ترجمات أدبية

لارا فابنيار: فلاديمر عاشقا

بقلم: لارا فابنيار

ترجمة: صالح الرزوق

***

كانت طويلة. أطول منه. نحيفة. ورك عريض. أنف بارز جدا. ولم يعتقد أحد من أصدقائه أنها جميلة. قال ماريك في إحدى المرات أن قوام لينا يشبه الكنغر. وأيده كوستيك بصوت كالنعيب. غير أن فلاديمير رآها أشبه بطير ضخم. مثل مالك الحزين أو الكركي. التقيا في صيف 1975. كان فلاديمير بالثانية والعشرين وتخرج للتو من جامعة ليننغراد الحكومية. وحضر حفلة عيد ميلاد أستاذ الكراتيه العجوز، أركادي إساكوفيتش الذي بلغ الستين. لم تكن لينا من المجموعة. وكانت مجرد قريبة بعيدة لأركادي إساكوفيتش، وقادمة من موسكو بزيارة، وقد نامت على الكنبة في زاوية المطبخ. وخلال الحفلة تكومت على الكنبة كل أنواع الأطعمة بانتظار دورها لتنقل إلى الطاولة، ولم تجد لينا أي خيار سوى الانضمام إلى ضيوف أركادي إساكوفتش. جثمت على طرف كرسي عند زاوية الطاولة، ورفضت ما يقدم لها من الفودكا، دون ابتسامة، ولكن تناولت من سلطة الشوندر التي كومتها في طبقها، كما لو أنها تريد أن تختبئ وراءها. وواصلت الخالة غاليا البدينة والثملة الصراخ، مهيبة بلينا أن تتبادل مكانها مع أحد الرجال المتواجدين، لأن جلوس بنت شابة في الزاوية فأل سيء.

قالت: "هذا يعني أن أحدا لا يريد الزواج منها".

وضاق ذرع لينا في إحدى اللحظات. فنهضت وقالت إنها عازمة على الذهاب إلى المطبخ "للحصول على مزيد من المخلل". وضغطت على حرف الدال في كلمة مزيد*. وفي المطبخ شاهدها فلاديمير وهو في طريقه إلى الحمام. كانت تجلس على إفريز النافذة وظهرها له، بثوب قطني أزرق، وشعر أشقر لماع ينسدل بمستوى ذقنها، وكانت تؤرجح ساقيها الطويلتين فوق الأرض، وفي يدها برطمان المخلل. وحينما غادر الحمام رآها لا تزال جالسة هناك.

اقترب منها وسألها: "على ماذا تنظرين؟".

احمر وجهها، وقالت إنها حسيرة النظر، ولكنها اعتقدت أن هناك قطة في نافذة البناء المجاور. اقترب أكثر. كان الوقت على وشك 6 مساء، والشمس مشرقة، ولكن الفضاء المحصور بين الأبنية مظلم شأنه دائما. توجب عليه ضغط وجهه على الزجاج ليرى ما إذا كان يوجد أي شيء في الخارج. وتساءل إذا كانت تفوح منه رائحة الكحول.

أشارت وهي تثبت خصلة من شعرها الأشقر وراء أذنها: "هل ترى؟. هناك". كانت رقبتها تبدو نظيفة جدا. نعم، كانت هناك قطة، كبيرة، تجلس في نافذة الطابق السادس وتحملق فيهما مباشرة، بلامبالاة بغيضة. نظرا إلى تلك القطة لفترة طويلة، لأن كليهما لم يكن جسورا بما فيه الكفاية للالتفات والنظر بوجه الآخر. في اليوم التالي خابر أركادي إساكوفتش، وسأله إن كان بإمكانه محادثة لينا. سأله أركادي إساكوفتش: "لماذا يا فوفكا". لم يتمكن فلاديمير من الرد، بل نظف حنجرته، وكرر تنظيفها - وفي هذه المرة بمزيد من العزم. تنهد أركادي إساكوفتش وحول الهاتف إلى لينا.

قالت بصوت شديد الخفوت: "نعم؟".

"كم ستطول إقامتك هنا؟".

"ثلاث أسابيع إضافية".

أخبرها أنه يشعر أن من واجبه، باعتباره من سكان ليننغراد الأصليين، أن يقودها بجولة في المدينة. قالت إن أمها جهزت لها قائمة بأهم محطات المدينة. الهرميتاج، المتحف الروسي، قصر بطرس الأكبر، وقالت: "أنا لا أحب الفن حقا. ولكن ستجن أمي إن لم أطلع على هذه المواقع. قالت هذا شيء حتمي ما دمت هنا".

