دراسات وبحوث
حمزة مولخنيف: العقل بين البرهان والتجربة الروحية
مقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن
يجيء السؤال عن العقل داخل التجربة الفكرية العربية المعاصرة مثقلاً بتاريخ طويل من التوتر الخلّاق بين مطلب البرهان ومطلب المعنى، بين صرامة الاستدلال ودفء الذوق وبين هندسة المفهوم وارتعاشة الروح ساعة يلامسها الوجود من داخله. ذلك أن العقل كما وعاه تراثنا الفلسفي والكلامي والأصولي والعرفاني لم يكن أداة صمّاء تُستعمل في ترتيب الأدلة فحسب، ولا كان مجرد مرآة تعكس معطيات الحس أو تنسّق مبادئ المنطق، وإنما ظلّ على الدوام موضع نزاع معرفي عميق حول ماهيته وحدوده ووظيفته ومجال سلطانه. وقد عبّر أبو حامد الغزالي في لحظة مفصلية من تاريخ الفكر الإسلامي عن هذا القلق المعرفي تعبيراً بالغ الدلالة حين جعل للعقل منزلة العين السليمة وجعل للشرع منزلة الضوء الكاشف فكأن المعرفة الحقّة لا تقوم بعين وحدها ولا بضوء وحده، وإنما تنشأ من تآلف البصيرة بما يفتح لها أفق الرؤية. وعند ابن رشد يترسخ المعنى ذاته بصيغة أخرى أكثر انتظاماً في البناء البرهاني إذ يغدو النظر العقلي فريضة شرعية ويغدو البرهان أرفع مراتب الكشف عن الموجودات، لأن “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له”. أمّا عند ابن عربي فإن العقل مع جلال قدره يقف عند عتبة لا يتجاوزها إلا الذوق، لأن “الطور وراء طور العقل” ولأن الحقيقة ساعة تتجلى، تخلخل مقاييس الترتيب الذهني المعتاد فتدعونا إلى نوع من الإدراك أعمق من مجرّد التصور والتصديق.
داخل هذا الأفق المركّب تكتسب المقارنة بين محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن قيمة استثنائية لا لكونها مقابلة بين اسمين بارزين في الفكر المغربي الحديث فحسب، بل لكونها مواجهة نظرية بين تصورين متباينين لجوهر العقل العربي الإسلامي ووظيفته التاريخية ومصيره الحضاري. فالجابري يمضي بالعقل صوب مطلب البرهان ويعيد بناء مشروع النهضة على قاعدة نقد البنيات المعرفية التي حكمت الثقافة العربية الإسلامية قروناً طويلة، مستلهماً درس باشلار في القطيعة الإبستمولوجية ومستأنساً بحسّ ألتوسير في تحليل الأجهزة المفهومية، ومجاوراً على نحو مخصوص روح ابن رشد في تعظيم البرهان وترتيب المعرفة على مقتضى الدليل. أمّا طه عبد الرحمن فيسلك طريقاً آخر أشدّ التصاقاً بسؤال الإنسان في كليّته وأشدّ حذراً من اختزال العقل في وظيفته البرهانية فيردّ الاعتبار إلى التجربة الروحية والأخلاقية والائتمانية ويُدخل الفعل التعبدي والسلوك التزكوي ضمن شروط إنتاج المعنى كأن العقل عنده لا يكتمل إلا إذا تهذّب ولا يصفو إلا إذا تزكّى ولا يبلغ تمام فاعليته إلا إذا تحرّر من دعوى السيادة الجافة التي جعلت الإنسان الحديث بتعبير هايدغر “سيّداً على الموجودات” قبل أن يغدو غريباً عن سرّ وجوده.
تنبع أهمية هذا الموضوع من أن الخلاف بين الرجلين لا ينحصر في اختلاف منهجي عابر ولا يُختزل في تباين لغوي بين خطاب إبستمولوجي وخطاب تداولي أخلاقي، بل يضرب في عمق التصور الحضاري للمعرفة ذاتها. فالعقل عند الجابري يطلب التحرر من سطوة البيان والعرفان حين يتحولان إلى عائق إبستمولوجي ويطلب إعادة تأسيس الذات العربية على قاعدة نقدية تجعل البرهان معياراً للتمييز بين أنماط القول، لأن أزمة النهضة في جانب معتبر منها أزمة عقل تشكّل تاريخياً داخل أنساق معرفية غير متكافئة في إنتاج الفعالية التاريخية. لذلك بدا مشروعه أشبه بمحاولة “تشريح للعقل” قصد ردّه إلى شروط إمكانه وإبراز مواطن تعثره ومواطن إمكان نهوضه. أمّا عند طه فالأزمة أعمق من مجرد اختلال في ترتيب أنظمة المعرفة؛ إنها أزمة إنسان فقد نسبته الأخلاقية إلى العالم وأصابته غفلة حضارية جعلته يستورد مفاهيم الحداثة دون أن يستنبتها في تربته الروحية. في هذا المقام ينكشف قصور العقل البرهاني متى استبدّ وحده بالمشهد، مهما بلغ من الإحكام الصوري، لأن صورة الإنسان لا تُستوفى إلا بمجموع قواه: عقل يبرهن وقلب يتأدب وروح تتطهّر ولسان يصدق وعمل يشهد على ما يعتقد صاحبه.
