عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

فرانسيس هـ. كينغ: المعجزة

بقلم: فرانسيس هـ. كينغ

ترجمة: صالح الرزوق

***

كان لدي كابينة مفردة في الطبقة السفلية من العبارة الأوكرانية. بينما كان لدى صاني وجوي، وهما زوجان ثريان، "جناح واسع" وهو أحد أربع أجنحة في الأعلى، كل منها مجهز بمساحة خاصة من أجل حمامات الشمس. حينما لا يكون ثلاثتنا على الشاطئ نلجأ إلى هذه المساحة.  وكان حضور جوي ملحوظا ومريحا دوما، فهي تعمل على مطرزاتها أو تقرأ فصلا من بيوغرافيا تاريخية. أما صاني فيتكلم عن الفن والسياسة أو الحياة عموما، بنفس الإتقان المسرحي، والمرتكز غالبا على معلومات غير مناسبة أو جهل تام، وقد استعمل ذلك مرة لإنهاء مقالته الأسبوعية، حينما كنا كلانا ندرس اللغة الإنكليزية، ونتشارك بمدرب واحد في أوكسفورد. حينما توقفت السفينة، اعتدنا أن ننظر إلى كل النشاطات التي تجري تحتنا وكأننا ننظر على نحو واحد من عش نسر.  غمامة من الهباب الرصاصي والحامض تعلقت فوق زابورجيا. علقنا قبالة شاطئ ضيق وطويل، من بيوت الطين، المزدحم بالمستحمين. يمكنني تذوق الهباب بلساني. وذلك جعلني أشعر بالتعب من الربو الذي أعاني منه حتى شملتني الرحمة وتحررت من الرحلة. سألني صاني بحصافة وهو يقرأ لائحة برنامجنا: "من يريد زيارة 'مهد القوزاق'؟.

سألت جوي: "هل لدينا خيار آخر؟".

أضاف صاني: "القراءة. الكلام...الشراب". وآخر شيء، الشراب، كان يقوم به على نحو مضطرد في الأسبوع الأخير.

انطلق كل المسافرين، باستثناء عدد محدود، بحافلات سياحية نحو جزيرة القوزاق، ولكن بعد احتجاج مختصر من جوي، تخلف ثلاثتنا، واستلقينا على مقاعد في مساحتنا المفضلة. التمع دلو من الجليد بجوار صاني. وحينما أوشكت أن أغط بالنوم، اشتدت ريح باردة لتنظف غمامة الهباب، حتى أصبح كل شيء متوهجا - التمع نحاس السفينة، وتلألأ البحر بسهام النور، وأصبحت السماء زرقاء صافية. بدأنا ننظر نحو الشباب في الأسفل، كان بينهم حفنة من البنات ولكنهم غالبا من الصبيان، وكانوا يغطسون في المياه القذرة، من جهة الرصيف حيث تعوم السفينة وسط المياه بجوار جسر معلق يصل الرصيف بالشاطئ مرورا بالنهر العريض والمتعرج. قالت لي جوي: "أعتقد أنهم سيصابون بالتيفوئيد".

"بالتأكيد إذا غطسنا في ذلك الوحل".

التقط صاني كاميرا الفيديو اليابانية، ومال على السور الحديدي،  وبدأ بتصوير أحد الغطاسين، ثم آخر - ذكر لي أحد المسافرين القريببن، وهو محام متقاعد، وبكثير من الحسد، إنها إحدى أغلى الأنواع في السوق. في خاتمة المطاف أدرك الغطاسون ما يفعل، وبدأوا بالتنافس فيما بينهم، وباشروا بالصعود لمسافة أعلى من قوس الجسر المعلق، قبل إلقاء أنفسهم بجرأة في الماء، المختلط بالنفط والملوث بالنفايات.