اتفقا على اللقاء عند المدخل، وصل فلاديمير قبل عشرين دقيقة، وكان يرتدي أفضل قمصانه، قميص ضيق مع قبة طويلة، مصنوع في هنغاريا، أما سرواله الضيق جدا فكان من صناعة ألمانيا الشرقية - وقد اشترى كل ذلك من صديقه كوستيك بالنقود التي جناها من عمله الصيفي في البناء. كان يتجول في الساحة، ويفكر لماذا لم يحضر معه الزهور. كان يود ذلك، ولكن هذا يعني أن تحملها معها وهما يتجولان في المتحف، ويبدو ذلك بمنتهى الغباء. ثم شاهدها تقفز نحوه قادمة من موقف الترام، وهي ترتدي نفس الثوب الأزرق. كان طرف التنورة ينتهي فوق ركبتيها، ومعها جزدان غريب المنظر يتدلى من كوعها، وأنفاسها مقطوعة، وهي تبتسم. وعلى الفور أسف لعدم شراء باقة الزهور. ما أن أصبحوا في الداخل، حتى أرغموا على ارتداء واقيات قدم قماشية، وبرر ذلك حارس المتحف ذلك بقوله: " لأن أرضنا تحفة فنية أيضا". فتشا في علبة ضخمة ليجدا واقية تناسب قدميهما. انتقت لينا خفافة تلائم لون ثوبها. كان المفروض ارتداء الواقيات فوق الحذاء. وتثبيتها بأشرطة تعقد حول الكاحل. راقب لينا وهي تتأمل واقيات القدم، وتبذل جهدها لتعرف كيف تعقد الأشرطة. كانت ساقاها مغطاتين بشعر ذهبي ناعم. وتمنى أن تطلب معونته لعقد الشريطين، ولكنها لم تفعل. كان المشي بتلك الخفافات صعبا للغاية. قالت لينا: "أشعر كأنني أصبحت بطة. ألا تشعر أنك تحولت إلى بطة؟".

قلد فلاديمير مشي البطة أمامها وهو يهتف: "قررر. قرر. قررر" بصوت يشبه صياح البط تماما. أغرقت لينا بالضحك حتى نبهها الحارس بحركة من أصبعه. كان من الأسهل أن تنزلق لا أن تمشي، ولذلك انزلقا عبر الغرف، بسرعة، وبالكاد توقفا للمشاهدة، حتى أن اللوحات اندمجت بنظرهما مثل فيلم كرتون، وخيالات وامضة: شموع، ومصابيح، ودروع فضية، وأثواب من المخمل، وصدور. غض نظره عن الصدور، ليثبت أمام لينا انضباطه وتهذيبه. وكان في المتحف بالتأكيد عدد كبير من المشاهدين، فهو مزدحم في جميع الأوقات، ولكنه لم ينتبه لأحد كأنهما وحيدان. فقدت لينا خفها على السلالم التي تفضي إلى طابق عصر النهضة، وتوجب عليه أن يعود عدة درجات ليستعيده. وفي هذه المرة سمحت له أن يربط لها الأشرطة.

تابعا الانزلاق، حتى وصلا إلى غرفة تضم معرضا زائرا من المتحف الوطني في لندن. وقفت لينا أمام إحدى اللوحات وبدأت بالضحك. كان اسم اللوحة "لوحة أرنولفيني" للرسام يان فان آيك. كانت المرأة حاملا، ويافعة، وترتدي شيئا يبدو كأنه ستائر ثقيلة مع ثنيات. وكان الرجل - ويفترض أنه زوجها - يرتدي قبعة ظليلة، ومعطفا من الفرو، وجوارب سوداء (جوارب!). اعتقد فلاديمير أن لينا تسخر من الثياب، فسخر منها أيضا. قالت: "هذا شيء غير طببعي". سألها: "ماذا؟".

قالت: "التشابه!. ألا يبدو الرجل في اللوحة مثلك تماما؟".