هذا التوتر بين البرهان والتجربة الروحية يعيد إلى الذاكرة أسئلة قديمة متجددة عرفها الفكر الإنساني في أكثر من سياق. أفلاطون رفع العقل إلى مرتبة التذكّر فجعل المعرفة ارتقاءً نحو الحق والخير والجمال. وأرسطو شدّد على انتظام البرهان ومراتب القياس. وديكارت جعل البداهة العقلية أساس اليقين بعد أن مرّ عبر نار الشك. وكانط رسم للعقل حدوده حتى لا يتورط في أوهام الميتافيزيقا حين يتجاوز مجاله المشروع. وبيرغسون نبّه إلى أن الحدس يلتقط من الحياة ما يعجز عنه العقل التحليلي ساعة يجزّئ الحركة ويقتل الديمومة. أمّا الغزالي فقد خبر حدود النظر ثم خبر حدود الذوق فخرج من المحنة الفكرية إلى مقام تتعانق فيه الحجة مع المجاهدة. كأن تاريخ الفكر كله يهمس في أذن قارئ الجابري وطه معاً، العقل لا يُفهم من داخل تعريف واحد ولا يُختزل في آلة واحدة ولا يُحاكم بمعيار منفرد.
وتتحدد مهمة هذا المقال في مساءلة الكيفية التي صاغ بها الجابري صورة العقل البرهاني بوصفه أفقاً لتحرير الفكر العربي من اختناقات الموروث المعرفي والكيفية التي أعاد بها طه عبد الرحمن وصل العقل بالتجربة الروحية والأخلاقية حتى يستعيد الإنسان وحدته الممزقة تحت ضغط الحداثة الأداتية. والمقصود هنا ليس ترجيح اسم على اسم ولا إقامة مفاضلة مدرسية سطحية بين مشروعين كبيرين، بل الكشف عن طبقات السؤال الفلسفي الكامن وراءهما، هل يكفي البرهان كي يُنتج عقلانية قادرة على حمل الإنسان العربي إلى أفق حضاري جديد؟ أم أن البرهان إذا انفصل عن التزكية والائتمان يتحول إلى عقل أداتي فاقد للبوصلة؟ وهل التجربة الروحية قادرة وحدها على بناء معرفة عمومية مؤسسة أم تحتاج بدورها إلى نظام من الضبط المفهومي يحفظها من الانزلاق إلى التسيّب والالتباس؟ هنا بالذات تنفتح المقارنة على رهان أوسع، رهان إعادة تعريف العقل العربي المعاصر على صورة كائن يفكر ويزكّي نفسه معاً، يبرهن ويتهذّب ويقرأ العالم بعيون المنطق ويصغي إليه بقلب المسؤولية.
إذا كان الفكر العربي المعاصر قد عرف أسماء كثيرة اشتغلت على سؤال النهضة والحداثة والتراث والإنسان، فإن قليلين منهم استطاعوا أن يجعلوا من مفهوم العقل نفسه ميداناً لصراع فلسفي حقيقي لا على مستوى الاصطلاح وحده، بل على مستوى الرؤية الكلية للوجود والمعرفة والتاريخ. ويبرز محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن في سياقنا هذا بوصفهما اسمين كبيرين لا لأنهما قدّما مشروعين مؤثرين داخل الثقافة العربية الحديثة فحسب، بل لأنهما جعلا من العقل سؤالاً مصيرياً يرتبط بمستقبل الإنسان العربي ومآل حضارته ويرتبط أيضاً بحدود ما يمكن أن تمنحه الحداثة حين تُستقبل داخل أفقنا الثقافي وما يمكن أن يتيحه التراث حين يُقرأ قراءة نقدية أو يُستعاد استعادة إبداعية. وعند التأمل العميق في المشروعين يتبيّن أن الخلاف بينهما لا يدور حول تفاصيل منهجية جزئية ولا حول مجرد تباين في اللغة أو الأسلوب أو الإحالات المرجعية بل يتعلق بجوهر الموقف من العقل ذاته، هل العقل في أساسه برهاني نقدي يقوم على القطع مع أنماط الوعي التي أعاقت فعاليته التاريخية أم أن العقل مهما بلغ من الصرامة البرهانية يبقى ناقصاً إذا انفصل عن التجربة الروحية والأفق الأخلاقي والتزكوي الذي يمنحه معناه الإنساني الأعلى؟.
لقد كان الجابري شديد الوعي بأن سؤال النهضة في المجال العربي الإسلامي لا يُجاب عنه بخطابات وجدانية ولا بشعارات عامة عن الأصالة والمعاصرة ولا بالاحتماء بمجد ماضٍ جليل، وإنما يُجاب عنه بالعودة إلى البنية العميقة التي شكّلت طرائق التفكير، أي إلى ما سمّاه “العقل العربي” بما هو منظومة من الآليات والإجراءات والمسلّمات التي حكمت إنتاج المعرفة وتداولها داخل الثقافة العربية الإسلامية. وهو حين اختار هذا المدخل لم يكن يبحث عن وصف سيكولوجي للعرب ولا عن حكم جوهري على ماهية ثابتة وإنما كان يتقصّد ما يمكن تسميته بالبنية الإبستمولوجية للثقافة، أي الشروط التي تنظّم القول وترتب سلّم الشرعية المعرفية وتحدّد ما يُقبل دليلاً وما يُرفض، وما يدخل في حيّز البرهان وما يُلقى في مجال التسليم أو الذوق أو البيان. لذلك جاء مشروعه في “نقد العقل العربي” أقرب إلى حفريات فكرية واسعة النطاق تشتغل على تفكيك الأنظمة المعرفية الثلاثة: البيان والعرفان والبرهان، ثم تعيد ترتيبها على ضوء سؤال الفعالية التاريخية.
