عندما سلمته إياها، انتزعها مني وابتعد، مُصدرًا صوتًا يشبه الحيوان وهو يسب بصوت عالٍ بينما يبتعد.

لذا توقفت عن فعل ذلك. كنت أرسم وجوهًا مبتسمة بجانب رسوماته وأنجحه بدرجة "د" كلما أمكن. ربما كان عليّ أن أرسبه، لكنه كان متأخرًا بالفعل عامين. من الصعب التأكد من حدسك مع الأولاد في ذلك العمر، وكان صعبًا للغاية.

***

قال سيكسي جي:

- لا، سيدتي، سأكون خائفًا من قتالكِ - لربما تكونين مسلحة!

ضحكوا – ضحكت مويرا وسيكسي - وغيّروا الموضوع. انتهى الغداء على نحو جيد إلى حد ما، وعادت مويرا لتتصالح مع آنا في طريق العودة إلى المنزل.

قالت آنا:

- ما زلت لا أفهم لماذا لا تعتقدين أنهم حاولوا اغتصابها، لا أعرف لماذا لا تصدقينها ببساطة.

قالت مويرا:

- انظري .. ليس الأمر أنني أعتقد أنهم كانوا أبرياء تمامًا. كانوا أولادًا سكارى. ما أعتقده هو أنها كانت بالنسبة لهم فتاةً غريبة الأطوار، فتاةً جميلةً ذات نظارات. لذا، كما تعرفين... عبثوا معها كما يعبثون مع فتى غريب الأطوار في غرفة الملابس.

- أذلوها؟ تنمروا عليها؟

- نعم، يمكنكِ قول ذلك..

- رائع .

- لا، ليس رائعًا. لكنه ليس اغتصابًا.

نظرت مويرا من النافذة إلى لافتة "السيدة بوتشي" البالية، شكلها المتآكل من الصدأ ما زال أنيقًا رغم تساقط نصف الطلاء، ما زالت هناك على عمودها البالي لا تبالي. النادي الليلي الذي كانت تعلن عنه احترق منذ زمن بعيد، لكنهم لم ينزعوا اللافتة بعد . قالت مويرا:

- لم يغتصبوها، حتى هي لا تقول إنهم فعلوا ذلك فعلا، وكان بإمكانهم ذلك لو كانوا جادين.

ساروا في صمت. كانت مويرا تقترب من الأربعين عندما التقت بإيدي في نادي "بوتشي"، وهو كان لا بد في الخمسين: دخلت من الباب، وبذلك الفعل البسيط، مزقت ثقبًا متعرجًا في نسيج الحياة العادية، تمزقًا كبيرًا في منتصف الصفحة المملة المؤلمة، ومن ذلك المكان الممزق انسكبت الموسيقى الشجية، وصواني المشروبات المتلألئة، والرقص، والفجور في الحمام (نساء يجلسن على الأحواض لتخفيف أنفسهن بينما أخريات يضعن المكياج لعيونهن، يضحكن ويتحدثن)، وكرة الديسكو تلقي ضوءًا مجنونًا متقطعًا على كل جسم مشوش ووجه ضبابي. هي في الأربعين وهو في الخمسين، لكنهما كانا مثل مراهقين يخرجان إلى موقف السيارات، متجهين إلى سيارته، وهو يمسك بيدها كي لا تتعثر في الكعب العالي الذي لم تكن تلبسه منذ أن كانت في الخامسة والعشرين ربما.

قالت آنا:

- تحدثت عن الأمر مع قريبتي الصغيرة ذات الاثني عشر عامًا. شاهدته على التلفاز وقالت إنه أخافها. قالت: "من المفترض أن هؤلاء الرجال يحموننا، وهم يسمحون له بالدخول؟ الأمر مثل رجال الشرطة الذين يطلقون النار على السود دون سبب، لكن على مستوى أعلى"

- أنا آسفة.

قالت مويرا ذلك. وقد كانت بالفعل آسفة. كانت بشرة آنا وخالتها مثل البيض، لذا نسيت مويرا: إنهن بورتوريكيات. لون بشرتهن فاتح، لكن ربما بعض عائلاتهن ليس كذلك؛ بطبيعة الحال سيشعرن بالأمر أكثر عندما تكون الشرطة سريعة في إطلاق النار على شخص أسود. بالإضافة إلى ذلك، الطريقة التي كررت بها آنا كلمات الفتاة البريئة أثرت في مويرا وأزعجتها. هي حتى لم تعرف لماذا تحدثت بهذا الشكل أثناء الغداء. حسنًا، لكنها عرفت؛ كانت تحاول لفت انتباه سيكسي جي. قالت:

- انظري، أعتقد أن الرجل أحمق. لا يعجبني طريقة تعامله مع كل هذا. لكنني فقط ...