همهم صاني: "يا لها من شيء جميل في مكان قذر ". فقد برزت أمامنا شابة طويلة بشعر غسلته الشمس وجعلته أبيض تقريبا، ورمتنا بنظرة، وفي النهاية انضم إليها صبي مربوع القامة بوجه بدائي كالقردة، وساقين قصيرتين، وصدر  منتفخ. بعد ذلك تقدم صاني بخفه ودخل إلى الصالة ليبرز منها ومعه علبة نصف ممتلئة من سجائر 'كاميل' وكان مدمنا على تدخينها، حتى أنه صبغ شاربه المشذب بلون برتقالي مائل للرمادي. وبعد ذلك كلما أدى غطاس حركة مبهرة أو جريئة يترك كاميرته جانبا ويلقي علبة سجائر نحو الرصيف. ودائما يعرف الغطاسون على ما يبدو لمن هذه الجائزة. ولذلك وعلى نحو يدعو للدهشة، لم يرافق الأمر لا التدافع ولا التخبط. وكان الصبي الممتلئ ذو الوجه البدائي الأفضل بينهم. ولم يكن عمره أكثر من ثلاث أو أربع عشرة عاما. ولكن من الواضح أنه بطل وحتى بعين أصدقائه الأكبر منه. وحينما أدى حركة مبهرة حقا، صفقوا له، بدون تهكم ولكن بإعجاب بريء، فألقى صاني علبة أخرى من سجائر 'كاميل'. وبدأ الحارسان، اللذان وقفا للمراقبة بجانب الجسر حينما كنا في المرفأ، بين وقت وآخر يحدقان بنا. هل كانا يقطبان هكذا بسبب الوهج أو عدم الموافقة، أم كانا يشعران بالغيرة من كرم وهدايا صاني؟. بعد أن قام الصبي الممتلئ بغطسة من أعلى نقطة في قوس الجسر المعلق، تلقى استحسان زملائه، ثم قرر أن يجد ما هو مدعاة لقدر أكبر من المخاطرة والتحدي. أسرع على طول الرصيف استجابة لفورة مفاجئة، وبقفزة محلقة، أصبح على حافة سور السطح الرئيسي. جرى الحارسان نحوه ولكن كبحهما بصيحة منتصرة، تبعها بريق من جانب السفينة، حينما وجد موطء قدم حرج هنا وهناك، إلى أن استقر على السطح التالي. ثم أسرع على طول سطح قارب بجوارنا. وجرى نحو أحد قوارب النجاة، وتعلق بطرف رافعة فوق الماء الموحل، وكشف عن أسنانه بتكشيرة واضحة، ثم قفز عليه.  حدق بنا بما يبدو أنها نية بالتحدي. ترك صاني الكاميرا على الطاولة، والتي استقرت عليها زجاجة الفودكا والكؤوس، وأخرج محفظته من الجيب الخلفي لسرواله الكتان. سحب ورقة بخمسين دولارا ورفعها عاليا. تبادل مع الصبي نظرة تفاهم متبادل. لوح صاني بالورقة إلى الخلف والأمام. ومررها لي ثم مال على الكاميرا. أمكنني سماع صوت خطوات الحارسين على المعبر. كانا يتصايحان بصوت لم يبلغ مسامعنا، ولكنه مفهوم عند الولد، الذي استدار، وتأهب. كانت أصابع قدميه الملتوية تتمسك بطرف القارب، وذراعاه مرفوعان فوق كتلة قامته، ثم غطس. غطسة مثالية،كما أذكر، فكرت بها مهتما كعهدي دائما، وخلفي مؤهلات رياضي حتى في صباي. ثم كما يبدو أنه يد خفية وغامضة امتدت ودفعت الصبي الغطاس جانبا - وهكذا عوضا عن الهبوط كالسهم في المياه العكرة، انحنى بزاوية بسيطة وتحطم على الرصيف. صاحت جوي بقربي. وصاح الآخرون من تحتنا، أيضا.  كان كأنه خوار متألم يأتي من صاني: "يا للمسيح". التقى أول الحارسين في قمة المعبر، فدفع الرجل جانبا، وأسرع بالهبوط.

وضعت جوي، المذرعورة مثلي، يدا على ذراعي قائلة: "هل تعتقد..؟".

تنهدت باستسلام. فكرت لحظة أنني على وشك أن أتقيأ. وحسمت أمري أن الصبي مات بالفعل. حدق كلانا بالأسفل، تقاطر الحشد، الذي كان قوامه إلى جانب الغطاسين، ناس على الشاطئ، ومعهم حشد كان على الطريق الممتد خلفه، وقد تجمعوا كلهم وتزاحموا حول الجسم المستسلم والهامد على التيار. وفجأة ظهر في المشهد طبيب السفينة - طبيب نسائية روسي متقاعد بقدمين ضخمتين ولحية بيضاء كثيفة على هيئة جاروفة. قبض عليه صاني من ذراعه، وقال له شيئا. نحى الطبيب صاني، وانحنى على الصبي، ورفع ذراعه ليجس نبضه. كان وجه الصبي مضطربا بشكل غير طبيعي. والعين الظاهرة منه مغلقة. وشيء داكن ولماع يرسم بركة مثلثية على طرف واحد.  قلت لجوي: "يا لها من محاولة جنونية".

أجابت: "وشجعه صاني. آه يا إلهي. كانت غلطته. يا له من أحمق".