كان للرجل وجه طويل وحزين، ولا يشبه فلاديمير، والذي كان على وشك الاعتراض حينما قالت له لينا: "مثل هذا". ومدت يدها وأبعدت شعره عن جبينه. كانت يداها صغيرتين ولزجتين ودافئتين جدا، فحبس أنفاسه. أضافت: "هل رأيت؟. لديه أنفك وفمك!". قبض فلاديمير على يدها الأخرى، وضغطها بيده. بعد أن انتهيا من المتحف، رافقها إلى أفضل منصة لبيع المثلجات في المدينة، وحصلا على مثلجات في أطباق من الستانليس ستيل - ثلاث كرات تامة ومغمورة بالعصارة. التهمت لينا حصتها كلها، وكرة من حصته. سألته عن أحوال دراسته. فقال إنه في مقدمة طلاب كلية الحقوق. ولكنها لم تتأثر حقا. وقالت إنها تكره كليتها - وهي هندسة الاتصالات. وترى أن الفيزياء والرياضيات عذاب وقهر. أكد لها فلاديمير أنه يمقت الرياضيات كذلك، ولكنه يحب التاريخ، وبالأخص التاريخ السوفياتي، وعلى وجه الخصوص الحرب العالمية 2. قالت له إنها من جانبها أحبت علم النفس، مع أنه غير مدرج بالمنهاج، غير أنها تحب أن تقرأ عنه. وأعجبت بامتحان الشخصية. ثم سألته: "هل لديك قلم؟". مد فلاديمير يده بقلم حبر سائل جميل كتب عليه: إلى عزيزي فولوديا في عيد ميلاده السادس عشر. أخرجت من حقيبتها قطعة ورق (مجعدة ومبقعة)، وقدمتها له وطلبت منه أن يرسم حيوانا خياليا غير موجود في الطبيعة. قائلة: "تخيل شيئا فقط، أي شيء". والتفتت لتترك له مساحة حرة للإبداع. توترت أعصابه، ولم يكن متأكدا من نتيجة الامتحان، وتوقع أن أسوأ احتمال أن يظهر بنتيجة الامتحان مضجرا أو باردا. وقرر أن تكون رسوماته متمردة ومفصلة قدر الإمكان، وكبيرة أيضا، وتأكد أن يغطي كامل الورقة. قالت لينا حينما دعاها لتنظر: "أوي". ثم غطت فمها وضحكت. فقد رسم صورة تجمع ما بين شكل ماموث وذئب وحشرة زاحفة. وحش بدين يغطيه الشعر وله أسنان حادة، وأذنان كبيرتان وعينان لماعتان والعديد من الأرجل.

قال: "ما رأيك؟".

أجابت: "حسنا. يغلبك الفضول للتلصص على العالم - وأرى ذلك لأنك جعلت العينين والأذنين بأحجام كبيرة. وتبدو الصورة جنونية، وهذا يعني أنك تحب المغامرات".

نعم! فكر بصمت.

تابعت: "ويمكن أن تتحلى بالجشع قليلا. لأنك استهلكت مساحة كبيرة. وهذا يقلل من فرص الأمان. ويجعلك عرضة للأذى".

ماذا؟ فكر. كلا! لا بد من الإعلان عن قلقه، لأنها ابتسمت كأنها تعتذر ولمست يده.

وأضافت: "أقول ذلك لأن أيا من أرجله الكثيرة لا تلمس الأرض. انظر؟".

نعم، هي محقة. لماذا، لماذا، لم يرسم كل الأرجل وهي تقف على أرض واحدة؟.

وختمت كلامها: "وحسنا. لا يزال لدينا هذا الذيل الغزير".

سألها: "وبماذا يوحي لك؟".

احمر وجهها وتمتمت أنه يستحسن أن لا تقول. لم يقبّلها في ذلك اليوم، ولا اليوم اللاحق، حينما تنقلا في المتحف الروسي. ولكنه قبّلها في استراحة الأسبوع التالي، حينما قاما برحلة إلى قصر بطرس الأكبر. أصرت أم لينا على رؤية داخل القصر، ولكن كان طابور شراء التذاكر طويلا لدرجة غير مقبولة، ولم يكن أي منهما مهتما برؤية "أواني زهور ومقتنيات ليل القيصر". ولذلك اكتفيا بالتنقل على الأرض، معربين عن إعجابهما بكل ذلك الذهب والرخام وماء النافورات المتدفق والمنعش. هناك تواجدت قوافل من الناس، الصاخبين والمتعرقين والذين يشقون طريقهم ويستضيفون أبناءهم على أكتافهم، أو يسددون بكاميراتهم الضخمة والثقيلة. وسخر فلاديمير من كل هؤلاء البشر الذين لا يملكون أدنى فكرة عن عدم أهميتهم. حتى لو طردهم جميعا لن يغيروا من الحال أي شيء. ما دامت لينا معه. ورأى أن حيلة النوافير أفضل شيء في قصر بطرس الأكبر، فالرشاشات كانت مخبأة في أشياء لا تلفت النظر، وكانت تبدأ بإطلاق الماء على الناس بأوقات عشوائية، في لحظة غير متوقعة. قبض فلاديمير على يد لينا، وبدآ بالجري إلى الداخل والخارج، والقفز من فوق تيارات الماء، والعبور من بين الخطوط غير المرئية، بمحاولة للتحايل على خدعة النوافير، وهما يتصايحان ويضحكان، حتى ابتلا للنخاع، واضطرا للتراجع إلى مقعد، ليجلسا عليه، وهما يرتجفان ويلهثان. تبلل وجهها وأصبح باردا، وصار فمها لزجا. وتنفس جسمها وارتفعت حرارته بين ثنيات ثوبها الرطب. وبدأ القلب ينبض بسرعة جنونية. بعد تلك الرحلة، وجدا أن غنى ثقافة ليننغراد لا تهمهما، وفضلا اللقاء في زوايا بعيدة من حدائق المدينة، أو على السلالم المظلمة في أبنية لا على التعيين، وأحيانا كانا يستقلان الترام حتى آخر محطة، ثم يعودان بها، وهما يتبادلان القبلات طيلة الطريق. بعد أسبوعين ذهب والدا فلاديمير إلى مأواهما، فدعا فلاديمير لينا إلى البيت. كانت الشقة مرتبة، ومع ذلك نظفها مجددا. لمّع الأرض النظيفة، ثم ذهب بالترام إلى مركز المدينة، وتوقف في مخبز نورد - وهو الأفضل في المدينة - واشترى كعكته المفضلة، المكونة من طبقات، تلمع بالشوكولا، ومغطاة بالجوز. كان اسمها ليننغراد. وضعها في ثلاجة المنزل، واغتسل وحلق وجهه، وأغرق نفسه بكولونيا شيبر كوروليفسكي - فقد اشترى زجاجة من كوستيك قبل عام، ولكنه لم يستعملها لأنها مرتفعة الثمن جدا، وتوجب عليه شراء الزهور، ولكن لم يعد أمامه وقت، فهو يتوقع لينا في أي لحظة.