- إذا تقدمتِ بطلب للعمل في 'تي جيه ماكس' وتصرفتِ بهذه الطريقة في المقابلة، لن يوظفوك .

قالت مويرا:

- هذا عادل، أنتِ محقة في ذلك.

لقد أرادت فى الواقع إنهاء الأمر.

تحدثت مويرا عن الموضوع بعد العشاء مع إيدي وصديقه رود، الذي زارهما لاحتساء الجعة. كانوا جالسين على الشرفة الخلفية؛ أبدى رود إعجابه بشجيرات الليلك التي زرعتها منذ زيارته الأخيرة، وكذلك حديقة الخضروات الصغيرة التي بدأتها. كما أعجب بالطريقة المضحكة التي أخبرتهما بها عن مواجهة كافانو — كلاهما (هو وإيدي) ضحكا من الأمر. قال إيدي:

- يا كلبة الصيد العجوز. لا بد أنكِ أرعبتِ تلك الكلبة الصغيرة الحمقاء. وأراهن أن الرجل يوافقك الرأي. هو فقط يحاول الوصول إلى سروال الفتاة.

في تلك اللحظة ابتسمت وقالت: "بالتأكيد!". لكن عندما غادر رود، قالت: "لا تنادني بهذا أمام الآخرين. يبدو وقحًا". لم تقل: "ولا تنعت آنا بأنها كلبة صغيرة حمقاء — لماذا تنعتها هكذا؟". لكنها فكرت بذلك .

احتضنها إيدي من الخلف وقال:

- أنتِ تعلمين أنني أعنيها كتعبير عن المودة، المودة الخالصة. هو يعلم ذلك أيضًا.

وقبل رأسها فنسيت الأمر.

ولأن موقع عمل إيدي تغير بشكل غير متوقع خلال عطلة نهاية الأسبوع، اتفقا على أن الأسبوع المقبل ستوصله إلى العمل وتأخذ السيارة، لالتقاط آنا من منزلها. بهذه الطريقة، لن تكون مويرا مدينة على الأقل. وهو ما كان جيدًا على الأرجح نظرًا لأن القضية الأولى كانت قضية اغتصاب.

كانت الضحية امرأة في الثالثة والستين من عمرها. تعيش وحدها في شقة فوق متجر لقطع غيار التدفئة والتكييف كان يملكه والدها المتوفى سابقًا. في مساء أحد الأيام، دخل رجل شقتها واغتصبها. حاولت الاختباء في الحمام، لكنه كسر الباب وسحبها خارجًا. كان يرتدي قناع كلب من النيوبرين يغطي رأسه بالكامل، ولم يتكلم. على أمل أنه جاء لسرقتها، أخبرته أن حقيبتها في غرفة المعيشة. لكنه بدلًا من ذلك أجبرها على ارتداء سروال داخلي مفتوح وصديرية من الدانتيل ثم اغتصبها، مرارًا. ربما لأنها كانت مرعوبة لم تدرك أنها تعرفه. هو في الواقع كان يعمل في متجر قطع غيار التدفئة والتكييف؛ كان قد عمل لدى والدها لسنوات. غادر المدينة لأسباب غير واضحة ثم عاد، ورغبة في العمل لدى والدها مرة أخرى، تم توظيفه في نفس المتجر.

كانت هناك صور عُرضت على الشاشة. صورة لباب حمامها المحطم؛ بدا وكأنه مصنوع من شيء يشبه الورق المقوى. صورة للغطاء الرقيق على سريرها؛ يمكنك رؤية الحشو يخرج منه. أخذوا صورًا له كي يتمكن المحلفون من رؤية الدم عليه. كما أخذوا صورًا لأعضاء المرأة الحميمة، التي كانت ممزقة ونازفة أيضًا.

قالت المرأة الجالسة بجانب مويرا.

- يا إلهي!

***

كانت أختي تنتقدني طوال الوقت—في أشياء كثيرة، لكن أكثر شيء كانت تهاجمني بسببه هو أنني "أُسهّل الأمور" للآخرين، وأتصرّف كـ"شهيدة" أو "حمقاء" لأني أدرّس الأطفال "الأغبياء" في المدارس المحلية، بينما كان بإمكاني، لو أردت، أن أفعل ما هو أفضل.

وحين كنت صغيرة، كانت تسخر مني لأني دائمًا "جيدة" و"لطيفة أكثر من اللازم". كانت تتهمني بأن لي دوافع خفية. قالت إنني أفعل كل ذلك لأجعل أبي وأمي يحبانني أكثر. ربما كان ذلك جزءًا من ديناميكية العائلة. أتذكر أنها تحدّثت مرة عن خبر في الجريدة، عن أستاذ أبيض في كلية "بورترفيلد" المجتمعية، كوَّن صداقة مع طالب أسود سابق يعاني من مشاكل نفسية.