ثم وصلت سيارة إسعاف أثرية بجرس يرن، حمل مسعفان الجسم الممدد على نقالة، المسعفان رجل متوسط العمر ونحيل، وصبية مرهقة، وكلاهما بمعطف أبيض طويل. صعد الطبيب إلى السيارة والتفت لينحي البنت الغطاسة الطويلة - ذات الشعر المبيض من الشمس - والتي كانت تنوح ببكاء هستيري - وتحاول أن تتبعه. وأدهشني أن صاني حاول أيضا الركوب في سيارة الإسعاف. عوى الطبيب بكلام ما، فهز صاني رأسه بعنف، ورد بصياح مماثل. دخلا في جدال لبعض الوقت.  واختفى كلاهما في السيارة. رن الجرس مجددا، والتفت السيارة نحو الجسر، وانطلقت فوقه، وهي تزيد من سرعتها.

سألتني جوي: "هل يظن هذا الأحمق أن له دورا نافعا؟".

بالعادة تكون نبرتها هادئة. ولكنها أدهشتني بنغمة خشنة ممزوجة بالغضب، حينما وجهت السؤال.

تنهدت قائلا: "أفترض أنه يشعر بالمسؤولية على نحو ما".

"طبعا يشعر بالمسؤولية. عليه أن يشعر بالمسؤولية. لو أنه لم يشجع ذلك الولد... عموما هو الآن ميت. هذا واضح. لقد مات".

وفجأة انثنت على نفسها وانخرطت بالنحيب بفورة حمقاء. ثم جرت إلى الصالة وتركتني وحدي. ذهبت إلى السور وحدقت بالحشود في الأسفل. بدأ عدد منهم يأخذ بالتزايد وبالنظر لي بعدائية صامتة وراكدة. كما لو أنني أنا الذي رفع فخ ورقة الخمسين دولارا. أخيرا عاد صاني، وتوقعت أنه سيكون مصدوما ويرتعش لأنه أدرك أنه تسبب بالوفاة ولو بغير عمد. وبدواعي دهشتي صرح أن الصبي لا يعاني من شيء أسوأ من ارتجاج دماغ وكسر بعظم خده. توقعت أنه يظهر نعمة التخفف من الذنب. ولكن ما لم أتوقعه حالة الحيرة الغبية. فقد عبس أمام الشاطئ المهجور الآن، وكانت ظلال أشجار مبعثرة تتطاول خلفها بينما الشمس العملاقة تغيب، وأجاب على كل سؤال من أسئلتنا -  هل المستشفى بعيد؟ هل يحتاج خده المكسور لعمل جراحي؟ متى يتوقعون خروج الصبي من الإغماء؟- كانت ردوده بكلمتين ملتصقتين أو ثلاث.  وكأنه يحاول حل مسألة صعبة ولا يريد المقاطعة .  وفي الخاتمة رن الجرس بنعومة مؤذنا بوقت العشاء. حمل زجاجته الأنيقة المعبأة بالفودكا - لا بد أنها الرابعة أو الخامسة بعد عودته - وقال: "اذهبا كلاكما  ليس لدي شهية للطعام".

ما أن تقدمنا من بهو الإطعام حتى قالت جوي: "يا له من أمر مريح. ما كان سيعيش لو مات الولد؟".

"ولكنه أمر مذهل. كنت متأكدا أنه كسر رقبته؟".

أزمعت السفينة أن تبحر بمنتصف الليل.  مشيت برفقة صاني على طول المرفأ المهجور، ولمحت فجأة ذلك المثلث الدامي، ولكنه لم يكن يبرق جدا وتحول إلى لون أسود تقريبا.

"توقعت أنه مات. توقعت فعلا أنه مات". توقف صاني والتفت نحوي. مع أن الليل كان باردا وكنا نتقدم باتجاه واحد، رشحت قطرات من العرق على جبينه. ثم قال: "لقد مات. ولم ألاحظ ذلك. أخبرني الطبيب أنه مات. كان ميتا".

"لم يترك الطبيب عندي أي انطباع أنه متمكن".

"كان ميتا؟".

"حسنا. إنها معجزة أنه بعد سقطة من ذلك النوع..."

"نعم. نعم". وتوقف مجددا وقبض على ذراعي وأردف: "معجزة. لكن كان ما كان".

اعترفت بقولي: "ما أن نظرت إلى الأسفل. تمنيت أن لا يموت - تمنيت ذلك. تمنيت. ولكن اكتشفت أنه حينما أتمنى لا تتحقق أمنياتي".

هز رأسه وقال: "لبعض الوقت توقعت أنني أتمنى هذا أيضا - ولكن حينما جلست بقربه في سيارة الإسعاف. لم أمنع نفسي عن ذلك. توسلت - دعوت - أحدا كي لا يموت. ولكن لمن توسلت ودعوت؟ هذا شيء غريب. فمن سمعني وحقق تلك المعجزة؟".