أول سؤال وجهه إليها حالما فتح لها الباب: "هل ترغبين بقطعة من الكيك؟".

هزت لينا رأسها. كانت بعيدة وهادئة وعيناها مذعورتان. كانت ترتدي بلوزة بكمين قصيرين، ولكنها داكنة تحت مكان الذراعين، وعلى وجهها باقة مربكة من الابتسامات النسائية. رافقها بجولة في الشقة اامؤلفة من غرفتين.

قال: "هذه غرفتي. وهذه طاولتي. وتلك كتبي. هل تحبين التاريخ؟".

قالت لينا: "ليس تماما". واقتربت من الرفوف وصاحت: "آه. أنا مغرمة بهذا". وأشارت إلى صورة فلاديمير وهو بعمر اثني عشر عاما، والمحاطة بإطار. لمستها دون قصد وتبعتها ابتسامة خجولة. احمر وجهه وقال إن أمه وضعتها هناك. تكلما عن والديهما قليلا، وقالت لينا إذا كان عليها وصف والديها بكلمة واحدة، عليها أن تقول " ساخطان". يتصرفان كأنهما تعرضا للحرمان من شيء هام في حياتهما. قال فلاديمير إنه يرجح أنه "التقدم بالعمر".

سألته وهي تشير لصورة مؤطرة لرجل وسيم جدا بثياب نازية: "أوي. وما هذا؟".

"هذا أليكسندر بيلوف من 'الدرع والسيف'. ضابط مخابرات روسي بثياب نازية".

سألته: "الدرع والسيف؟".

"لا أصدق أنك لا تعرفينه. فهو فيلمي المفضل".

تنهدت كأنها تعتذر.

قال: "وهذا ما جرى في الفيلم. بيلوف ضابط سوفييتي تعلم اللغة الألمانية قبل الحرب، ليتمكن من التغلغل في القوات الألمانية. وهو ذكي فعلا. وتدبر أمره لبناء مهنة ناجحة هناك خلال عام أو اثنين. ثم أرسله النازيون للعمل في معسكر الإبادة أوشفيتز، على ما أذكر. واستلم إدارة مدرسة الجواسيس".

"وهل توجد هناك مدرسة للتجسس؟".

"في الفيلم. توصل الألمان إلى فكرة تدريب مساجين روس للتجسس من أجل ألمانيا. أولا كسروا معنوياتهم، ليوافقوا على خدمة ألمانيا. ثم علموا الرجال كيف يستعملون اللاسلكي ويرسمون رسوما فنية، وعلموا النساء كيف تستعملن اللاسلكي وتعملن بالبغاء". وقد احمر وجهه ونظف حنجرته وهو يقول: "لتعملن بغايا". ثم تابع: "وحينما يكمل تجهيزهم، يرسلونهم إلى روسيا - ينقلونهم بالطائرات ويهبطون بالمظلات. ويفترض أن يمضوا وقتا هناك، لجمع المعلومات المطلوبة وإرسالها إلى ألمانيا". لاحظ فلاديمير بريقا خفيفا في عيني لينا. لم يكن من السهل جذب انتباهها، فبذل جهده قائلا: "وحينما كلفوا بيلوف بالمدرسة، عكس كل العملية. كما ترين، كان يكشف للأذكياء والأكفاء أنه في الحقيقة ضابط مخابرات روسي، وبالتكاتف جميعا يمكنهم تقديم خدمة عظيمة لبلدهم الأم. وهكذا أفسدوا الخطة وأرسلوا معلومات مغلوطة إلى ألمانيا".

قالت لينا: "أو - هووه".