ساعده في العثور على وظيفة، وأقرضه مالًا، بل واشترى له ملابس من أجل مقابلة العمل. وعندما حصل على الوظيفة ثم فقدها، ساعده الأستاذ مرة أخرى، حتى أنه اشترى له حاسوبًا.

لكن رغم كل هذا، ساءت أحوال الطالب، ويبدو أنه ألقى باللوم على أستاذه، لأنه اشترى مسدسًا وقتله.

قالت أختي بمرارة:" كان ذلك الأحمق يستحق الموت، فقد كان تصرفه غبياً ومهيناً. لقد قدّم نفسه أمام ذلك الطفل المسكين المضطرب كأنه شخص قادر على حل كل مشاكله، ويملك كل الإجابات. تصرف وكأن الطفل الأسود لا يتحمل أي مسؤولية، وكأنه، الرجل الأبيض الكبير، هو الوحيد القادر على إنجاز الأمور. من المنطقي تماماً أن يأخذ شخص مضطرب هذا الكلام حرفياً، وأن يحمّل ذلك الغبي المسؤولية بدلاً من نفسه."

أختي ذكية ومتسلطة. حتى أنني كدت أوافقها الرأي في تلك القصة. لكنني لم أكن أتعامل مع بالغين مرضى عقلياً. كنت أعمل مع أطفال. كان عملي مساعدتهم. نعم، ذهبت لأبعد من الحدود مع بعضهم. اشتريت لهم مستلزمات، وحقيبة ظهر مرة، وقفازات أكثر من مرة، ووشاحاً. وزعت وجبات خفيفة صحية تحسباً لعدم تناولهم الفطور. أخطأت أحياناً، وهذا صحيح؛ أحياناً يستغل الأطفال الموقف. يمكن أن يغضب الأهل منك لمساعدتك. لكنني لم أفعل ذلك مع مارك. ساعدته لكن دون تجاوز الحدود. ربما ليس حتى بالقدْر الذي كان ينبغي. لأنني شعرت بالأسف عليه، لكنني لم أحبه. يبدو هذا فظيعاً لأنه كان مجرد طفل. لكن الأطفال أشخاص. وبعض الأشخاص ببساطة لا يعجبونك.

لم أساعده في الحصول على العمل في المحل. أنا فقط لم أمنع حدوث ذلك أيضاً. كانت محض صدفة أن زرت المحل ذلك اليوم. عندما سألني والدي عن نوعية الطالب الذي كان عليه، أخبرته الحقيقة، أنه كان مشاكلاً وأعتقد أنه مضطرب. لكنه في الأساس طفل جيد، لا بد أنني قلت ذلك أيضاً. لكنني ما زلت لا أعرف لماذا عينه والدي. سوى أنه كان يعتقد أنني فتاة مثالية زيادة عن اللزوم. فإذا قلتُ إن صبيًا ما كان مشاغبًا، فربما فهم من ذلك أنه طبيعي.

***

شَهِدَت خطيبة المغتصب قبل الغداء. حين دخلت القاعة، تبادلت مويرا وآنا نظرة صامتة مليئة بالدهشة. كانت امرأة جذابة في منتصف الثلاثينيات تقريباً، بشعر أنيق وساقين طويلين، كانت ترتدي فستانًا أنيقًا وحذاءً بكعب عالٍ، وتتصرف بوقار وهدوء. كان سؤال عينيها واضحاً: هل تصدقين أن هذا الوحش لديه صديقة طبيعية؟

سألها المدعي العام عن مدة علاقتها بصديقها وكيف تعرفت عليه. ردت: "منذ ثلاث سنوات في حفلة". ثم سألها إن كانت تعرف المرأة التي اغتصبها خطيبها، أو إن كان قد ذكرها أمامها قط، فأجابت بالنفي. سألها عن مكان خطيبها أثناء وقوع الجريمة، فقالت إنها ظنته عند صديقه جاك. ثم سألها عما وجدته في سلة المهملات مساء ذلك اليوم، فأجابت: "سروال داخلي مثير عليه آثار لزجة". وعندما سألها إن كان خطيبها يطلب منها ارتداء ملابس داخلية "مثيرة"، أجابت بنعم، وكأنها تكتشف - في ذلٍّ وحيرة - أنها مخطوبة لرجل اعتدى على عجوز.

أثناء توجههما لتناول الغداء في المقهى، لوحت مويرا وآنا خفيةً لـ"سيكسي جي". شعرتا بالشفقة على خطيبة المغتصب، وتساءلتا: كيف كان يعاملها؟ وكيف تتخطى معرفتها أن الرجل الذي خطبها أجبر عجوزاً على ارتداء سروال مفتوح، اغتصبها، ثم عاد ليلقي الأدلة في سلة مهملاتها لتكتشفها؟

قالت مويرا:

- الأرجح أنه لم يفكر حتى في احتمال رؤيتها لها .