في هذا الترتيب تتبدى مركزية البرهان عند الجابري. فالبرهان في تصوره ليس مجرد تقنية منطقية ولا هو صورة مدرسية للقياس الأرسطي بل هو نمط في بناء العقل يقتضي الوضوح والاتساق والقدرة على إقامة العلاقة بين المقدمات والنتائج على نحو يسمح بالمراجعة والنقد والاختبار. ولعل هذا ما يفسر احتفاءه بابن رشد احتفاءً بالغاً حتى بدا وكأنه يستعيده لا بوصفه شخصية تراثية كبيرة فحسب، بل بوصفه إمكاناً تاريخياً معطّلاً داخل الثقافة العربية أو بوصفه النموذج الذي كان يمكن أن يُؤسّس تقليداً عقلانياً مختلفاً لو أن الشروط التاريخية أسعفته. وكان الجابري يرى أن البيان على جلالة مكانته في علوم اللغة والفقه والكلام قد أسّس في كثير من تجلياته لعقل يطلب المشروعية من سلطة النص في صورته الموروثة أكثر مما يطلبها من انتظام النظر. كما رأى أن العرفان بما هو بناء معرفي قائم على الكشف والإشراق والباطن قد وسّع مساحة اللامفكَّر فيه وأدخل في بنية الوعي عناصر تُضعف مطلب الموضوعية وتربك صرامة البرهان. ومن هنا كان ميله واضحاً إلى إعادة الاعتبار للعقل البرهاني لا على سبيل النسخ الميكانيكي للتراث الرشدي بل على سبيل جعله أفقاً نقدياً لنهضة حديثة.
ولم يكن هذا الخيار عند الجابري معزولاً عن أفق فلسفي أوسع، تأثر فيه بوضوح بالدرس الإبستمولوجي الفرنسي خاصة عند باشلار الذي نبّه إلى أن المعرفة العلمية لا تتقدّم إلا عبر قطيعات مع عوائقها الداخلية وأن العقل لا ينمو نمواً خطياً بريئاً بل يتشكّل عبر صراع مع أوهامه ومسبقاته. كما تأثر من جهة أخرى بألتوسير في حسّه البنيوي الذي يبحث عن الأجهزة المفهومية لا عن النوايا الذاتية. لذلك بدت قراءته للتراث قراءة تحاكمه بمنطق الفعالية المعرفية لا بمنطق التقديس أو الاستهجان. وهذا ما منح مشروعه قوة كبيرة لأنه حرّر سؤال التراث من ثنائية التمجيد والرفض وأدخله في حقل النقد. غير أن هذه القوة نفسها كانت تحمل نقطة توتر خفية، فالعقل البرهاني الذي أعاد الجابري بناءه بدا أحياناً وكأنه يتعامل مع أنماط أخرى من المعرفة بوصفها عوائق أو بقايا تاريخية أو أنساقاً أقلّ جدوى أكثر مما يتعامل معها بوصفها تعبيرات عن حاجات إنسانية وروحية وأنثروبولوجية عميقة.
هنا يجيء طه عبد الرحمن ليقلب ترتيب السؤال من أساسه. فهو لا يبدأ من تشريح البنية الإبستمولوجية للتراث كما فعل الجابري بل يبدأ من مساءلة المفهوم الحديث للعقل نفسه ومن نقد دعوى الاكتفاء البرهاني حين يتحول العقل إلى أداة تجريدية تفصل الإنسان عن أخلاقه وعن سرّه الوجودي. وطه بما هو فيلسوف لغوي ومنطقي من جهة ومفكر أخلاقي روحي من جهة أخرى لا يرفض البرهان من حيث المبدأ ولا يستخف بقيمته بل مارس المنطق واشتغل في التداوليات ووعى صرامة المفهوم على نحو يجعل الاعتراض عليه باسم “اللاعقلانية” اعتراضاً متهافتاً. غير أن طه يرى أن الحداثة الغربية نفسها وقد رفعت العقل إلى مقام المرجعية العليا، انتهت في كثير من وجوهها إلى عقل أداتي يحسن التنظيم والسيطرة والحساب ويعجز عن أن يمنح الإنسان معنى وجوده أو يرشده إلى الغاية من فعله. وفي هذا يلتقي من وجه ما مع نقد هوركهايمر للعقل الأداتي ومع تنبيهات هايدغر إلى أن التقنية ليست مجرد أدوات بل هي نمط في انكشاف العالم يهدد الإنسان نفسه بالتحول إلى مورد ضمن جهاز الاستعمال.
ومن هذا المنطلق يميّز طه بين مراتب للعقل ويرفض اختزاله في صورة واحدة. فالعقل عنده ليس آلة صورية تشتغل في فراغ وإنما هو ممارسة وجودية وأخلاقية وروحية. والإنسان لا يعقل حقا إلا بمقدار ما يتأدب في استعمال العقل ويتزكّى في قصده ويتحمّل مسؤوليته أمام الحق والخلق. ولهذا كان مشروعه الائتماني مشروعاً لإعادة وصل المعرفة بالأمانة والفكر بالعمل والمنطق بالتزكية والحرية بالمسؤولية. إن طه يرفض أن يُفصل العقل عن مجاله التداولي الحي كما يرفض أن يُعزل عن شروطه الأخلاقية. ولذلك نجده يوسّع من مفهوم الدليل فلا يحصره في البرهان المنطقي وحده بل يفتح المجال أمام ما يمكن تسميته بالشهادة الوجودية أو الصدق العملي أو المعنى المتحقق في التجربة. والحق أن هذا التوسيع ليس استسلاماً للغموض كما قد يظن بعض قرّائه بل هو احتجاج فلسفي على النزعة التي جعلت العقل الحديث أسير ما يمكن قياسه أو برهنته في حدوده الصورية الضيقة.
إذا أردنا أن نصوغ الفرق بين الرجلين في عبارة مكثفة أمكننا القول إن الجابري يسأل كيف نحرر العقل من الشوائب التي عطّلت فعاليته التاريخية؟ وطه يسأل كيف نحرر العقل من وهم الاكتفاء بذاته حين ينسى جذره الأخلاقي والروحي؟ السؤال الأول تحكمه هواجس النهضة والتاريخ والبنية المعرفية. والسؤال الثاني تحكمه هواجس الإنسان والائتمان والمعنى. الأول يتطلع إلى عقل ينهض بالأمة عبر البرهان والنقد وإعادة ترتيب العلاقة بالتراث. الثاني يتطلع إلى عقل ينهض بالإنسان عبر التزكية والتخلق وتجديد الصلة بالمطلق. وبين السؤالين مسافة واسعة لكنها ليست مسافة قطيعة مطلقة لأن كليهما في نهاية المطاف يعترف بأن أزمة العالم العربي أزمة عقل غير أن كلا منهما يحدد العلة في موضع مختلف.