وحينما لبيت دعوة جوي، ليس صاني، فقد زرت عدة مرات بيتها الواسع والمزدحم بالأثاث في ساحة برومبتون، لم يكن صاني حاضرا. وقررت: إما أنه اختبأ في غرفته أو غادر عمدا ليتجنبني. ارتبكت جوي وغلبها القلق، واخترعت بعض الأعذار - في آخر لحظة توجب عليه الاهتمام ببعض الأقارب القادمين بزيارة من الولايات المتحدة، أو أنه انشغل بعمل في باريس، أو فاته القطار. وفي مناسبة واحدة، تجاهلت العذر الذي اخترعته للتو، وسألتها: "هل هناك مشكلة يعاني منها؟".

خجلت وترددت وقالت: "آه. كلا. كلا. هو - حسنا...". وبدأ وجهها يحمر.  ثم فقدنا التواصل فيما بيننا. دعتني جوي مرتين، على فترتين متباعدتين، ولأسباب مشروعة تماما، كان علي أن أرفض. وتوقفت عن الزيارة، على غرار ما كنت أفعل في السابق كلما أتيت إلى المنطقة للتسوق.  ولم أوجه لهما دعوة بالمثل. للصداقة دورة طبيعية تنتهي غالبا بالذبول وبعد ذلك تذوب نهائيا. وكنت أفكر دوما، وربما بقسوة، من غير المفيد أن تحتفظ بالصداقات طيلة العمر بعد نهاية وقت صلاحيتها الطبيعي. في الأسبوع الماضي، وفي حفل العشاء، وجدت نفسي أجلس قبالة رجل مسن، كما أذكر، قابلته منذ سنوات في حفل كوكتيل صاخب ومتنوع، من النمط الذي يعقده صاني وجوي. كان هو سمسار صاني. وحكما سألته عن الزوجين. قال لي بصوته المعدني الحاسم " يبدو صاني حاليا غير مهتم بكل ما كان يهمه من قبل، لا يزور المسارح. لا يلعب الغولف، لا يشارك بالحفلات، ولا يدعو إلى حفلات. لا يصطاد النساء، ولا يقامر. هل تستطيع أن تتخيل ذلك؟. أن صاني توقف عن مطاردة ذوات التنانير، وأنه توقف عن لعب القمار. منذ قبل سنتين أو ثلاث كان يتابع هذه أو تلك، ولديه الاستعداد لخسارة عشرين ألفا على الطاولة في الليل".

سألته: "وبرأيك ما هو سبب التغيير؟".

هز الرجل كتفيه وقال: " أحيانا أتساءل إن لم يتعرض لانهيار من نوع ما".

حدقت به محتارا. كان صاني دائما يبدو لي محصنا جدا ضد الانهيار من الناحية العقلية والعاطفية.

قال: "الناس كما تعلم تنهار. والأغنياء جدا أكثر بكثير من الفقراء جدا. ولكن - وهذا ما يدهش - يبدو لي أنه سعيد. وكما لو أنه تلقى بعض الأنباء الرائعة والتي لا يمكنه إخبارنا عنها. ولذلك ربما لم يكن انهيارا عصبيا. لعله شيء آخر يمكننا أن نخمن به فقط. من يعلم؟".

وكنت للتو في نزهة بالقرب من هولاند بارك. هناك مجلس بمقعد طويل حيث يجتمع المخمورون. بالعادة أتجنب المرور من ذلك الطريق، لأنه يربكني كلما طلبوا مني النقود بصوت مرتفع. اليوم اجتمع اثنان على طرف واحد من المقعد، وهما يرتعشان، ويشربان  بوجهين محمرين. على مقعد آخر وغير بعيد، رأيت عجوزا بشعر أبيض ومشتت، وببذة رثة وحذاء مهترئ، وقد انحنى مرتكزا بيديه المنتفختين على ركبتيه، ومدد ساقيه. ربما تعتقد أنه مخمور آخر. كانت عيناه مغلقتين، ووجهه المبقع والمحفور بالأخاديد مرفوع نحو الشمس. كان يبتسم، ليس لي ولا لأي شخص آخر، وبرضا ملائكي. وفاجأني أنه صاني. توقفت، وحدقت به. استمر بإغلاق عينيه. واتسعت ابتسامته. ثم شعرت، لا أستطيع أن أقول لماذا، أنه دخل منطقة، لا يمكن، حتى لأقرب الأصدقاء، ومنهم أنا، وربما جوي، أن نتبعه إليها. لذلك هربت مسرعا.

***

.......................

* من مجموعته: ضوء الشمس على الحديقة. ص 97 -105.

* فرانسيس كينغ Francis King: روائي بريطاني.

 

في نصوص اليوم