أجابت آنا:

- لا بد أنه غبي حقاً .

أحست مويرا أن آنا شعرت بالارتياح لأنها لم تبرر فعل المغتصب هذه المرة - لم تقل مثلاً أن المعلمة المتقاعدة والعاهرة ربما كانا يلعبان لعبة عنيفة. تحول هذا الارتياح بسهولة إلى حديث عن بنات أخت مويرا ومسلسل رعب أثار ضجة.

لكن بينما كانتا تتناولان السندويشات وتتصفحان هواتفهما، كانت مويرا تفكر فيما سيقوله إيدي. نعم ، ربما تكون الخطيبة جميلة، لكن إن كانت في أواخر الثلاثينيات أو حتى في الأربعين، فإن "قيمتها في سوق الجنس" (كما يسميه البعض) قد انخفضت بشدة، وعليها أن تقبل بما يتاح لها. والسؤال الأهم: لماذا يلاحق هذا الرجل عجوزاً ذابلة وهو قادر على الحصول على شيء أفضل؟ لم يكن إيدي ليتحدث بهذه الفجاجة معها عادة، لكنها سمعته يتحدث بهذه اللغة مع رود، ورأت مقالات مشابهة على حاسوبه - يالصدفة - تصنف النساء: "تحت العشرين = الأفضل، الثلاثينات والأربعينات = نساء من الدرجة الثانية، فوق الأربعين = انتهى عمرها".

على الرغم من اعتراضها السطحي ("ما هذا الهراء الذي تقرأه؟")، فإنها في العمق تدرك واقعية هذه الأفكار. كان يقول إنه لا يأخذها بجدية، لكنها "مثيرة للاهتمام". وأضاف: "الحياة أكثر تعقيداً، فيها الحب. يبدو أن بعض هؤلاء الرجال لا يفهمون ذلك". جلسا بهدوء لبرهة طويلة، وانتبهت مويرا لحفيف الأصوات الآتية من الخارج، والروائح الخافتة الداكنة، والعطر العميق لزهور الليلك. كان ذلك يمنحها شعورًا بالانسجام، بإحساس أنها تتقبل ما تعجز نساء أخريات عن تقبله: غرائز الحياة القاسية. مد إيدي يده من كرسيه وأمسك بيدها، فشعرت بألفة اللمسة ذاتها بعد كل هذه السنوات.

***

أسوأ ما حدث في الصف لم يكن بفعل مارك. لكنه جعلني أشعر بشيء ما تجاهه مرة أخرى، شعوراً ظل عالقاً في نفسي وربما أثر عليّ عندما سألني والدي عنه.

كنت قد كلفتهم بواجب يتطلب منهم الانقسام إلى أزواج وإجراء مقابلات مع بعضهم البعض، ولم أسمح لـ"تايرون" أن يكون زميلاً لمارك لأن آخر مرة فعلا ذلك كانت كارثية. غضب تايرون وشعر بالإحراج لأنه لم يرد أحد أن يكون شريكه. بدأ يصرخ أمام الفصل، وعندما طلبت منه الذهاب إلى مكتب المدير، تقدم نحوي بطريقة تهديدية لدرجة أنني رفعت يديّ وكأنني سأقاتله. كان ذلك رد فعل غريزيًا ولم يكن ذكياً؛ فقد جعله ذلك يندفع نحوي بقوة أكبر.

انفجر الصف كله في ضجة خائفة، لكن ما سمعته بوضوح كان صوت مارك، مرتفعاً وناعماً كما كان حين كان صغيراً، يقول: "تايرون، لا!" لكن تايرون استمر في التقدم؛ دفعني بقوة بجسده. حاولت ضربه، لا أتذكر حتى إن كنت أصبته. ثم انقض عليه ولدان وسحباه بعيداً عني، وانتهى الأمر. لم يكن مارك أحد هذين الولدين. لكنه هو، صوته، هو ما أتذكره أكثر من أي شيء آخر.

تحدثت مع معلم آخر عن الحادث، وقال لي شيئاً بقي عالقاً في ذهني أيضاً. لا أستطيع أن أنقل كلماته بالضبط، لكنه كان شيئاً مثل: "أولاد مثل مارك لديهم القدرة على أن يصبحوا أسوأ بكثير من شخص مثل تايرون. تايرون ليس معقداً؛ كل شيء فيه على السطح. أنتِ محقة بشأن مارك؛ في داخله طيف. إذا شعر أن لا بأس في أن يكون هكذا، سينفصل عن جوهره. سيفعل ذلك ليبقى على قيد الحياة. لكنه سيكون ضائعاً، بلا مركز، بلا خريطة. سيسير في طريق سيء حقاً."