لقد كان الجابري في عمق مشروعه متأثراً بروح ابن رشد أكثر من تأثره بحرفية نصوصه. فهو لم يستدع ابن رشد لكي يكرر عباراته بل استدعاه بوصفه إمكاناً رمزياً لعقلانية عربية ممكنة. وابن رشد كما هو معلوم لم يكن ينظر إلى البرهان نظرة تقنية محضة بل كان يراه طريقاً إلى فهم الشرع والعالم معاً، وكان يعتبر أن النظر في الموجودات من جهة دلالتها على الصانع فريضة. غير أن الجابري بحكم انشغاله بإعادة بناء العقل العربي داخل أفق حداثي أعاد قراءة الرشدية قراءة حديثة فصارت البرهانية عنده أقرب إلى أفق إبستمولوجي وتاريخي لا إلى تكامل ميتافيزيقي أو لاهوتي. ومن هنا يجيء اعتراض طه الضمني عليه، إذ يرى أن كل قراءة تفصل العقل عن مقام التعبد والتخلق ولو كانت باسم التحرير فإنها تقع في صورة أخرى من الاختزال.
ولا يمكن فهم موقف طه دون استحضار أثر الغزالي وابن عربي وأهل السلوك في خلفيته مع أن طه لا يكررهم تكراراً. فالغزالي حين قال إن العقل شرط في أصل المعرفة ثم بيّن أن العقل نفسه قد يقف عند حدّ لا يتجاوزه إلا نور يقذفه الله في القلب لم يكن يهدم العقل، بل كان يعيد ترتيبه داخل بنية أوسع للمعرفة. وابن عربي حين يميّز بين العلم العقلي والعلم الذوقي لا يسخر من البرهان بل يبيّن أن الوجود أغنى من أن يُستوعب في شبكات المفهوم وحدها. وطه يلتقط هذا الخيط لكنّه يصوغه بلغة فلسفية حديثة فيجعل التجربة الروحية نفسها موضوعاً للتفكير المفهومي ويجعل الأخلاق منطقاً أعلى للفعل الإنساني. بهذا المعنى فإن مشروعه لا يكتفي بنقد الحداثة الغربية بل ينقد أيضاً صور التحديث العربي التي أخذت من الغرب أدواته وتركت سؤاله الأخلاقي معلّقاً.
غير أن الإنصاف الفلسفي يقتضي أن نقول إن كلا من المشروعين يواجه بدوره إشكالات داخلية لا يجوز إغفالها. فالجابري مع كل ما قدّمه من دقة تحليلية ومن شجاعة نقدية ومن إعادة بناء كبرى للخريطة المعرفية للتراث قد وقع أحياناً في نوع من الصرامة التصنيفية التي تجعل الحدود بين البيان والعرفان والبرهان أكثر صلابة مما تسمح به الوقائع النصية والتاريخية. فالتراث الإسلامي في كثير من نصوصه الكبرى أكثر تداخلاً من أن يُحشر في خانات مفصولة بإحكام. وقد نجد عند فقيهٍ عناصر ذوقية وعند صوفيّ بناءً استدلالياً وعند متكلمٍ حسا بيانيا وميتافيزيقيا معاً. بل إن ابن رشد نفسه الذي احتفى به الجابري لم يكن مجرد منطقي جاف وإنما كان فقيهاً أصوليا فيلسوفا وقاضيا وطبيباً، أي كان عقلاً موسوعياً يتنفس داخل وحدة ثقافية مركبة. لذلك فإن تعظيم البرهان إذا تحول إلى حساسية استبعادية تجاه بقية الأبعاد، قد ينتهي إلى إعادة إنتاج نوع من الاختزال الذي كان الجابري نفسه يقاومه في صور أخرى.
وفي المقابل فإن طه عبد الرحمن على عمق مشروعه وفرادته وقوته المفهومية يظل عرضة لسؤال آخر، كيف يمكن للتجربة الروحية بما هي ذاتية وذوقية وتزكوية أن تتحول إلى أفق عمومي مشترك داخل فضاء فكري يحتاج إلى معايير قابلة للتداول والنقاش والاختبار؟ إن البرهان على محدوديته يمتلك قابلية عمومية واضحة لأن منطق الدليل يسمح بالمراجعة والاعتراض والتفنيد. أمّا الذوق الروحي فمهما ارتفع مقامه يظل مهدداً بسوء الفهم أو الادعاء أو الانزلاق إلى سلطة رمزية يصعب ضبطها. ولهذا كان المتصوفة الكبار أنفسهم شديدي الحذر من إطلاق القول في دقائق التجربة دون ميزان. يقول الجنيد: “علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة”، وكأن الروح نفسها تحتاج إلى قانون يحفظها من الفوضى. ومن هنا فإن مشروع طه كي يتحول إلى بديل حضاري كامل يظل مطالباً دوماً ببيان الكيفية التي تُترجم بها التجربة الروحية إلى مؤسسات ومعايير ومجالات تداول عمومي دون أن تفقد روحها أو تتحول إلى وعظ مجرّد.
