عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فؤاد بنبشينة: النّصوص الإبداعية المغربية.. نصف مُتعة

لماذا نصف متعة؟ فقط لأنّ المتعة لا تتحقق بين صانع النّص وقارئ النّص، وكأن النّص يرقص لوحده، وكأنّ كلّ من المُبدِع والقارئ يحلق وحده خارج السِّرب، ومن هذا المنطلق نتدرج في حياة النّص الإبداعي المغربي انطلاقا من أمكنة إنتاجيته.

هل النّص مكان-أمكنة، موضوع مادي فيزيائي؟ هل متعة النّص ولذته هي لذة المكان الذي أُنتِج فيه؟ وهل مُنتِج النّص هو الآخر ابن مكان إنتاجية النص أم أنّه يُرمِّق حضوره في اللا-مكانه أو أنّه يحمل أمكنة أخرى لجذوره ويسقطها في مكان إنتاج نصّه؟

من هذه الأسئلة هل أقول إنّ: الأمكنة عامل مساعد في إنتاجية النّص؟

وعليه، إذا تحققت لذة النّص المغربي هل بالضرورة تكون الأمكنة المغربية التي صنعت هذا النص هي الأخرى تحقق اللذة والمتعة؟ أم أنّ الذات التي أنتجت النص وأبدعته هي تتمتّع حين تكتب؟ هنا لا نتحدث عن ذات مغربية تُنتِج نصّها من خارج مكانها أي تنظر من خراجه، بل ذات مغربية أبدعت في إنتاجية نصّ أدبي ما وِفق اختلاف جنس إبداعي ما؛ إذن في أبسط القراءات لمبدع-كاتب ما أو مبدعة-كاتبة ما داخل حقل الشعر أو النثر أو جنس آخر من أجناس الفنّ والإبداع الإنساني، هي قراءات تَتخِذ شكل مُحاورة بين ذات قارئة وذات مقروئة، وسنبتعد عن نظرية «موت المؤلف» التي صاغها رولان بارث حتى نُبقي على حياة القارء والمقروء له والعلاقة بينهما هي علاقة مُحاورة لأنهما يتقاسمان نفس المكان المغربي، سواء كان هذا المكان يُحقق مُتعة أم لا يُحققها، والأرجح أنّ الأغلبية تُنتِج نصوصها داخل اللا-أمكنة حيث اللا-سرور واللا-إنسان وهذا تؤشر عليه الإبداعية المغربية في تناول مواضيع تَمزُّق العلاقات الاجتماعية داخل نسق سوسيو-ثقافي، اقتصادي يعيش فوضى ثقافية، وما اللا-ثقافة إلا شكل آخر للفراغ  واللا-قدرة على صياغة جملة صريحة تصيب «قلب التمزقات» لتقتله فتُعيد خلق شكل كتابة قد يُصطلحُ عليها ب: «نسيج دفء المجتمع المغربي».

في السبعينيات شَكلّت الكتابة المغربية وخصوصا في جنس النثر «حساسية جديدة» بتعبير إدوارد الخراط، واستهدفت «قلب التمزّق» بالترميز والتلميح ومنحت للشخصيات الهشّة داخل المجتمع المغربي بعضا من البوح في ما يتعلّق بسلب ونهب حقّها الذي يعود إلى بداية التمزق السياسي مع بدايات 1907، حيث استثمرت الثقافة الفرنسية بعض الخطابات البصرية الساخرة من الشخصيات المغربية وأفصحت عن رغبتها في احتلال البلد بدعوى «تنظيف الأرض» ورفعت سياسيا شعار: «البعد الحضاري للأجانب بالمغرب» وهو شعار يحمل في بنيته قوّة تحالف قوى أوروبية بقيادة فرنسا الأمّ، إذن هذه الزمنية وما بعدها هل يمكن أن تحقق مُتعة كِتابة لدى المبدِع أم فقط هي كتابة «التنفيس الذاتي» مشحونة بأحاسيس غضب وكراهية وحزن ينقلها لآخر يتقاسم معه نفس الحالة الهووية، ومن ثمّة يُؤسِسان معا حالة: «النّص الغير التّام» وهو اللا-اكتمالية النّص داخل هوية مغربية شهدت اكتمال حياة جيّدة ما قبل 1862، ونصوص الفكر المغربي تؤكد على أنّ المغرب حافظ على تسمية البلد بالمغرب، بعدما انكسرت واستعمرت واضطهدت بلدان الجوار التي كانت تُشكل جغرافية المغرب الكبير، أحدِثت الحدود الاستعمارية والتزم المغرب بالدفاع عن جغرافيته –المغرب الصغير- وتصدّى إلى كل أشكال الغزو ولم يعرف الهزيمة، لكن ما حدث في تغليب الجهاد بالمال على الجهاد بالحرب والقوّة تشكلّ ما يعرف بالمخاصمة بين المال والعلماء، وكانت الحضوة للمال.

وهل المال وحده يصنع المتعة خارج العِلم؟ وماذا لو انتصر الجهاد بالحرب العادِلة على جهاد المال. طبعا المال يشتري الأرض لكن قد لا يشتري حريتها، ها نحن أمام علاقة المُبدِع بالأمكنة التي تُنتِج النّص، والعلاقة بينهما هي علاقة محاورة.   