لا أعرف لماذا ما زلت أسترجع هذا الماضي. وفي الحقيقة، أنا لا أفكر بذلك. هذه الأشياء تومض في ذهني فجأة. ربما أحاول أن أفسر الأمر لنفسي. أو أحاول أن أشعر بتحسن، بتذكره كطفل صغير. لكن ذلك لا يجدي نفعاً.

***

بعد الغداء، أدلى جاك، صديق المغتصب، بشهادته. كان رجلاً حسن المظهر في الأربعينات من عمره، ويبدو أنه كان مدركًا لذلك تمامًا: دخل إلى قاعة المحكمة مرتديًا بنطال جينز أسود ضيقًا وسترة جلدية سوداء، متبخترًا بخفة وبابتسامة صبيانية. كان هو الشخص الذي تولى إدارة المتجر بعد وفاة والد الضحية، والذي أعاد لاحقًا توظيف مارك كارتر، واصفًا إياه بأنه "رجل عظيم".

سأله المدعي العام عمّا إذا كان السيد كارتر قد زاره فعلًا مساء يوم السبت الذي تعرّضت فيه الآنسة بيتريسنسكي للهجوم. تظاهر جاك بالتفكير وقال: "ربما نعم، ربما لا، أنا لا أفكر جيدًا في مساء السبت"، وابتسم ابتسامة عريضة ناظرًا إلى هيئة المحلفين عند قوله ذلك.

سأله المدعي العام عمّا إذا كان هو ومارك على علاقة طيبة مع الآنسة بيتريسنسكي — هل كانت العلاقة ودية؟ هز جاك كتفيه وقال: " أكيد، باستثناء أنها كانت أحيانًا تتذمر من السيارات التي تسد مدخل سيارتها". وأضاف أن صراخها على قطتها كان يزعجهما أحيانًا، وكذلك صوت التلفاز المرتفع إلى درجة أنه كان يعرف ما يجري في برنامج "ذا باتشلور" من دون أن يراه — ونظر مجددًا إلى هيئة المحلفين بابتسامة خبيثة وكأنه يتشارك معهم مزحة معروفة.

سأله المدعي عمّا إذا كان على علم بأي تاريخ سابق أو عداء بين مارك كارتر والآنسة بيتريسنسكي. أجاب: " قليل من نعم، وقليل من لا". قال إن مارك ذكر ذات مرة أنها كانت معلمته، لكن ذلك كان "منذ مئة سنة"، ولم يتحدثا في الأمر.

ثم سأله: هل كان يعلم إن كان مارك كارتر يمتلك قناع كلب من مادة النيوبرين؟ أجاب ضاحكًا: " نعم، مارك كان عنده قناع كلب، وكان مرعبًا بحق! لونه أسود بالكامل وشكله رائع. أحيانًا، بعد إغلاق المتجر، كنا نشرب ونستمع إلى موسيقى ديث ميتال، وكان مارك يرتدي القناع ويطاردني في المتجر وهو ينبح!"ابتسم مجددًا، وعيناه الماكرة تجولان على هيئة المحلفين.

أطلق "سيكسي جي" صوتًا خافتًا من الذهول وعدم التصديق.

***

بعد وفاة والدنا، تدهورت صحتي. كنت في التاسعة والخمسين من عمري، أعاني من السكري والألم العضلي الليفي ومتلازمة شوجرين وآلام العمود الفقري، وكلها تفاقمت ذلك العام. تقاعدت بإعاقة، لكن المعاش لم يكن كافياً. كانت أختي تعيش في الشقة فوق محل والدي منذ أن فقدت وظيفتها في شركة "باير"، وكان يكتفي بتحصيل الإيجار بما يكفي لتغطية فواتير الماء والخدمات، وهذا كان جيداً لأنها لم تجد عملاً سوى كعاملة تعبئة بضائع في متجر بقالة. عندما توفي والدي، تولى إدارة المحل أحد أصدقائه أولاً، فلم يرفع الإيجار كثيراً عما كانت تدفعه، لكنها مع ذلك كانت سعيدة بانضمامي للعيش معها. خاصةً أن مشاركتي في الإيجار مكنتها في النهاية من شراء حاسوب رخيص للبحث عن رجال عبر الإنترنت - وكان عمرها خمسة وخمسين عاماً! كانت تقضي وقتاً طويلاً على ذلك الجهاز، وكنت أظنها تثير سخرية الآخرين، لكنها نجحت في النهاية: اختارت من رأت أنهم يستحقون المحاولة، ثم قضت بعد الظهر في "ستاربكس" لإجراء مقابلات معهم. أخيراً، وجدت رجلاً لطيفاً يدعى ميك، وانتقلت للعيش في منزله في ميلفيل. بعد ذلك بفترة، تقاعد صديق والدي وتولى ابن أخيه جاك إدارة المحل. أقنعه والده بعدم رفع الإيجار، وظل الأمر كذلك لفترة طويلة. ثم عاد مارك للظهور، وارتفع الإيجار خمسين دولاراً. فكرت في الانتقال، لكنني لم أجد شيئاً في متناول يدي.