على أن القيمة الحقيقية للمقارنة بين الجابري وطه لا تكمن في إعلان انتصار أحدهما على الآخر، فذلك تبسيط مخلّ لا يليق بمشروعين من هذا الحجم، وإنما تكمن في أن كلا منهما يضيء نقص الآخر ويكشف حدّه. فالجابري يذكّرنا بأن النهضة لا تقوم على النوايا الطيبة ولا على الحنين الروحي إذا غاب النقد الصارم للبنيات المعرفية التي تنتج التخلف. وطه يذكّرنا بأن العقل إذا صار جهازاً بارداً للفرز والتصنيف والتحليل دون أن يتصل بالأخلاق والروح فإنه قد ينتج حضارة فعالة وآلة متقدمة وإنساناً ناقصاً. الجابري يطالبنا بأن نكون يقظين إزاء أوهام التراث حين يتحول إلى سلطة تعطل السؤال. وطه يطالبنا بأن نكون يقظين إزاء أوهام الحداثة حين تتحول إلى سلطة تنزع عن الإنسان سره. وفي هذا المعنى العميق يبدو الرجلان على شدة اختلافهما متكاملين أكثر مما يبدو لأول وهلة.
ولعل الفكر العربي اليوم أحوج ما يكون إلى تجاوز القراءة الاصطفافية التي تجعلنا مضطرين إلى الاختيار القاطع بين البرهان والروح، بين النقد والتزكية، بين ابن رشد والغزالي وبين العقلانية والإحسان. فالتاريخ الفعلي للثقافة الإسلامية نفسها يشهد بأن لحظات العطاء الكبرى لم تكن وليدة قطيعة جذرية بين هذه الأبعاد بل كانت ثمرة توتر خلاق بينها. كان الشاطبي وهو من أدق العقول المقاصدية يمارس استدلالاً بالغ الصرامة دون أن يقطع مع المقصد الإيماني للشريعة. وكان فخر الدين الرازي يجمع بين الجدل العقلي الرفيع وحسّ روحي ظاهر. وكان ابن عاشور في العصر الحديث يستثمر أدوات الأصول واللغة والتاريخ دون أن يفصلها عن هاجس الهداية. حتى في الفلسفة الغربية الحديثة لم تكن المسألة محسومة على صورة عقل محض. فباسكال صاحب العقل الرياضي العظيم قال كلمته الشهيرة: “للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل”. وبيرغسون دافع عن الحدس دون أن يهدم التحليل. وكيركغارد جعل الوجود الفردي أعمق من نسق هيغل المغلق. كأن التجربة الإنسانية كلما نضجت ازدادت مقاومةً للاختزال.
إن الجابري وطه عبد الرحمن يعبّران عن لحظتين ضروريتين في وعي العقل العربي بذاته. لحظة تطلب التحرير عبر النقد والبرهان وإعادة ترتيب الخريطة المعرفية. ولحظة تطلب الإنقاذ عبر الأخلاق والائتمان وإعادة وصل الإنسان بأفقه الروحي. الأولى تحمي الفكر من السقوط في التكرار والتسليم والتمويه. والثانية تحميه من السقوط في الجفاف والعدمية والفراغ القيمي. الأولى تسأل عن شروط إنتاج الحقيقة في المجال المعرفي. والثانية تسأل عن شروط استحقاق الحقيقة في المجال الوجودي. الأولى تنظر إلى العقل من جهة بنيته ووظيفته. والثانية تنظر إليه من جهة مقامه ووجهته، وكل عقل يكتفي بواحدة منهما يظل عقلاً مبتوراً.
والذي يظهر عند التأمل أن أفقاً تركيبياً يلوح في الأفق لمن أراد أن يقرأ الرجلين قراءة مثمرة لا مدرسية. هذا الأفق لا يساوي بينهما تسوية سطحية ولا يذيب الفروق الجوهرية بين مشروعين مختلفين، بل يستثمر التوتر بينهما لإعادة بناء مفهوم أرحب للعقل. عقلٌ يملك شجاعة النقد التي طالب بها الجابري فلا يخضع لسلطة الموروث دون تمحيص ولا يكتفي بمهابة النصوص أو سطوة الجماعة أو هيبة التاريخ. وعقلٌ يملك في الوقت نفسه تواضع الائتمان الذي دعا إليه طه فلا يغترّ بقدرته البرهانية حتى يتوهّم أنه مركز الوجود وغايته. عقلٌ يعرف أن الحقيقة تُطلب بالدليل وأن الدليل نفسه يحتاج إلى ضمير يحسن استعماله. عقلٌ يقرأ التراث بعين الناقد وقلب الوارث ويقرأ الحداثة بعين المستفيد وقلب المتحفّظ فلا يستسلم لماضوية مغلقة ولا يذوب في حداثة فاقدة للروح.
إن المقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن ليست مجرد درس في تاريخ الأفكار المغربية المعاصرة على جلالة هذا الدرس، وإنما هي امتحان حيّ لقدرتنا على إعادة التفكير في الإنسان العربي نفسه. أي إنسان نريد؟ أإنساناً يبرهن دون أن يتطهّر؟ أم إنساناً يتطهّر دون أن يبرهن؟ أي نهضة نرجو؟ أنهضة تبني مؤسسات وتنتج مفاهيم وتعيد ترتيب المعرفة لكنها تترك الروح عطشى؟ أم نهضة تُكثر من الحديث عن المعنى والصفاء والتزكية لكنها تعجز عن بناء عقل عمومي نقدي قادر على إدارة العالم؟ إن الجواب الذي يليق بتاريخنا وبتحديات عصرنا معاً لا يسعه أن يكتفي بأحد الطرفين. فالعقل الذي يطلبه زمننا العربي اليوم عقلٌ جامع: رشديٌّ في صرامته، غزاليٌّ في محاسبته لنفسه، شاطبيٌّ في فقهه للمقاصد، وابن عربيٌّ في وعيه بأن الوجود أوسع من حدود العبارة. وحين يبلغ الفكر هذا المقام يغدو البرهان نفسه تجربة روحية من حيث هو طلب مخلص للحقيقة وتغدو التجربة الروحية نفسها برهاناً من حيث هي تزكية تُنير النظر وتطهّر القصد.
