عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فالح الحمراني: فاليري بريوسوف رائد الرمزية العصر الفضي في الشعر الروسي

قراءة في تطور ابداعه

يُعد فاليري بريوسوف (Valery Bryusov) الأب الروحي والمنظم الأساسي للحركة الرمزية الروسية، وهو أحد أبرز أعمدة العصر الفضي في الشعر الروسي. لم تقتصر ريادته على كتابة الشعر فحسب، بل تميز بقدرته التنظيمية الفائقة التي حوّلت الرمزية من مجرد تيار أدبي غامض إلى مدرسة فكرية ومؤسساتية متكاملة لها منابرها وتأثيرها العميق

يمثل تطور إبداع فاليري ياكوفليفيتش بريوسوف وآراؤه رحلةً شعرية / فكريةً بدأت من الفردية المتطرفة ومدرسة الرمزية التي نشأت كرد فعل على موروث القصيدة الروسية من القرن التاسع عشر ، وبدل التغني بالطبيعة  الروسية ومعالجة القضايا الاجتماعية  ركزت على جماليات الكلمة وناقشت قضايا الموت والفساد والنزعة الصوفية وعبادة الفن- وصولاً إلى تبنيه روح المواطنة وقبول الثورة البلشفية، مع التزامه الدائم بصرامة الشكل الشعري وإتقان الصنعة؛ لينتقل بذلك من كونه أحد مؤسسي الرمزية الروسية إلى فنان سعى لدمج الفن بالواقع التاريخي.

وفي المقابل، طور ألكسندر بلوك وأندريه بيلي أسلوب الجيل الثاني نحو آفاق أكثر روحانية وتجريبية، إذ نقل بلوك الرمزية إلى حالة دينية وميتافيزيقية مفعمة بالموسيقى الداخلية والحدس، متأثراً بفلسفة سولوفيوف، فجعل من الشاعر نبياً يترجم أسرار الكون ويجسد الحكمة الإلهية في صورة امرأة غامضة قبل أن ينخرط في مأساوية الواقع ومصير الوطن الروسي.

بينما اتجه أندريه بيلي نحو تحويل نظام المعرفة بالكامل عبر تجريب لغوي وثوري فريد، فمزج بين النثر والشعر والإيقاع الموسيقي، مستلهماً أفكاره من علم الأنثروبوسوفيا ليعبر عن الفوضى النفسية والتحولات الكونية، مما جعل الرموز عنده لغة معرفية جديدة تختلف عن صنعة بريوسوف وحرفيته، وعن حدس بلوك وموسيقاه الروحية.

وُلد بريوسوف (1873-1924) في موسكو، وكان محظوظاً بالدراسة في مدرسة ليف إيفانوفيتش بوليفانوف الخاصة، التي عُرفت بـ "الليسيوم الفضي"، حيث كان بوليفانوف معلماً استثنائياً. يدرّس اللغة اليونانية القديمة واللاتينية - مواد كانت في المدار س الأخرى عادةً عذاباً، أما في مدرسة بوليفانوف، فقد كان الطلاب ينتظرون هذه الدروس بشغف واهتمام، ويحبونها أكثر من أي دروس أخرى. كان بوليفانوف خبيراً رائعاً في بوشكين، والأدب الروسي والعالمي؛ وكان محبوباً بين المثقفين في موسكو. في مدرسته، كان الطلاب يتقنون اللغات الأجنبية بشكل تام، ويقدمون مسرحيات جدية، وينشرون مجلات مكتوبة بخط اليد. بجانب بريوسوف، درس هناك أندريه بيلي والشاعر الرمزي سيرجي سولوفيوف (ابن أخت ف. س. سولوفيوف)، وأبناء ليف تولستوي.

وفي هذا المناخ الفكري، اكتشف بريوسوف موهبته الشعرية وتوجهه نحو اتجاه جديد في الشعر الروسي، حيث كتب في مذكراته طامحاً للريادة: "لا يكفيني أن أكون موهوباً أو حتى عبقرياً بانتظار نجاح بطيء، عليّ أن أختار طريقاً آخر... أن أجد نجماً يهديني، وهو "الانحطاط"؛ فهو تيار يتطور وسيكون المستقبل له إذا وجد قائداً، وسأكون أنا ذلك القائد".

بدأ بريوسوف بنشر أعماله فور تخرجه، بدءاً بسلسلة "الرمزيون الروس"، ثم أعقبها بعد عامين بإصدار ديوانه الشعري الأول. أشاد برسوف بقوة الغزاة الذين داسوا شعوباً بأسرها، وعزلة الفنان والعالِم المتعالية، وكان يلج عالم الغرائب (أي كان يكتب عن شعوب بعيدة جغرافياً وتاريخياً). كان مقتنعاً بأن الفن ليس له أهداف خارج نفسه:وربما تلخص قصيدته القصيرة إلى شاب شاعر التي نشرها ها 1916 فلسفته في ما ماهية الشعر:

أيها الشاب الشاحب ذو النظرة المتقدة،

أضعُ بين يديك ثلاث وصايا:

اقبل الأولى: لا تعش في الحاضر؛ فالمستقبل وحده هو عالم الشاعر.

وتذكّر الثانية: لا تتعاطف مع أحد، وأحبَّ نفسك حباً لا حدود له.

والتزم بالثالثة: اعبد الفن وحده، بلا تفكيرٍ أو هدف.

أيها الشاب الشاحب ذو النظرة المضطربة،

إن قبلتَ وصاياي هذه، فسأصمتُ وأنا محاربٌ مهزوم، عالماً أنني تركتُ في هذا العالم شاعراً.