الآن أنا أعيش مع أختي في ميلفيل، أنام على سرير صغير قابل للطي في غرفة المرافق؛ لدى قطتي زيلفا وعاء طعامها وصندوق فضلاتها في الزاوية. تنام معي تحت البطانية كل ليلة، تخرخر بعصبية وتدلكني بمخالبها. بقيت في ميلفيل لمدة أسبوع قبل أن أتمكن حتى من العودة لجلب أغراضي. ذهبت مع أختي وصديقها. اخترنا يوم الجمعة لأن الحادث وقع يوم السبت. كنت أعرف أن جاك سيكون هناك، لكنني لم أتخيل مدى صعوبة رؤيته. ربما لم أفكر في الأمر لأنني عادةً ما كنت أتجنب رؤيته أيام الجمعة - فهو يكون مشغولاً بالعمل داخل المحل.

لكن عندما وصلنا، خرج فجأة. ظهر عند الباب بينما كنا نصعد الدرج. قال مخاطباً صديق أختي وكأنه لم يرني:

- هل يمكنني مساعدتكم؟

ثم قال:

- أوه، مرحباً، الآنسة بي، هل عدتِ؟

بدأت أرتعش. ابتسم كطفل مؤذٍ. لم يفهم ميك الموقف بعد، فقال:

- اعذرنا.

وواصلنا الصعود، لكن ارتعاشي كان شديداً لدرجة أن أختي اضطرت لمساعدتي. قالت:

- ساعدها يا ميك.

فأمسك بذراعي.

***

قلت لجاك أنها كانت معلمتي، وأنني كنت أتلصص على ما تحت تنورتها وهي تقرأ. ضحك حتى كاد يسقط من شدة الضحك، وأصبحت هذه القصة موضوعاً نتندر به، خاصة عندما كنا نشعر بالملل ونقتل الوقت بعد إغلاق المحل، بينما كان صوت برنامج "ذا باخيلور" يخترق السقف من الشقة العلوية. كان يسخر مني لأنني أنجذب للنساء الأكبر سناً، ويقول إن صديقتي المثيرة أصغر مني بكثير. كنا نتحدث عن مدى قذارة النظر تحت تنورتها الآن، وكان يقول لي: "هيا، تعرف أنك تريد ذلك، أتحداك أن تصعد وتضاجعها!" كان الأمر مجرد مزحة!

لكن الحقيقة أنني بدأت أفكر في الآنسة بيترسينسكي عندما كنت مع ليندي. لا أقصد أن أتخيل نفسي أفعلها بها، لكنني كنت أتخيلها واقفة في الزاوية مرتدية ملابس داخلية مثيرة، تتعمد إثارتي. أحياناً كنت أتخيلها كما كانت تبدو في الماضي. وأحياناً أخرى كنت أتخيلها كما هي الآن.

***

ما إن دخلنا شقتي حتى شعرت بالحاجة إلى دخول الحمام. حاولت أختي أن ترافقني إلى الداخل، لكنني أبعدتها قبل أن نصل إلى غرفة النوم. كان الباب المضروب لا يزال مخلوعًا من أحد مفاصله، وبقايا من شريط الشرطة الأصفر كانت عالقة في الخشب. استخدمت المرحاض دون أي شعور بالخصوصية. غسلت يديّ وتذكّرت قبضته وهي تخترق الباب. نظرت إلى المغسلة وفكرت أنني لن أستعمل فرشاة أسناني هنا مرة أخرى، ولن أغسل وجهي وأطفئ النور وأذهب إلى النوم في سريري القديم.

كنت أضع جهاز السمع، فسمعت ما كانوا يقولونه في الغرفة الأخرى. قال ميك:

- أعتقد أنني سأذهب لأخبر ذلك اللعين في الطابق السفلي أن يبقى في جحره عندما ننزل مرة أخرى.

وأضاف:

- لو كنت أصغر سنًا، لكنت ضربته حتى سال دمه.

تلك كانت كلمات أبي. هذا ما كان أبي سيفعله.

تخيلت أبي واقفًا هناك، يشيح بوجهه، مدركًا أن هذا حدث في بيته، وأن لا شيء بوسعه فعله. عندها شعرت بالغضب.

***

وأخيرًا، أدلت المرأة العجوز بشهادتها. كانت تبدو مسنّة حقًا، أكبر من ثلاثة وستين عامًا—لعل مويرا كانت ستُخمِّن أنها أكبر بعشر سنوات على الأقل. كان ظهرها منحنياً، وكانت تتعثر أكثر مما تمشي. لكن وجهها كان صلبًا؛ كانت تصبغ شعرها بلون بني داكن وتصفّفه بطريقة قصة "الصبي" الكلاسيكية. كان ذقنها مدبباً ومربعاً في آنٍ واحد، أشبه بصخرة. وصوتها كان صلباً. لقد تأثرت مويرا بصلابتها.