"لكن تخيلي كم كانت حياته قاسية!. بلا اتصال مع عائلته، ويتظاهر أنه شخص آخر في كل لحظة من حياته، ويعيش مع الأعداء، ويمثل أنه يكسب أصدقاء من معسكر الخنازير الأشرار".

قالت لينا: "نعم هذا شيء مستحيل. ويجب أن تكون نبيها جدا، وصبورا أيضا، لتفعل ذلك".

"هذا ما أريد أن أكون عليه".

"أن تصبح جاسوسا؟".

"لا. بل ضابط مخابرات".

سألته: "حقا؟".

"كم أحببت أغنية مقدمة ذلك الفيلم - يجب أنك تعرفينها".

هزت رأسها.

نظف حنجرته، وأنشد بدايتها: 'ما هي البذرة للبلد الأم...".

قالت: "آه. نعم. طبعا. أعرف تلك الأغنية. وكم أحبها. ولكن لم أعرف أنها من الفيلم".

وغنتها بصوت متذبذب، وتوالت كلماتها:

ما هي البذرة

للوطن الأم؟.

صورة في دفتر الإملاء.

والأصدقاء الذين عرفتهم

في طفولتهم،

بيوتهم على مبعدة نصف شارع...

أمسك وجهها بيديه، وطبع قبلة على فمها، ثم حملها إلى الكنبة، وأمضيا حوالي ساعتين على تلك الكنبة (كرات من لهب أزرق تحرق كالجحيم)، قبل أن تسترخي ليدس أصبعين في سروالها.

وهنا همست: "أنا عذراء".

سألها: "هل تريدين مني أن أتوقف".

"كلا فقط أعتقد أنه يجب أن نضع منشفة تحتي. في حال سال الدم".

أسرع إلى الحمام ليأتي بمنشفة، وانتقى واحدة لا تستعملها أمه. ولدى عودته، كانت عارية، مستلقية على جانبها، بمواجهة الجدار. مد المنشفة تحت مؤخرتها. ثم خلع ثيابه، ووضع الواقي الذكري، واستلقى بجانبها. ، وقال وفمه وراء ظهرها: "سأكون لطيفا".

همست: "من فضلك. لا ضرورة لذلك. تقول صديقاتي إن ألمه أقل إذا كان الشاب عنيفا وسريعا".

ثم استلقت على ظهرها، وفتحت ساقيها، واستسلمت له كي يؤلمها. وحينما فعل ذلك، صرخت متوجعة، وتساءل هل عليه أن يتوقف أم يتابع. ولكنه انتهى قبل أن يقرر. تدحرج وقبلها على خدها. وكانت هناك ابتسامة رضا على وجهها. ثم قالت: "أنا الآن امرأة. هكذا. لا أصدق ما حصل".

قال: "نعم. وأنا أول رجل بحياتك".

"نعم. أنت أول رجل".

ذهبت لتغتسل، وتنظف بالماء المنشفة المدماة. وتبعها ليغتسل.

قالت: "دعنا نتناول تلك الكعكة الآن. هل بوسعنا الحصول عليها في غرفتك؟".

أومأ، مع أن أمه لا تسمح له بالأكل في غرفته، ارتدى سرواله، وذهب إلى المطبخ.

صاحت وراءه: "هل لديك حليب؟".

اقتطع شريحتين كبيرتين، وضعهما على طبقين نظيفين، وسكب الحليب في كأسين جاهزين، ووضع كل شيء على صينية، وحمله إلى غرفته. توقع أنها ارتدت ثيابها خلال غيابه في المطبخ، ولكنه وجدها جالسة على كنبة النوم، الساق على الساق، وهي بتمام عريها.

قالت: "كعكة جميلة".

وتناولت طبقا مع شريحة مكومة من كعكة لينينغراد. أضافت بفمها المليء: "ولذيذة أيضا". سقط ثدياها الصغيران على بطنها، وأصبحت طيات صغيرة كالأكورديون، وكان شعر إبطيها طويلا ومبتلا، وخميلتها الغزيرة قريبة جدا من طبق الكيك. ورأى فلاديمير أن هذا ليس مهذبا وغير صحي، ولكنها بدت سعيدة جدا وكانت تستمتع كثيرا وبوضوح، ولذلك لم يكن بوسعه إلا مسامحتها. وحينما طلبت المزيد، قال إنه لا يمانع المزيد، وغمز لها، فابتسمت وهزت رأسها، وقالت إنها بحاجة أولا للتعافي من ألم أول مرة.