ويظل الجابري علماً على ضرورة النقد ويظل طه علماً على ضرورة الائتمان، وبين النقد والائتمان، بين البرهان والذوق وبين صرامة المفهوم وحرارة المعنى تتحدد معركة العقل العربي المقبلة. وهي معركة لا تحتاج إلى انتصار اسم على اسم بل تحتاج إلى شجاعة فكرية تعترف بأن العقل لا يُستنفد في المنطق وحده ولا يُستوفى في الوجدان وحده وأن الحضارة التي نطلبها لا تُبنى بآلة بلا روح ولا بروح بلا آلة، بل تُبنى بإنسان اكتملت فيه ملكة النظر كما اكتملت فيه أهلية الأمانة. وذلك في ظني هو الدرس الأعمق الذي تهبنا إياه هذه المقارنة، أن العقل الحق لا يكتفي بأن يكون قادراً على إقامة الدليل بل يحرص أيضاً أن يكون جديراً بحمل الحقيقة.
غير أن المقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن لا تستنفد معناها إذا وقفت عند حدود التمييز بين عقل برهاني وعقل موصول بالتجربة الروحية لأن هذا التحديد على أهميته يظل في مستوى الوصف العام ما لم ننفذ إلى الطبقة الأعمق التي يتحرك فيها كل مشروع، أعني طبقة التصور الكلي للإنسان وللعالم وللحقيقة. فالفلاسفة الكبار لا يختلفون فقط في أدوات النظر وإنما يختلفون قبل ذلك وبعده في صورة الإنسان التي يحملونها في ضمائرهم وهم يفكرون. إن الجابري حين كان يدافع عن البرهان لم يكن ينتصر لصيغة منطقية مجردة بل كان يدافع عن صورة للإنسان العربي بوصفه كائناً ينبغي أن يتحرر من أشكال الوعي التي كبّلت فعله التاريخي وأن يستعيد قدرته على النقد والتمييز والاختيار. وطه حين كان يردّ الاعتبار إلى التجربة الروحية لم يكن يطلب من الإنسان أن يفرّ من العالم إلى زاوية وجدانية وإنما كان يريد له أن يستردّ كرامته الوجودية التي أضاعتها حضارة التقنية حين جعلته سيداً في الظاهر وأسيراً في العمق.
ولذلك فإن الفارق بين الرجلين يظهر بجلاء في موقف كل واحد منهما من التراث. الجابري يقرأ التراث بعين المؤرّخ الإبستمولوجي الذي يسائل البنيات ويُخضع النصوص لميزان الفعالية المعرفية ويبحث عن اللحظة التي انحرف فيها العقل العربي عن إمكانه البرهاني. ولهذا كانت قراءته في مواضع كثيرة أقرب إلى التشريح العقلي الصارم حيث تتراجع حرارة الانتماء لصالح برودة التحليل. وقد كان في هذا وفاء لمهمة فكرية دقيقة لأن التراث حين يتحول إلى موضوع للمهابة المطلقة يفقد قابليته للإثمار ويصير عبئاً على الحاضر بدل أن يكون رصيداً له. وما أكثر ما وقع الفكر العربي الحديث في هذا المأزق حين ظنّ أن الوفاء للسلف يقتضي تكرار عباراتهم لا استئناف روح اجتهادهم. وقد كانت شجاعة الجابري في تفكيك البنى المعرفية للتراث عملاً تأسيسياً لأنه ردّ إلينا حقّ السؤال داخل فضاء طالما أحاطته قداسة تمنع الاقتراب.
غير أن طه عبد الرحمن ينظر إلى التراث من جهة أخرى أعمق التصاقاً بالمعنى الحي الذي يسكنه. فهو لا يرفض النقد لكنه يرفض أن يتحول النقد إلى قطيعة وجدانية أو أن يُختزل التراث في جهاز مفاهيمي يُفكَّك كما تُفكَّك الآلات. فالتراث عنده ليس مجرد مواد معرفية متراكمة بل هو أيضاً ميراث روحي وأخلاقي وتجربة وجودية أي هو “حياة” قبل أن يكون “نصوصاً”. وهنا كان شديد التحفّظ من كل قراءة تفصل الأقوال عن أحوال أصحابها أو تفصل المفاهيم عن المقامات التي نشأت فيها. فالفقيه والمتكلم والصوفي عنده لا يُفهمون حقا إذا اكتفينا بتصنيف أنساقهم لأن لكل واحد منهم خبرة مخصوصة بالعالم وصلة مخصوصة بالحقيقة وسلوكاً ينعكس في بنية خطابه. هذه الحساسية العميقة تجاه “الحيّ” في التراث هي التي تجعل مشروع طه أقرب إلى الاستنبات منه إلى الاستيراد وأقرب إلى التخلّق منه إلى التمفصل النظري المحض.
وهنا يتكثف موضع الخلاف الحقيقي، الجابري يبحث عن شروط إمكان نهضة عقلية عبر إعادة ترتيب العلاقة بالتراث على أساس برهاني نقدي. وطه يبحث عن شروط إمكان نهضة إنسانية عبر إعادة ترتيب العلاقة بالتراث على أساس ائتماني أخلاقي. الأول يسأل عن البنية، والثاني يسأل عن الروح. الأول يريد أن يعرف كيف اشتغل العقل العربي في التاريخ، والثاني يريد أن يعرف كيف ينبغي أن يشتغل الإنسان العربي في الوجود. ولعل هذه المفارقة الدقيقة هي التي تفسر لماذا بدت لغة الجابري أكثر التصاقاً بالدرس الفلسفي الحديث في صيغته الإبستمولوجية بينما بدت لغة طه أكثر اشتباكاً مع الموروث اللغوي والأصولي والصوفي مع استثمار عميق للمنطق والتداوليات الحديثة. فلكل واحد منهما “اقتصاد مفهومي” يعكس أفقه الوجودي قبل أن يعكس اختياره المنهجي.