قالت العجوز إنها لم يخطر ببالها للحظة أن الرجل الذي اقتحم بابها كان هناك ليغتصبها؛ ظنت أنه جاء ليسرق مالها. أخبرته بمكان حقيبتها، وفي تلك اللحظة أخرج قطعًا من الملابس الداخلية المكرمشة. حدّقت فيها بدهشة؛ لم تصدق أنه كان يلمّح بيديه أنها يجب أن ترتديها. لأن القناع المرعب كان يغطي رأسه بالكامل ولأنه لم ينطق بكلمة، لم تتعرف عليه.

سألها المدعي العام:

- هل تعرفين من هو الآن؟ هل يمكنكِ ذكر اسمه؟

اعتدلت العجوز في جلستها، ودوّى صوتها في القاعة عندما قالت: "مارك كارتر"، وانعقدت شفتاها بازدراء وهي تنطق الاسم.

- اسمه مارك كارتر، وقد اغتصبني على أرض أبي.

آخر من ظهر كان مارك كارتر نفسه. لم يحضر شخصياً. المحقق الذي استجوبه أحضر تسجيلاً صوتياً لاعترافه وعرضه عليهم. كان التسجيل ردئ الجودة، لكن الصوت كان واضحاً جداً. بدا ودوداً ومرحاً. بدا أصغر بكثير من عمره الحقيقي (الخمسين). بدا كمراهق. لم يعرض المحقق التسجيل كاملاً، فقط الجزء الأخير. سمعت هيئة المحلفين المحقق يسأل مارك:

- أريد فقط أن أتأكد أن الجميع يعرف. عاملناكَ بشكل جيد، أليس كذلك؟ لم نُجبرك على قول أي شيء أو حتى نضغط عليك، صحيح؟

أجاب مارك بحماس:

- لا، لا. كنتم لطيفين جداً معي.

- كنت جائعاً، فأحضرنا لكَ بيتزا....

- نعم، وكوكاكولا!

- حتى أننا سمحنا لكَ بالخروج لتدخين سيجارة، أليس كذلك؟

- نعم، كنتم رائعين !

- إذاً أنت تتحدث الآن لأنك تريد ذلك .

- نعم. نعم، أريد ذلك.

- كانت معلمتك، أليس كذلك؟

- نعم، كانت كذلك. أخفقت كثيراً في صفها. وأخفقت أكثر الآن. يا رجل، أنا آسف.

-أعلم أنك آسف. وأعلم أنك تريد إصلاح الأمر. من أجلها. من أجل الآنسة بيترسينسكي.

- نعم. هذا ما أريد فعله. من أجلها. من أجل جيني.

الطريقة التي نطق بها اسمها—بحنان. جعلت جلد مويرا يقشعر. لأن الأمر كان غير منطقي. وكان واضحاً لا لبس فيه.

***

تحدثت آنا ومويرا عن الأمر قليلاً فقط في طريق العودة إلى المنزل. قالت آنا:

- من أين يأتي هؤلاء الناس؟ "

فأجابت مويرا:

- لا أريد أن أعرف حتى.

قالت آنا:

- كان غبياً لدرجة أنك شعرت بالشفقة تجاهه.

فقالت مويرا بحدة:

- لم أشعر بالشفقة. إنه حيوان منحرف.

قالت آنا بسرعة:

- أعرف، أعرف... لكن... لا أدري. أتفق معك.

سادت لحظة من الصمت ثم بدأتا تتحدثان عن أشياء أخرى:عن كم كانت مس بوتشي ممتعة في السابق؛ عن تلك الليلة التي التقت فيها مويرا بإدي هناك؛ عن الفروق في التوقعات الاجتماعية بين الرجال والنساء في ذلك الوقت. تناولتا الحديث عن "سيكسي جي"، الذي - بحسب ما لم تعد مويرا تتذكر إن كانت عرفته من قبل - اسمه الحقيقي كان جوناثان. رأت آنا أنه غير مستقر نفسيًا؛ لم يتزوج قط، لكنه أنجب طفلين من امرأتين مختلفتين.

قالت:

- أعتقد أنه من النوع الذي يدخل في شجارات دائمة مع جيرانه.

عندما عادت مويرا إلى المنزل، كان لديها متسع من الوقت لإعداد العشاء، لكن المكونات كانت محدودة: سباجيتي، وعلبة صلصة طماطم، ولحسن الحظ بصلة جيدة وبعض النقانق في الفريزر، بالإضافة إلى جبن بارميزان. وأخيرًا، بعض الريحان من الحديقة. شعرت أن إدي كان راضيًا. تناولا طعامهما وهما يتنقلان بين القنوات، بالكاد يتبادلان الحديث. كانت تعرف تقلبات مزاجه، وتلك النظرة المركزة في عينيه عندما يكون غارقًا في شعور قوي لا يريد الحديث عنه. الرجل الذي يعمل لديه قد يكون وغدًا، رغم أنه كان صديقًا قديمًا.