خيم الظلام، واقترح أن يذهبا إلى غرفة والديه لمشاهدة التلفزيون. ارتدت ثيابها - حمالة الصدر، السروال، البلوزة، والتنورة المجعدة. أتى بالمزيد من الكيك، ووضعه على الطاولة، وأقعى أمام التلفزيون، ليتمكن من ضبط الزر الذي يقلب القنوات، مع أنه لا توجد قنوات عديدة. وابتهل لربه أن يجد شيئا يستحق المشاهدة، وثبت له أنهما محظوظان - فقد عاد بث سلسلته المفضلة، سبع عشرة لحظة من الربيع، وكان موعدها وشيكا!.

صاحت لينا: "سبع عشرة لحظة".

"نعم".

حمل طبقه وقبع بجوارها.

كانا يأكلان أثناء التقديم وحالما بدأ أول مشهد وضعت طبقها جانبا.

همست: "هذا المشهد المفصل عندي".

في ذلك المشهد، ظهر ماكس أوت فون شتايرلتز، ضابط إس إس (ولكنه في الحقيقة هو مكسيم آسايف، جاسوس سوفييتي)، وكان يسير في غابة مهجورة. في لحظة من اللحظات رفع رأسه وراقب سربا من اللقالق التي تطير ببطء في السماء. وكان يبدو أنه خشن، وحزين، ومتعب فعلا لأنه يمثل دور عسكري نازي. وفي الخلفية عزفت أغنية حزينة، شجاعة وعاطفية، ودامعة ومتوحشة.

سألته لينا: "هل تعلم بماذا يفكر الآن؟".

"ماذا؟".

"يحسد اللقالق. فهي حرة، وهو عالق هناك مع النازيين. ويتمنى لو أنه لقلق ليطير بعيدا معها. غير أن هذا غير ممكن".

ورأى دموعا في عينيها.

وفكر فلاديمير: هل يعقل أنني أحببتها؟.

بعد سنوات، حينما أعلن فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، أنه سيقود سربا من اللقالق، ويطير أمامها في زلاجة نارية، سأله الناس من ألهمه ذلك. وكان يعطي عدة أجوبة، ولكن ما من جواب صحيح.

لاحظ المقربون من فلاديمير أن شيئا يحدث له. أولا، سألته أمه كيف انتهت منشفة الضيوف إلى الحمام على الحامل المعدني. ثم سأله صديقه ماريك إن كان يقابل تلك البنت التي التقاها في الحفلة. أكد له فلاديمير ذلك.

سأله ماريك: "لماذا؟ حتى أنها ليست جميلة، وقوامها يشبه الكنغر". ثم حان دور أركادي إيساكوفيتش. قال له: "كلا يا فوفكا. كلا. ثق بي. لا يجوز أن تندمج مع تلك العائلة. يمكنك أن تتسلى قليلا. وهذه نهاية الحكاية. لديك مستقبل باهر أمامك. لا تسمح لها أن تضللك".

كان يعلم أن أركادي إيساكوفيتش محق. فهي يهودية. وهذا شيء غير مستحب. ومع أن الجو مختلف الآن، لكن لا يزال اليهودي أو الزوجة اليهودية شيء غير مطمئن. فكر: حسنا. ستذهب إلى موسكو خلال عدة أيام. وهذا ما هما بحاجة له. التباعد لبعض الوقت. بعض الوقت لتبرد العلاقة. في آخر أمسية لهما معا، كانا يمشيان في شوارع المدينة المعتمة. كانت ليلة باردة. ولينا ترتجف، وتلتصق به، وتمنى لو كان يرتدي سترته ليخلعها ويضعها على كتفيها. وكان الوقت قد حان ليأخذها إلى بيت أركادي إيساكوفيتش. وتوجب عليهما الركوب بالترام، ولكن لم يشاهدا أي مركبة. فجلسا على مقعد في الغرفة الزجاجية. وهناك وجدا إعلانا معلقا وراءهما عن فيلم تشويق جديد. ومن الإعلان انصبت عليهما نظرات ثلاثة ضباط مخابرات سوفييت يرتدون قبعات قماشية. أمسك فلاديمير يد لينا، وجلسا صامتين لبعض الوقت. ثم نظرت إليه وقالت: "فوفا". وذلك بصوت محمل بعاطفة جعلته يختنق.

فاجأ نفسه وقال: "دعينا نتزوج يا لينا".

فتحت فمها لتقول شيئا، ولكنه لم يسمح لها.

وقال: "اسمعي. اسمعيني فقط. سأنضم إلى الــ كي جي بي في الخريف، فقد تم اختياري. وهذا شرف عظيم. ولا تقلقي. لا بهمني أنك يهودية، لأن الزمان مختلف الآن. ولا أعتقد أنهم سيطردونني لأنني متزوج من يهودية. يجب أن أخضع لبعض التدريبات، وبعد ذلك، أمامنا احتمالات لامتناهية. وهو عمل جيد فعلا. سنشتري سيارة. ووعدوني بشقة أحصل عليها في بضع سنوات. سيكون لنا شقتنا. وستحصلين على الثياب المستوردة. وحصة أطعمة خاصة. السلامي، والكافيار. وربما أكلف بمهام خارجية. ما رأيك بألمانيا؟".