ومن أخصب المداخل لفهم هذا التباين النظر في معنى “العقلانية” عند كل واحد منهما. العقلانية عند الجابري ذات طابع تحريري وتاريخي لأنها تُستدعى بوصفها أداة لكسر البنيات المانعة للفعل وتحرير الوعي من أشكال الخلط بين مستويات المعرفة وإقامة علاقة جديدة بين الفكر والواقع. إنها عقلانية تسائل المسلّمات وتعيد ترتيب الشرعيات وتفضّل الوضوح المفهومي على الغموض وتُعلي من شأن البرهان بوصفه القاسم المشترك الذي يمكن أن تتأسس عليه معرفة عمومية قابلة للنقاش. حيث إن الجابري رغم اختلاف سياقه كان قريباً من الروح التي جعلت كانط يعلن أن التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. فالعقل هنا شجاعة استعمال للفكر دون وصاية.
أما العقلانية عند طه فليست مجرد شجاعة فكرية بل هي أيضاً أهلية أخلاقية. لا يكفي أن تستعمل عقلك بل ينبغي أن تستعمله استعمالاً مؤتمناً. لا يكفي أن تُحسن البرهنة بل ينبغي أن يكون قصدك متطهراً من الأهواء التي تُفسد النظر. لا يكفي أن تملك أدوات التحليل بل ينبغي أن تدرك أن الحقيقة لا تُنال كلها من خارج الذات بل يُنال بعضُها بتهذيب الذات نفسها. ومن هنا كانت عقلانيته أقرب إلى ما يمكن تسميته “العقلانية المتخلّقة”، حيث العقل ليس سيداً متعالياً على بقية الملكات بل هو قوة تتكامل مع الضمير والحياء والعبودية والمسؤولية. وهذا البعد يجعل مشروعه شديد الأصالة لأنه يحررنا من الوهم الشائع القائل إن البديل عن العقل الأداتي هو الوجدان الغامض أو الخطاب الوعظي، بينما هو في الحقيقة يبني تصوراً فلسفياً دقيقاً لعقل أوسع من الحساب وأعمق من التجريد.
غير أن ما يثير الانتباه أكثر هو أن الخلاف بينهما يتجاوز المجال النظري إلى تصور مختلف للحداثة نفسها. الجابري على الرغم من نقده العميق للتراث لم يكن منبهرا بالغرب انبهار التابع بل كان يسعى إلى عقلنة العلاقة بالحداثة. كان يريد أن يأخذ منها آلياتها المعرفية وروحها النقدية لا أن يذوب فيها ذوباناً. ولذلك ظلّ مشروعه في جوهره مشروعاً لإعادة بناء الذات العربية من الداخل وإن استأنس بمناهج حديثة. لكن هذه الحداثة في صورته تظل مرتبطة بقوة بالفضاء المعرفي والسياسي والتاريخي أي بقدرة المجتمع على إنتاج عقل عمومي نقدي.
أما طه فإنه يرى أن الحداثة الغربية رغم ما حققته من مكاسب هائلة تحمل في أصلها اختلالاً بنيوياً لأنها فصلت بين التقدم المادي والارتقاء الروحي وبين القوة والمسؤولية وبين الحرية والانضباط الأخلاقي. لذلك لم يكن معركته مع الحداثة معركة رفض بل معركة تفكيك وانتقاء وتجاوز. كان يصرّ على أن لكل أمة حقها في حداثتها وأن الحداثة ليست قالباً جاهزاً يُستنسخ بل إمكاناً تاريخياً يُعاد توليده بحسب المرجعيات الحية للشعوب. ومن هنا كان حديثه عن “روح الحداثة” لا عن قشورها وعن إمكان حداثة أخلاقية أو ائتمانية تستفيد من منجزات العصر دون أن تخسر روح الإنسان.
وهذا كله يفضي بنا إلى السؤال الأصعب، هل يمكن فعلاً تركيب أفق يجمع بين مطلب الجابري ومطلب طه أم أن التوتر بينهما تَنازُع لا يقبل المصالحة؟ الظاهر أن كثيراً من القراءات المتعجلة تتعامل مع المشروعين بمنطق المفاضلة الحدّية، إما أن نكون مع البرهان ضد الروح أو مع الروح ضد البرهان. وهذا في تقديري فهم قاصر لأن تاريخ الفكر الإنساني كله يعلّمنا أن الثنائيات الحية لا تُحلّ بالإلغاء بل بالتجاوز الخلاق. إن البرهان إذا فهمناه في جوهره الأصيل ليس عدوا للروح لأن الروح الصادقة لا تخاف من الحقيقة والحقيقة لا تضيق بالدليل. كما أن التجربة الروحية إذا تحررت من الادعاء والالتباس لا تُلغي العقل بل تزكّيه وتطهّر مجاله من الشهوات الخفية التي قد تفسد منطقه من حيث لا يشعر.
لقد أدرك كبار مفكرينا هذا التوازن بطرائق مختلفة. فابن رشد مع كل صرامته البرهانية لم يكن فيلسوفاً ماديا ولا عقلاً أداتياً بل كان ينظر إلى الوجود بوصفه كتاباً مفتوحاً على الحكمة. والغزالي مع كل احتفائه بالتجربة الباطنية لم يهدم العقل بل وصفه في أكثر من موضع بأنه أصلٌ في معرفة الشرع. والشاطبي في تأسيسه للمقاصد جمع بين الاستقراء العقلي والنظر المقاصدي الذي يستبطن حكمة الشريعة وروحها. وحتى ابن تيمية على ما بينه وبين الفلاسفة والمتكلمين من جدل كان يصرّ على أن صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول. كأن تراثنا في أجود لحظاته كان واعياً بأن الانقسام الحاد بين العقل والروح انقسام مصطنع أكثر مما هو قدر محتوم.