انتظرت حتى الفاصل الإعلاني لتحدثه عن قضية الآنسة بيتريسينسكي ومارك كارتر. لم تكن تنوي الحديث عنها، ليس فقط بسبب القاعدة التي تمنع ذلك، بل لأنها ظنت أنه سيعلّق تعليقًا ساخرًا عن "عجوز مثيرة". لكنه لم يفعل. عندما أعادت عليه كلمات المرأة:

"لقد اغتصبني على أرض أبي"

ظل صامتًا، لكن تعبير وجهه تغيّر، وشعرت أنه تأثّر بكرامة العبارة. قال أخيرًا:

- سفاح مريض... يفعل ذلك بعجوز!

قالت:

- نعم... لكن كان هناك شيء آخر أيضًا. شعرتُ أن بينهما ماضٍ، شيء مظلم يعود إلى سنين بعيدة. كانا يعرفان بعضهما. كان واضحًا من طريقة حديثهما، من الطريقة التي نطق بها اسمها.

ثم أعادت على مسامعه الطريقة التي نطق بها مارك كارتر اسم المرأة، بلهجة مفعمة بالمودّة. قال إيدي:

- اللعنة! إنها قصة حب! تلك العجوز منحته أفضل جنس في حياته، يستحق كل دقيقة يقضيها في السجن! هذا الوغد المريض!

ثم عاد البرنامج التلفزيوني للظهور، واستمرت الليلة. لم تعترض مويرا على كلماته في تلك اللحظة. حتى أنها شعرت بحقيقة غريبة فيها، شيء معقّد وقوي برق للحظة ثم اختلط مع نسيج الحياة اليومي. لكن لاحقاً، عندما كانا في السرير، أعادت فتح الحديث. قالت:

- ما قلته ليس صحيحًا، بخصوص القضية اليوم. هي لم تُعطه شيئًا. هو انتزع ذلك منها عنوة.

في البداية لم يعرف إدي عما تتحدث. ثم قال:

- أعرف. كانت مجرد طريقة في الكلام. لا تدققي في كلماتي.

ثم التفت كل منهما إلى جهته لينام.

لكن مويرا بقيت مستيقظة. أخيراً، في الثالثة صباحاً، ارتدت رداءها ونزلت إلى الطابق السفلي. رغم البرد، خرجت إلى الشرفة المسيجة وجلست هناك، تسمع صوت مارك كارتر الطفولي الغريب يقابل ازدراء العجوز المهيب، كلماتها الملحمية. جسدها الممزق. قصة حب.  شعرت بموجة من شيء لا يمكن تحديده، يتصاعد داخلها بقوة مخيفة. مرة أخرى عادت إليها رائحة الليل: ريحانها الشهي، ليلكها المتقد، وتعقيد الأشياء غير المرئية. لكن هذه الأشياء لم تهدئها. وفجأة، تذكرت تانيا، طفلتها الصغيرة، إحساس جسدها، يديها الصغيرتين وأظافرها الدقيقة. تذكرت فرح حبها وخوفها القاتل من هشاشة الطفلة. قفزت الدموع إلى عينيها وانحدرت على وجهها. حب عاجز، وخوف نبوئي؛ وفي انعطافة حادة، اختلط هذان الشعوران بغضب جارف، دفعها إلى الوقوف فجأة، والدم يندفع في عروقها أرادت أن تحطم شيئًا أو أحدًا. لكن من؟ من تستهدف؟ تخيلت نفسها تضرب المغتصب على وجهه وجسده، لكنها لم تشعر بالرضا. كلا، لم تكن تريد أن تحطم ذلك الرجل الحزين الغبي. إذاً من؟ ماذا؟ جلست في البرد، تتنفس بعمق وتنتظر أن يزول هذا الشعور. بقيت جالسة لفترة طويلة.

(النهاية)

***

.....................

الكاتبة: ماري جيتسكيل / Mary Gaitskill روائية وكاتبة مقالات وقصص قصيرة حائزة على جوائز مرموقة. رُشِّحت أعمالها لجائزة الكتاب الوطني، وجائزة دائرة نقّاد الكتاب الوطني، وجائزة بين/فوكنر. وقد نُشرت كتاباتها في مجلات بارزة مثل النيويوركر، وهاربرس، وإسكواير، بالإضافة إلى سلسلتي أفضل القصص القصيرة الأمريكية وقصص جائزة أو. هنري.

 

في نصوص اليوم