أصبح بريوسوف أحد أبرز الشخصيات شعراء المدينة (المدنيون) في تاريخ الأدب الروسي. وقد طور التقاليد بوعي شعر المدينة لدى بوشكين، نيكراسوف، والشاعر البلجيكي فيرهايرين. حمل أحد دواوينه الشعرية عنونا برنامجيا (باللاتينية) "UrЬi et orЬi" (أي "إلى المدينة والعالم"). لقد ادرك إن المدينة تُغيّر الإنسان، وحتى هذا الشعورالأبدي، مثل الحب تتم تجربته هنا بشكل مختلف عن الأماكن الأخرى.

حيث يحشد الناس، وللحظة، يجتمعون ويحرقون بعضهم بعضاً  بنظرة خاطفة - ثم يفترقان مرة أخرى - إلى الأبد... يتجلى ذلك اكثر في قصيدته:

(مقابلة)

آه، تلك اللقاءات العابرة

في شوارع العواصم الصاخبة!

آه، تلك النظرات الغامضة،

وحديث عابر بين الرموش!

بعيدة، هناك، تتسلل هي في الحشد،

حلمها مع آخر ...

لكن الم نجرب كل العاواطغ،

وألم نمر بكل اشكل الحب!

احتلت مجلة "الميزان" التي تاسست في موسكو في عام 1904 مكانة رائدة في عالمها الثقافي. وتولى بريوسوف إدراتها. و من عدد إلى آخر نشر فيها المراجعات للكتب الجديدة. وقد أثبت أنه ناقد أدبي حاذق.  كانت تقييماته عادةً صارمة ولكنها عادلة.  كانت الآراء تحظى باحترام كبير. وظلت "الميزان" تصدر حتى عام 1909، وساهم نشاط بريوسوف  في البرهنة على ان الرؤية النقدية للمدرسة "الرمزية" لا يقل عن إنجازاتها في مجال الشِعر. وكان بروسوف كاتبا مجتهدا بشكل استثنائي، ونشيطا، وعميق الثقافة.  وبفضل موهبته المتعددة، اتجه إلى كتابة الرواية والقصة القصيرة في وقت مبكر. وفي هذا السياق تُعد روايته "الملاك الناري" واحدة من أفضل الروايات في مجالها. وبتقدير النقاد الأفضل في تاريخ أدب الحداثة الروسية بأكمله.  وتزامن كتابة الرواية مع ولع برسوسوف بعوالم السحر (التعاليم الصوفية السرية في العصور الوسطى) و(عصر النهضة)، والروحانية (البحث عن طرق للتواصل مع الأرواح) (الموتى)، والسحر الأسود.  ويتجلى بوضوح من خلال رواية "الملاك الناري" ومصائر شخوصها الواقعية، أهم سمة في التصور "الديكادنتي" (الانحطاطي) وكل التصورات الحداثية للعالم، وهي الرفض الجذري للفصل بين الكاتب والإنسان، وبين السيرة الأدبية والسيرة الشخصية، مع السعي الدائم لخلق مزيج عضوي بين الحياة والفن.

وقد أدى إسقاط موضوعات أدب " الافول" الديكادنتية ( وهي حركة أدبية وفنية وثقافية نشأت في فرنسا أواخر القرن التاسع عشر، ثم امتدت إلى بقية أوروبا. وتميزت هذه الحركة بالنفور من قيم الم تمع البرجوازي السائد، وجاءت كرد فعل على الواقعية المفرطة والتفاؤل العلمي للثورة الصناعية) على الواقع إلى إلحاق الضرر بسمعة الأدباء الذين تطفروا في  موضوعاتها. فقد رأى أندريه بيلي نفسه حاملاً لبعد إلهي حتى وصفه البعض بـ "المسيح الجديد"، بينما نُظر إلى بريوسوف  على أنه مخلوق من "الظلام". وفي الوقت نفسه، دار جدال حاد حول قضايا ذات طبيعة أدبية بحتة؛ حيث دافع بريوسوف عن وجهة نظر المدرسة" الافول"  "الديكادنتية" القائلة باستقلال الفن عن الدين والسياسة، بينما تمسك أندريه بيلي بحقه في تقييم الشعر بناءً على ارتباطه بقضايا الإيمان. وقد وصلت حدة الخلافات بينهما إلى درجة كادت تقودهما للمبارزة.

ودرس بريوسوف حياة وأعمال بوشكين بجدية؛ إذا جمعنا أعماله عن بوشكين، فإنها تشكل كتابًا كاملاً. وقد ترجم الكثير من الشعراء الأجانب. كان شاعرًا يتميز بالشكل المصقول، وقد درس خصائص الشعر الروسي بعناية وسعى لتوسيعها. ومع ذلك، فإن الجزء الرئيسي من إرثه هو الشعر الغنائي. واحدة من أكثر قصائده اكتمالًا هي «شيطان الانتحار» (1910). وقد تجسدت السمات الرئيسية للحركة الديكادنتية فيه بقدر كبير.

وكان بريوسوف الحداثي الوحيد الذي تقبّل ثورة أكتوبر البلششفية عام 1917 بلا قيد أو شرط، وتعاون بفاعلية مع الحكومة السوفيتية واحتل مكانة بارزة في الحياة الأدبية بعد انضمامه إلى الحزب البلشفي. كما أسس المعهد الأدبي والفني العالي وترأسه، والذي حمل اسمه لاحقاً بعد وفاته. ومع ابتعاده عن تيار الانحطاط "الديكادنتي" الأدبي، أدرج في قصائده أحدث النظريات العلمية، مثل مبدأ النسبية وعوالم الإلكترونات والأبعاد المتعددة، وانعكست رؤيته العالمية الجديدة في العديد من قصائده مثل "من بيركليس إلى لينين"، و"في الكرملين"، و"الاتحاد السوفيتي".

***

د. فالح الحمـــراني

في المثقف اليوم