هذه المحاورة تحمل القارء إلى عوالم النص كتابة أو صورة، وتُقحِمُه في مسارات شكل حياته أوّلا، هذا باعتبار أن الكتابة عن شيء ما؛ هي تمثيل لشكل حياة ما، ولأنّ الإثنين معاً (مبدع / قارء) لهما نفس الحياة المغربية باختلاف الطبقة الاجتماعية لكل واحد منهما، مثلا يمكن أن يكون القارء من طبقة-سلطة والمقروء له من طبقة-دون سلطة والعكس ممكنا. فهل هنا تتحقق المتعة داخل المحاورة بين الاختلافين داخل فضاء مُوّحد؟ أي سلطة مال في تضاد مع سلطة معرفة؟ يبدو أن العلاقة لا تتأسس على مبدأ التكافؤ ينقصها شيء من مقومات الصراع وهي القدرة والكفاءة والإنجاز، أو أن تنقلب علامات الإبداع حيث يمكن للنّص الإبداعي أن يُنتَج من داخل السلطتين «المال والمعرفة» وحتى إن تحقق هذا سنكون أمام نّص إبداعي هووي يُكتب داخل حالة نقص أو استعطاف لسلطة المال وحده، وأما المعرفة فقد تمّ توظيفها فقط لامتاع ذات المُبدع وحده. وقد تناول رولان بارث اللذة النصيّة باعتبارها شيئا قد يُمتِع الكاتب ولكن لا يحقق متعة لقارءه، يقول: «إذا قرأتُ عبارة ما، أو حكاية ما، أو كلمة ما بمتعة، فذلك لأنها كُتبت بمتعة، وأنّ هذه المتعة لا تتعارض مع شكوى الكاتب، بل على العكس.

بارث هنا يؤكد على أن متعة القارئ هي ليست متعة الكاتب.

ويقول بأنّ: «هل تضمن لي الكتابةُ بمتعة، أنا الكاتب، متعةَ قراءتي؟ كلا، مطلقًا». إذن متعة القارئ هي «حالة شعورية» تتأسس على شكوى الكاتب-المُبدع وفي حالات الإبداعية المغربية هي تتأسس على انهزامية صانع النّص خارج مؤسسات سلطة المال، وكأنْ تَكتُب عن ذاكرة حزينة مثلا فأنت تُمتِع قارئا يتعاطف مع النّص ورقيا داخل زمنية القراءة المحدودة، النّص الإبداعي المغربي خارج مؤسسة البحث العلمي الجامعي هو نص يشكو مظلومية «متعة إعادة القراءة داخل أمكنة إنتاجه» وإن على مستوى بحوث سلك الإجازة في العلوم الإنسانية، لكن ما إن حُرِم الطالب من صياغة بحثه في نهاية مسار الفصل السادس من سلك الإجازة تعثرت النّصوص الإبداعية المغربية وفقدت متعة قراءتها و«إعادة قراءتها كبناء للنّص» بتعبير تزفتنان تودورف، وفقدان اللّذة والمتعة النّصيّة الإبداعِية هو فقدان حرية النّص وإنسانيته، إنّه نّص يشكو التشرّد داخل ترهينات وزارة الثقافة وبعض فروعها في القليل من المدن المغربية أيضا هو «جسد حزين» تستضيفه منابر إعلامية سمعية-بصرية محتشمة. وفي حالات شبه اعتراف نسبي يتنفس النّص الإبداعي المغربي بعض من المتعة داخل بعض جمعيات المجتمع المدني وفق إمكانيات تضامنية.

عموما، نِصفُ النَّص هو نِصف مُتعة ونصف فكرة ونصف فِعل؛ اللا-مُتعة النصوص هي شكل صراع مع لصوص نصف المال، لصوص نصف الثقافة. إنّ أمكنة اللا-ثقافة واللا-علوم الإنسانية قَصّت أجنحة النّص الإبداعي المغربي وقتلت مُتعته، إلا القليل من النصوص مثل الطيور تقاوِم وتحقق حلم التحليق وهي: نصوص- مُشردة، نقتبس تمثيلا للحالة مع أمل دنقل:

«الطيور مُشردةٌ في السماوات،

مشردةٌ ليس لها أن تَحُطَّ على الأرض،

ليس لها غير أن تتقاذفَها

فلوات الريّاح».

إن اللا-أمكنة هي اللا-نصوص، والعكس يصح إن انقلبت العلامة: اللا-نصوص هي اللا-أمكنة. إن موت متعة النّص هي موت متعة القراءة وموت متعة النقد وموت متعة الصراع الإنساني في أمكنته، صراع يُقصد به صراع عادِل يُحقق حياة عادِلة ويؤرشف لحالات إنسانية لها ذاكرة بعيدة في أمكنتها. إنّ نصوص الإبداع هي «تغريدات الطيور» تؤشر على أنّ القلب جيّد وأنّ الصوت حرّ وأنّ الأمكنة أحلام يقظة ودفء العلاقات داخل مجتمعها وفق تعددية حقوله: سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

***

فؤاد بنبشينة

في المثقف اليوم