فتحت فمها مجددا، ولكنه لم يسمح لها بالكلام. كان لتعابيرها شيء ينم عن اليأس، شيء مؤلم، شيء غير مقبول. لم تكن تريد أن تقول نعم. هذا واضح. وتولد لديه إحساس أنه إذا سمح لها بالكلام، سينتهي كل شيء. ولذلك تابع الكلام. "سنعيش في بيتي لبعض الوقت. ثم سيمنحونني شقة. كما وعدوا. بعد سنتين فقط. وسيارة. وعدوا بسيارة كذلك".

كان يكرر كلامه. وتعين عليه أن يصمت. قالت: "لا يمكنني يا فوفا".

قال: "لا تقرري الآن. من فضلك. لا تقرري الآن. عودي غدا إلى موسكو. كلمي والديك. كم سنة بقي لك في جامعتك؟ بل يمكنك أن تنتقلي إلى جامعة هنا".

"لا يا فوفا. لا يمكنني. لأننا سنغادر. والداي وأنا. سنذهب إلى إسرائيل".

وبدأت بالبكاء.

سألها: "متى؟".

قالت من خلال دموعها ونواحها: "قريبا. كل الإجراءات جاهزة. وأرسلاني إلى ليننغراد لأن الجو في البيت هائج. الوالد والوالدة يتجادلان كل الوقت ويتصايحان ويصرخان بوجهي".

"لماذا يريدان السفر؟".

"لا أعرف كيف أشرح لك. والداي يقولان إنهما يضيعان حياتهما هنا. وهما يننظران هذا منذ سنوات. مرا بالجحيم للحصول على إذن المغادرة".

فكر: لعينان يخونان الوطن الأم.

تابعت: "حتى أنني لا أريد مرافقتهما".

"ابقي إذا".

"لا يمكن. لا يمكن أن أفعل بهما ذلك. أنا كل ما لديهما".

استدار وضغط بسلاميات أصابعه على جبينه. شعر كأنها تلكمه. تماما في بطنه. حصل له ذلك في حصة الكاراتيه. ولكن اللكمة كانت أسوأ الآن، أسوأ كثيرا.

"متى كنت ستبلغينني؟".

قالت: "اليوم. الليلة. من فضلك افهمني يا فوفا". ومدت يدها لتربت على وجهه، ولكنه ابتعد عنها. كانت لديها خطة طيلة الوقت، وهي تعلم أنها ستفترق عنه. كان عليه أن يسألها. سؤالا هاما. تعثرت أنفاسه.

قال: "لماذا؟. لماذا تفعلينها؟ لماذا أقمت علاقة معي إذا؟".

تحول بكاؤها إلى نحيب، وبدأت تكلمه وهي تشهق.

"لا أعلم. أعجبتني. ولم أتوقع أن يكون الموضوع جديا".

"لماذا... لم فعلت ذلك... لماذا فعلت ذلك..". (أراد أن يقول لماذا سمحت لي أن أنكحك" ولكن وجد نفسه غير قادر على ذكر كلمة "أنكحك" علانية. فقال: "لماذا تركت هذا يحدث، إن لم تتوقعي أن المسألة جدية؟".

ابتعدت عنه. لم يكن معها منديل، فمسحت أنفها بكم بلوزتها. كان هناك شيء بشع، شيء بغيض، بغيض ومؤلم. ورغب أن يضربها وبنفس الوقت أن يبكي معها. نهض من المقعد وحدق بها. قال: "لم تحبي أن تسافري إلى إسرائيل وأنت عذراء. أليس كذلك؟ أردت أن أقوم بالواجب، ليجدك الشباب اليهود جاهزة؟".

نظرت إليه مشدوهة، ونهضت. كانت طويلة إلى حد جنوني، ووجها كان منفوخا وبشعا بشكل غير منطقي. سد طريقها. قالت له: "أفسح الطريق".

لم يتحرك.

دفعته جانبا وبدأت بالجري.

كان الممثلون ينظرون إليه من الإعلان، ويسخرون منه من تحت قبعاتهم القماشية. فكر: جواسيس قذرون. وضرب الوجه الغبي الذي توسط البقية.