ومن ثمّ تتجلى القيمة الأخصب للمقارنة بين الجابري وطه أنها لا تكمن في أن ننصب أحدهما قاضياً على الآخر بل في أن نستخرج من التوتر بينهما درساً مركباً لزمننا. نحن اليوم في عالم عربي يئنّ تحت ضغط أزمتين متداخلتين، أزمة بنيوية في المعرفة والسياسة والمؤسسات والتعليم وأزمة معنوية في الأخلاق والغاية والهوية والإنسان. الأزمة الأولى لا يعالجها خطاب روحي منفصل عن نقد البنيات. والأزمة الثانية لا يعالجها عقل تقني بارع في التشخيص عاجز عن بثّ المعنى. إن من يريد أن يفكر اليوم بجدية لا يملك ترف الانحياز الأحادي. عليه أن يتعلم من الجابري صرامة النقد ومن طه شرف الائتمان. عليه أن يدرك أن تحرير العقل من الخرافة لا يكفي إذا بقي القلب مستباحاً للنزوات ولعبادة القوة. وعليه أن يدرك كذلك أن تزكية القلب لا تكفي إذا بقي العقل أسير التكرار وسلطة الموروث وكسل السؤال.
ولعل أخطر ما يمكن أن يقع فيه القارئ العربي اليوم هو أن يحوّل المشروعين إلى رايتين أيديولوجيتين بدل أن يجعلهما موردين للفهم. فكم من قارئ اتخذ الجابري ذريعة للازدراء السهل لكل تراث روحي وكأن التصوف كله عتمة والعرفان كله ضلال إبستمولوجي. وكم من قارئ اتخذ طه ذريعة للارتياب في كل مطلب نقدي وكأن البرهان بدعة حداثية غربية لا نصيب لها في بنية الفكر الإسلامي. والحال أن الرجلين لو قُرئا بإنصاف أرفع من هذه الاستعمالات الضيقة. الجابري لم يكن عدوا للتراث في ذاته بل كان عدوا لجموده ولأوهامه المعرفية. وطه لم يكن عدوا للعقل بل كان عدوا لاختزاله ولغطرسته حين يدّعي الكفاية المطلقة.
وأرى أن ما يحتاجه الدرس الفلسفي العربي اليوم هو إعادة فتح الحوار بين المشروعين على نحو أكثر نضجاً وأقلّ انفعالاً. نحتاج إلى قراءة الجابري من داخل سؤال الإنسان لا من داخل سؤال البنية وحده. ونحتاج إلى قراءة طه من داخل سؤال العمومية المعرفية لا من داخل سؤال التزكية وحده. نحتاج إلى أن نسأل كيف يمكن للبرهان أن يصير أخلاقيا وكيف يمكن للتجربة الروحية أن تصير قابلة للتداول العمومي دون أن تُبتذل؟ كيف يمكن للعقل النقدي أن يظل متواضعاً أمام ما يتجاوز حدوده؟ وكيف يمكن للروح أن تبقى منضبطة بميزان يمنعها من الانفلات؟ تلك أسئلة لو أُحسن طرحها لأثمرت فلسفة عربية معاصرة أكثر رسوخاً وأقلّ ارتهاناً للثنائيات الكسولة.
إن الجابري وطه عبد الرحمن لا يمثلان مجرد اتجاهين مختلفين داخل الفكر المغربي الحديث بل يمثلان امتحانين متكاملين للعقل العربي في سعيه إلى استعادة نفسه. الجابري يمتحن قدرتنا على الشك المنهجي وعلى تفكيك المسلّمات وعلى إعادة ترتيب علاقتنا بالتراث وفق منطق البرهان والفعالية التاريخية. وطه يمتحن قدرتنا على مقاومة الإغراء الحداثي حين يتحول إلى عبادة للأداة وعلى استرداد البعد الأخلاقي والروحي للعقل حتى لا ينقلب التقدم إلى فراغ والحرية إلى تيه والمعرفة إلى سلطة بلا حكمة. وليس من الحكمة أن نختزل هذا الامتحان في اختيار ساذج بين اسمين لأن الحضارات لا تنهض باختيار الأسماء بل ببناء المعاني.
إن العقل الذي يحتاجه واقعنا العربي اليوم لا يشبه العقل المدرسي الضيق الذي يكتفي بترتيب الحجج ثم ينسحب من ميدان الحياة. كما لا يشبه الوجدان المنفلت الذي يلوذ بحرارة الشعور كلما استعصى عليه عبء الدليل. نحن أحوج ما نكون إلى عقل مركّب، عقلٍ يعرف أن الحقيقة لا تُهدى إلى الكسالى وأنها تحتاج إلى صبر البرهان كما تحتاج إلى صدق التزكية. عقل يقرأ ابن رشد دون أن يخاصم الغزالي ويقرأ الغزالي دون أن يرتاب في ابن رشد. عقل يتعلّم من الجابري أن التراث لا يُعبد ومن طه أن الحداثة لا تُعبد كذلك. عقل يدرك أن الإنسان لا يكتمل بالمعرفة وحدها ولا بالتعبد وحده بل يكتمل حين تصير المعرفة عبادةً من جهة الإخلاص للحق وحين يصير التعبد معرفةً من جهة انكشاف البصيرة على المعنى.
إن البرهان والتجربة الروحية في أعمق مستويات المقارنة ليسا خصمين متنافيين إلا في القراءات الفقيرة. إنهما حدّان لتوتر خلاق إذا أحسن الفكر العربي المعاصر استثماره أمكنه أن يخرج من أسر ثنائياته العقيمة. فكل برهان لا يُنير صاحبه أخلاقياً يظل ناقصاً وكل تجربة روحية لا تصمد أمام ميزان العقل تظل معرّضة للالتباس. وبين هذا وذاك يتشكل الأفق الأجدر بنا، أفق عقلٍ يبرهن بصرامة ويؤمن بتواضع ويعمل بمسؤولية ويحمل الحقيقة لا بوصفها غنيمة فكرية بل بوصفها أمانة وجودية.
***
د. حمزة مولخنيف