في التاسعة والنصف صباحا ازدحمت محطة قطارات موسكو في ليننغراد بأشخاص واقفين، ويمشون، ويركضون. أغبياء، عديمو المشاعر مع حقائب كبيرة وأولاد يعولون. الجو حار تفوح منه روائح العرق والبول والثياب غير النظيفة. كان موعد انطلاق قطار لينا في العاشرة والنصف صباحا (سأل فلاديمير أركادي إساكوفيتش أن يتأكد من بطاقتها). وصل فلاديمير باكرا، لأنه لا يعرف ماذا يفعل حال وصوله. كان يعلم أنه يريد مشاهدة لينا مرة أخرى، ولكنه لم يكن متأكدا أنه يريد أن تراه. نظر إلى بناء المحطة الأصفر، وتذكر حقيقة مدهشة تعلمها في المدرسة. أن مقر محطة موسكو في ليننغراد ومحطة ليننغراد في موسكو متماثلان تماما. الابنية متماثلة في مدينتين مختلفتين. يا لها من فكرة حمقاء!. آلمته يده. فقد كسر الزجاج حينما ضرب الإعلان وتسبب له بجروح عميقة واستغرق النزيف وقتا محسوسا قبل أن يتوقف. سألته أمه وهي تطهر جرحه: "هل تورطت بمعركة مجددا؟ هل كانت من أجل بنت؟". كان كشك المثلجات مفتوحا. ذهب فلاديمير واشترى لنفسه فطيرة الإسكيمو. كانت حلوة وباردة. آلمته أسنانه. ولكنه التهمها بسرعة. ألقى الورقة والعود في علبة النفايات ونظر إلى الساعة. كانت العاشرة - حان الوقت ليذهب إلى المنصة. مر برجلين جورجيين يبيعان الزهور. طلب التوليب الأحمر. حاولا خداعه بعشرين كوبيكا، ولكنه انتبه في الوقت المناسب. كان قطار موسكو واقفا، يجلل لونه الأخضر الغبار، وتفوح منه روائح زيت الآلات. ذهب إلى وسط الرصيف، واختبأ وراء عمود ضخم. توقف هناك عشرين دقيقة أو حوالي ذلك، وهو يستند على الرخام البارد. راقب العابرين مثل جاسوس. ونظر إلى يده المربوطة وفكر: جاسوس جريح. ولاحظ أن التوليب يذبل، ولا بد أنه غير طازج - في النهاية غشه الجورجيان. شعر بالعطش وأراد أن يتبول. ثم شاهد لينا وهي تشق طريقها على الرصيف، مرتدية نفس الثوب الأزرق الذي ارتدته حينما تقابلا. وكانت تنوء تحت حمل حقيبة جلدية كبيرة. أوشك أن يسرع إليها غريزيا ويساعدها بحملها، ولكنه تقهقر إلى الخلف. اقتربت من باب عربتها، وضعت الحقيبة أرضا، وقدمت التذكرة إلى المفتش. بينما فحص المفتش التذكرة، أخذت لينا نظرة مما حولها، كأنها تبحث عنه. وبدا أنها كانت تنظر نحوه. تراجع خطوة إضافية. ثم تذكر أنها حسيرة النظر، ولا يمكنها رؤيته. دق قلبه بسرعة كبيرة وعصرت يده الزهور حتى عجنتها بالعرق. أعاد المفتش التذكرة إلى لينا، فحملت حقيبتها على السلالم، وصعدت بنفسها. كان مقعدها في عربة 4. عد فلاديمير النوافذ ليحدد مكانها، كانت الستائر مغلقة. وانتظر أن تفتحها لينا، وتنظر من النافذة، ولكن استمرت مغلقة. هدر القطار وتقدم. وزحفت عربة لينا مبتعدة عنه. ثم ظهرت لينا عند الباب مثل معجزة، وهي تمسك المقبض، بساق طويلة على السلالم، والثانية مختبئة وراءها. ومدت رقبتها لترى الرصيف بشكل أفضل. أسرع القطار. وأراد أن يجري نحوها، أن يعدو وراء القطار، وأن يناديها، ولكنه بقي واقفا هناك كأنه متجمد، وهو يعصر التوليب. وبعد اختفاء القطار، ألقى التوليب على أرض الرصيف وعاد إلى المحطة.

ما هي بذرة الوطن الأم؟.

صورة في دفتر الإملاء.

الأصدقاء الذين تعرفهم في طفولتهم،

البيوت على مبعدة نصف شارع...

أو، ربما كانت بذرة الوطن الأم

الترنيمة التي تنشدها أمك،

الذكريات أقوى من الحياة

ولا يمكن سلبها منك.

***

............................

*وردت كما يلي She rolled her r’s. وحرف الراء هنا يشير إلى آخر حرف من كلمة more، بمعنى المزيد. ويقابلها باللغة العربية حرف الدال.

* القصة منشورة في غرانتا عدد 137.

لارا فابنيار Lara Vapnyar: كاتبة روسية من مواليد موسكو. تعيش حاليا في الولايات المتحدة. صدر لها: هناك يهود في بيتي 2006 ، بروكولي وحكايات إضافية عن الطعام والحب 2008، رائحة الصنوبر 2014، ما زلت هنا 2016، وغيرها...

 

في نصوص اليوم